الدرس في شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع آداب دخول الخلاء بدءًا من التعوذ بالقدم اليسرى والخروج باليمنى مع قول "غفرانك"، مبينًا ضعف حديث "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى". كما يوضح هيئة الجلوس المستحبة على الرجل اليسرى ونصب اليمنى وأن الأمر في ذلك واسع بما يتيسر.
يقرر المقطع وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة بالدليل من القرآن والسنة سواء بالحائط أو بالبعد، مع النهي عن كشفها إلا عند الدنو من الأرض. كما ينهى عن قضاء الحاجة في طرق الناس ومجالسهم وتحت الأشجار المثمرة مستدلًا بحديث "اتقوا اللعانين".
يفصل المقطع الأماكن التي يحرم قضاء الحاجة فيها لأذية الناس كالموارد المثمرة والمجاري والماء الراكد والمقابر والمساجد. ثم يناقش خلاف العلماء في استقبال القبلة واستدبارها مرجحًا اختصاص النهي بالفضاء واستحباب الانحراف في البنيان خروجًا من الخلاف.
يذكر المقطع النهي عن مس الذكر باليمين أو الاستنجاء بها، ويحرم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله كالمصحف إلا لضرورة كخوف السرقة. كما يكره اللبث في الحمام بعد قضاء الحاجة وقراءة القرآن أو الذكر فيه مع تفصيل حكم التسمية عند الوضوء داخله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة". يذكر الاستنجاء في الطهارة؛ لأن معنى الاستنجاء هو إزالة النجاسة من مخرج البول والغائط بالماء، وهذا يسمى الاستنجاء. وسيأتي معنى الاستجمار: هو إزالة النجاسة من مخرج البول والغائط بالحجارة ونحوها. وأما قوله: "وآداب قضاء الحاجة"، فيكنى بذلك عن البول والغائط، يسمى قضاء الحاجة تأدبًا في اللفظ. فهذه لا شك أنها حاجة تقضى، فيسمى ما يخرجه الإنسان في أماكن التبرز "مكان قضاء الحاجة". فجاء الإسلام بذكر شيء من هذه الآداب ومن هذه الأحكام. فقال المؤلف ها هنا: "يستحب إذا دخل الخلاء...". الخلاء هو موضع قضاء الحاجة، وسمي الخلاء لأنه يجب أن يكون خاليًا من وجود أحد حتى لا ترى العورة، فسمي الخلاء. فيستحب إذا دخل الخلاء أولًا أن يقدم رجله اليسرى، ويقول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". وإذا خرج منه قدم اليمنى وقال: "غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني". أولا: تقديم اليسار في الدخول، وتقديم اليمين في الخروج، هذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، بل حكى النووي على ذلك الاتفاق. ودليل ذلك: لأن قواعد الشريعة قد استقرت على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمين واليسار، يعني التي يمكن أن تعملها باليمين أو تعملها باليسار، تقدم فيها اليمنى إذا كانت من بابي الكرامة والتشريف، يعني الأعمال الطيبة الشريفة. فهنا تقدم فيها اليمنى، مثل الغسل، مثل الوضوء، مثل الأخذ، مثل العطاء، هذا كله يكون بماذا؟ باليمين. الأكل، الشرب، هذا كله يكون بماذا؟ باليمين؛ لأن فيها تشريفًا وتكريمًا. ومما يدل على ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في ترجله، وفي طهوره، وفي تنعله، وفي طهوره، وفي شأنه كله". يعجبه التيمن؛ لأن هذه الأفعال من باب التكريم. فقوله: "في تنعله"، أي عندما تلبس النعال تبدأ أولًا بماذا؟ باليمنى. طيب، وعند نزعها تبدأ باليسرى؛ لأن اللبس من باب التكريم، والخلع من باب كذلك ماذا؟ ضد ذلك، من الإهانة ونحوها. وكذلك الترجل، الترجل يعني تسريح الشعر، إذا أراد أن يمشط شعره بدأ بماذا؟ بدأ باليمين. وكذلك في طهوره، سواء كان الغسل أو الوضوء، فكان يبدأ بالميامن، يبدأ بالميامن. وأما اليسرى فإنها ضد ذلك، فهي تستعمل في الأمور المستقذرة، أو الأمور التي فيها شيء من الإهانة أو نحو ذلك. مثل ماذا؟ دخول الخلاء، دخول الخلاء تستدخل مكانًا يعني مستقذرًا. أو كذلك الاستنثار، إذا استنثر استنثر بماذا؟ بيساره، استنثر بيساره. فهذا أيضًا من ذلك. فدليل ما ذكره من تقديم اليسرى عند الدخول: لأنه أمر مستقذر. وعند الخروج: لأنه أمر فيه تكريم وتشريف. وأما قوله: "ويقول بسم الله"، هذا يدل عليه عموم الأدلة، وحديث عن أنس ورد: "ستر ما بيننا وبين الجن بسم الله". هذا الحديث يعني يحسنه بعض أهل العلم. وأما قوله: "والله إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، هذا حديث متفق عليه. ومعنى الخبث: قيل هو الشر، وقيل هم ذكور الشياطين؛ فإن مواضع قضاء الحاجة مظنة تواجد الشياطين. والخبائث: قيل هي أعمال الخلق الشريرة، وقيل هي إناث الشياطين. ولذلك كره العلماء المكوث في مواضع قضاء الحاجة إذا انتهى المسلم من قضاء حاجته؛ لأنهم قالوا: هذا فيه أن هذا الموطن موطن سكنى للشياطين. ولذلك يذكر من يقرأ على المرضى الممسوسين والمسحورين ونحو ذلك أن كثيرًا من هؤلاء تلتبسهم الجن وهم في مثل هذه المواطن، لأنهم لم يذكروا اسم الله، أو دخلوا وهم في فرح شديد، أو في غضب شديد، أو نحو ذلك، فتلتبسهم الشياطين. هذا معنى: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". نستشعر هذا المعنى. وأما قوله: "قدم اليمنى وقال غفرانك"، هذا رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح. لفظ "غفرانك". وأما حديث: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، فهذا حديث لا يصح، حديث ضعيف، رواه أبو داود، وقد حكم على هذا الحديث بالاضطراب والإرسال، وأنه موقوف على أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فلا يعمل بهذا الحديث. عند الدخول تقول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". ومتى تقول هذا؟ قبل الدخول؛ لأنه كما سيأتي معنا يكره ذكر الله في الحمام أو في موضع قضاء الحاجة. فأنت تأتي بهذا الذكر قبل الدخول، عند إتيانك للدخول إلى موضع قضاء الحاجة تأتي بهذا الذكر. وأما "غفرانك" فتأتي به عند الخروج وأنت خارج، تقول: "غفرانك". هذا هو الوارد. ولذلك نبه هنا الشارح تنبيهًا: ذكر "الحمد لله..." يعني الحديث الذي أذهب عني الأذى وعافاني، قال: "ورد في حديث ضعيف وهو حديث أبي ذر عند أبي داود وغيره، وسبب ضعفه كما تقدم: مضطرب، وقيل مرسل، وقيل موقوف، ووقع فيه اضطراب". وعليه فلا يشرع قوله، والله تعالى أعلم؛ لأن الأذكار توقيفية، الأذكار الخاصة بنوم أو بدخول أو بخروج هذه توقيفية، لا بد فيها من صحة الدليل، لا بد فيها من صحة الدليل. ثم قال: "ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى وينصب اليمنى". هذا الأمر جاء فيه حديث، حديث سراج بن مالك رضي الله عنه قال: "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى". لكن هذا الحديث رواه البيهقي بسند ضعيف، قال ذلك الحافظ في بلوغ المرام، وضعفه جماعة من أهل العلم كذلك، فهو حديث ضعيف. وعلى هذا فليس من السنة ذلك، فليس من السنة ذلك. فأمر الجلوس لقضاء الحاجة أمر واسع، أمر واسع على ما يتيسر لك ولا يشق عليك. تجلس... ومن يستطيع أن يطبق لنا هذه الكيفية؟ عندك عربي انت جالس، يجلس على رجله اليسرى كيف؟ ويعتمد على رجله اليسرى، ويعتمد على رجله اليسرى... نعم، هكذا تمام. عند قضاء الحاجة طبعًا هذا من غير الدرنش، هذا يعني يقضون الحاجة في البوادي وفي الفضاء. تمام، فالمراد هذا. وذكروا علة في ذلك، بعضهم ذكروا حتى قالوا: "ولو كان الحديث ضعيفًا فهذا أنسب في الجلوس". وما رأيكم في هذا القول؟ قالوا: أنسب؛ لأنه يقول الأطباء أن هذه الكيفية يعني أيسر في خروج الغائط، أيسر في خروج الغائط. الله أعلم تمام. يذكرون هذا، وذكروا شيئًا آخر وهو أنه حتى تكرم الرجل اليمنى. يعني الآن لو تجلس على الرجلين سيخرج الغائط من بين الرجلين، وهذا فيه يهانة لليمنى. قالوا: فيه يهانة للرجل اليمنى، فجلوسك على اليسرى هذا فيه إكرام لليمنى، فيه إكرام لليمنى. ذكروا هذا أيضًا. لكن قلنا: هذا بناء على الحديث، والحديث لا يصح. فالأمر في هذا واسع. أنت تجلس على الدرنش الفرنجي وهكذا مرتاح، وإن تحب أن تجلس على الدرنش يعني العربي، الأمر في ذلك واسع على ما يتيسر لك. ولم يرد شيء صحيح في هذا الباب في كيفية الجلوس. نعم، قال: "ويستتر". هنا قال: "وجوبًا"، لأن حفظ العورة واجب كما سيأتي معنا في الأدلة. قال: "ويستتر بحائط". هذا قول الشيخ ابن محمد الناصر السعدي: "ويستتر بحائط أو غيره، ويبعد إن كان في الفضاء". قوله هنا: "ويستتر بحائط أو غيره"، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. فمما يدخل في حفظ الفرج حفظه من النظر إليه. يعني حفظ الفرج ليس معناه أن لا تزني أو أن لا تفرغ شهوتك بأمر محرم لا، فهو أعم من ذلك. فمن حفظ الفرج أن تحفظ فرجك عن أن ينظر إليه من لا يجوز له النظر إليه. ولذلك جاء أيضًا، وهذا من الأدلة، في حديث معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟" قال: "احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك". يعني لا يجوز لأحد أن ينظر إلى عورتك إلا زوجتك أو ملك اليمين؛ لأنك تعاشرها بالمعروف فيجوز لها أن تنظر إلى عورتك، ويجوز لك أن تنظر إلى عورتها. أما غير ذلك فلا يجوز، ولو كان أبوك أو أمك أو أخوك أو صديقك أو غير ذلك، لا يجوز لأحد أن ينظر إلى عورتك. ولا شك أن قضاء الحاجة يستدعي كشف العورة، يستدعي كشف العورة، فلا بد أن يكون المسلم مستترًا إما بحائط أو بغيره. إن كان في البنيان يكون بحائط، ما تتغوط عنده ناس جالسين، ما تقضي حاجتك عنده ناس جالسين. وإذا كان في الفضاء تبعد، ولذا قال: "ويبعد إن كان في الفضاء". والمراد بالفضاء المكان الذي لا جدران فيه ولا ساتر فيه. طيب، فإن كنت جالسًا عنده ناس وتريد أن تقضي حاجتك، لا تقضيها وهم ينظرون إليك أو يستطيعون النظر إليك. لا، تبعد بحيث أنهم لا يستطيعون النظر إليك. ودليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة: لما جهز للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءًا في الإداوة، قال: "فأخذتها، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني". ما معنى "تواري"؟ يعني حتى لم أره، خلاص اختفى. "تواري" يعني اختفى عني، اختفى عني. هذا هو السنة. نعم، وكذلك حديث عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، وقال: "وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل". رواه مسلم. والمراد بالهدف: أي ما يكون من الساتر من الجدار ونحوه، من الجدار ونحوه. وأما حائش نخل: أي النخل الكثيف المتقارب فيكون ساترًا. ولذلك جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقضي حاجته فرأى شجرتين، فنادى هذه ثم نادى هذه، فالتأمتا وتقاربتا، ثم قضى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته وراءهما. فهذا يدل على أن الستر في قضاء الحاجة واجب، حتى لا يتمكن أحد من رؤية عورة ذلك القاضي حاجته. نعم، هذا أيضًا من الآداب. ولذلك قال: "ولا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض". والحكمة من ذلك: لأنه ربما لو كشف ثوبه قبل أن يدنو من الأرض لرآه الناس. أن أحيانًا يكون المكان منخفضًا، طيب، يكون المكان منخفضًا، إذا جلست لا يراك أحد، وإذا وقفت يراك الناس. فلذلك يستحسن، خصوصًا إذا رأيت أن أحدًا ربما يرى العورة إذا وقفت، فالأفضل بل الواجب أن ترفع الثوب عند الدنو من الأرض. أما إذا كنت في الحمامات وكذا، فالواجب في حينئذ أن تغلق الباب، تمام، أن تغلق الباب حتى لا يفجؤك أحد بفتح الباب، والمكان مستور. والمكان يكون مستورًا إذا كان هذا في قضاء الحاجة، ففي غيره من باب أولى. يعني عندما تنام لا تكشف عورتك، يعني ما تجعل سروال داخل، لأن النائم مثل الميت ينقلب ويرتفع ثوبه والناس يرون عورته. صح، فينبغي في السكن العامة أن يتحرز الواحد ويلبس السراويل، بحيث أنه إذا ارتفع الثوب لا يزال في ستر، وعورته تكون مستورة. فهذه قاعدة مهمة جدًا: احرص أن لا يرى عورتك أحد، أن لا يرى، خصوصًا العورة المغلظة، خصوصًا العورة المغلظة. أما العورة غير المغلظة فالأفضل أن كذلك تحرص. لأن عورة الرجل من السرة إلى الركبة. طيب، وهناك عورة مغلظة وهناك عورة غير مغلظة. العورة المغلظة: السوءتان وما حولهما، هذه العورة المغلظة. وأما العورة غير المغلظة كالفخذ، فالفخذ أيضًا جاء الأمر بستره. عدي بن جرهد: "احفظ عورتك يا جرهد، غط فخذك، فإن الفخذ عورة، فإن الفخذ عورة". ولا بأس أحيانًا يعني إذا انكشفت من غير قصد أو نحو ذلك يعفى عن ذلك. واستدلوا بحديث عثمان: لما كان نبي صلى الله عليه وسلم جالسًا في حائط ومدل رجليه في بئر، وكشف عن فخذه، فدخل أبو بكر ثم دخل عمر وهو على هذه الهيئة، فلما استأذن عثمان غطى فخذه عليه الصلاة والسلام، وقال: "إن هذا الرجل تستحي منه الملائكة، أفلا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". فاستدل العلماء بذلك على أن حكم عورة الفخذ ليست كحكم عورة السوءتين الكبرى. لكن ليس معنى ذلك أن يتعمد الشخص في كشفها، ولكن إذا كشفت أحيانًا كأن يكون مثلا على دراجة أو كذا، إن كشفت أحيانًا ثم يغطيها، هذا أمرها أيسر وأمرها أخف، ليس ككشف العورة المغلظة. ومع هذا ينبغي للمسلم أن يحرص على ستر جميع عورته، على ستر جميع عورته، بعدًا عن الفتنة؛ فإن كشف العورة خصوصًا من الصغير والأمرد تحصل به الفتنة. قال: "ولا يحل له أن يقضي حاجته في..." يعني جاء النهي عن قضاء الحاجة في بعض المواضع أو بعض الأماكن، وقد دلت عليها الأدلة. من ذلك: طريق الناس، أو محل جلوس الناس، أو تحت الأشجار المثمرة، أو في محل يؤذي به الناس. ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا اللعانين". ومعنى اللعانين: يعني الأعمال التي تكون سببًا في لعن الناس لك، الأعمال أو الأسباب التي تكون سببًا في لعن الناس لك. "اتقوا اللعانين". قالوا: يا رسول الله، ومن اللعانان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم". يعني أي مكان يتأذى الناس من قضاء الحاجة فيه فلا يجوز أن تقضى الحاجة فيه. هذه قاعدة. فمثلا: ناس يمرون من هذه الطريق، وأنت تأتي وتتقوط في هذا الطريق، يأتي الشخص يطأ هذا القذر، هذا أذية للناس، وربما الذي يطأ هذا القذر يقول: من فعل هذا لعنه الله، ويلعن. صح، أنت تسببت في لعن الناس، هذا معنى "اللعانيين". كذلك محل جلوس الناس: الناس يجلسون في محل، في مكان ينتفعون بهذا المكان، أنت تأتي وتبول في هذا المكان، يأتي يريدون الناس يجلسون، يجدون رائحة كريهة، يجدون النجاسة، يقولون: من فعل هذا؟ حرمنا من هذا الجلوس، ويسبون. صح. كذلك ظل الناس، أو الأشجار المثمرة: شجرة فيها رطب، نخلة، جئت تبول تحتها، تخرج الثمر، تسقط على الغائط، هل أحد يستطيع يأكلها؟ ما أحد يستطيع يأكلها. طيب، فهذا أذية، حرمت الناس من هذا الثمر، من هذا الخير، من هذا الرزق الطيب. أو علق دوم، أو بيدانة، أو كذا، تأتي وتبول تحتها وتتقوض تحتها، فيسقط الثمر ويتنجس، هذا أيضًا لا يجوز. أو في أي محل يؤذي به الناس: في أي محل، يعني مثلا أحيانًا الناس على سبيل المثال، في عصرنا هذا، الناس مثلا يجلسون على دكة أو يجلسون على كرسي، فأنت تأتي وتنجس هذا الكرسي أو تنجس هذه الدكة ببول أو بغائط أو نحو ذلك. أو كذلك ما يكون من فتح المجاري: تفتح المجاري في طريق الناس، هذا بمعنى التغوط، ماشي فرق، لأن الأذية حاصلة، الأذية حاصلة. أنت معك بيارة فاضت هذه البيارة، يجب عليك في الحال أن تعالج هذه المشكلة، ولا تؤذي الناس، لا تؤذي الناس، تجعل هذه الحابسة أو هذه النجاسة تذهب إلى الشارع وتسد على الناس الطريق وتؤذي الناس وتنجس الناس، هذا أيضًا في معنى أذية الناس، في معنى أذية الناس. أو طريق السيارات: تجعل المجاري في طريق السيارات، تأتي السيارة تمر، يذهب الماء في المارة وينجس الناس، هذا بهذا المعنى أيضًا. وكل هذا لا يجوز، كل هذا لا يجوز. وأما قوله هنا: "مما أضافه: أو في الماء الراكد". الماء الراكد يعني الماء الذي لا يجري، لا يجري، راكد. فهنا لا يجوز التغوط. خرج بهذا الماء الجاري، فإن الماء الجاري يطهر نفسه بنفسه. لكن المشكلة هنا في الماء الراكد. وقد ورد في هذا حديث: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد". لا يبولن أحدكم في الماء الراكد. وكذلك جاء النهي عن الاقتصال منه، ثم يغتسل منه، ثم يغتسل منه. فجاء النهي عن ذلك كله، جاء النهي عن ذلك: عن مجرد البول، وكذلك عن الاغتسال فيه بعد البول، الاغتسال فيه بعد البول، جاء هذا. وهذا كذلك مما يضاف في الأماكن التي لا يجوز قضاء الحاجة فيها: المقبرة أو القبور. فقد جاء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر". رواه مسلم. فهذا أيضًا مما ينهى عنه، ومن باب أولى قضاء الحاجة أو البول في المسجد. تعرفون حديث أنس، حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، هذا أشد، البول في المسجد أشد، فهو أعظم من البول في الطريق أو في محل جلوس الناس؛ لأن المسجد هو محل عبادة الناس، ليس جلوس الناس فقط بل عبادة الناس، فلا يجوز ذلك. كذلك، ثم قال: "لا يستقبل القبلة أو يستدبرها حال قضاء الحاجة". هل يتكلم؟ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا". متفق عليه من حديث أبي أيوب. تمام هذا الحديث: "فلما قدمنا الشام وجدنا المراحيض قد وجهت قبل القبلة، فكنا ننحرف ونستغفر الله". هكذا جاء في حديث أبي أيوب. والعلة في ذلك: لشرف البيت، لشرف البيت؛ لأنه مكان يعني معظّم، فمن تعظيمه ألا يوجه عند قضاء الحاجة. واختلف العلماء: هل هذا النهي عام في البنيان وفي الفضاء، أو أنه خاص بالفضاء؟ أنتم هذه المسألة... يعني النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها، هذا عام ولو كنت في البيت في الحمام عندك بناء، أو هذا فقط في الفضاء عندما ما يكون هناك جدران ولا سواتر ولا شيء؟ أنتم هذا الآن اختلف العلماء في ذلك. جمهور أهل العلم وهم المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن النهي في الفضاء فقط، أما في البنيان فيجوز. واستدلوا بعدة أدلة، منها هذا الحديث، قالوا: قالوا: قوله "إذا أتيتم الغائط"، قالوا: حقيقة الغائط هو المكان المنخفض. قالوا: في الحديث إشارة إلى أنه يراد به الفضاء؛ فإن المكان الذي تقضى فيه الحاجة في البيوت يكون مستورًا، فلا يحتاج إلى انخفاض. لكن هذا ليس بصريح. لكن لهم أدلة صريحة في ذلك، منها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، قال: فرأيته قبل أن يقبض بعام، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها". فحمل العلماء ذلك على البنيان، على البنيان. والحديث رواه أبو داود وابن ماجه. وأصرح من ذلك حديث مروان الأصفر: قال: "رأيت ابن عمر أناخ راحلته، يعني جلس راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول وهو مستقبل القبلة، يبول إليها يعني إلى الراحلة. فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ كيف أنت تستقبل القبلة وتبول؟ فقال له ابن عمر: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس". لأن باعتبار الآن ماذا الذي ستره؟ الراحلة، لأنه أناخ راحلته وجعلها الستر له، واضح. فاستدل العلماء بهذه الأحاديث وهم الجمهور على أن النهي خاص بالفضاء. وذهب بعض أهل العلم، ومنهم أبو أيوب وغيره من المحققين، إلى أن النهي عام، لقول أبي أيوب وهو راوي الحديث: "فلما قدمنا الشام رأينا المراحيض قد وجهت قبل القبلة، وكنا ننحرف ونستغفر الله". يعني ينحرف عن اتجاه القبلة لأنه يرى أن النهي عام. والمراحيض التي تكون في البنيان لا تكون في خارج، المراحيض مثل الحمامات الآن، واضح هذا الآن. فاستدل من ذهب إلى التعميم بفهم أبي أيوب لهذا الحديث. لكن الجمهور ردوا أن هذا اجتهاد من أبي أيوب، ففهم من النهي العموم، ولم يبلغه أحاديث قضاء النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته وهو البول وهو مستقبل القبلة في البنيان. فالأقرب والله أعلم أن النهي إنما يكون في الفضاء. ولكن الأفضل والأكمل، وخروجًا من خلاف أهل العلم، أن الواحد إذا كان في البنيان ينحرف عن القبلة، وإذا أراد أن يبني بيتًا يجعل حمام البيت بغير اتجاه القبلة، بغير اتجاه القبلة، خروجًا وماذا يضره ذلك؟ لا يضره شيء. بدل ما تجعل الحمام هنا، تجعل الحمام هكذا، خيب. وهذا المعمول به في بلادنا وفي مساجدنا ولله الحمد. فهذا هو الأفضل، خروجًا من خلاف أهل العلم، فلا أحد ينكر عليك. طيب، وكذلك لفعلي وفهمي هذا الصحابي الجليل، هذا الصحابي الجليل. لكن أحيانًا مثلا تدخل حمام ما فيه درنش، مثلا فيه فقط حق بول فقط، فإذا استقبلت غير القبلة على قول الجمهور لا حرج عليك، لا حرج عليك إن شاء الله تعالى. وأما قوله هنا: "ولكن شرقوا أو غربوا"، فهذا الحكم خاص بأهل المدينة؛ لأن أهل المدينة قبلتهم جهة الجنوب. فإن نحن عندنا مثلا جهة القبلة نحن جهة الشرق، أي جهة الغرب، الغرب من هذه الجهة والشرق من هذه الجهة، وهنا الجنوب وهنا الشمال، وهنا الجنوب وهنا الشمال. تمام، فنحن ما نقول شرق أو غرب؛ لأنه لو شرقت ستستقبل ماذا؟ ستستدبر القبلة إذا شرقت، وإذا غربت ستستقبل القبلة إذا غربت، وإذا شرقت ستستدبر القبلة. واضح. لكن نحن نقول: اذهب إما ناحية الشمال أو جهة اليمين، شمال أو جنوب، أو جنب، يعني جهة الجنوب. واضح هذا الآن. ومما يدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بين المشرق والمغرب قبلة". هذا أيضًا خاص بمن؟ بأهل المدينة. بين المشرق والمغرب قبلة؛ لأن قبلة أهل المدينة جهة الجنوب، فهي بين المشرق والمغرب. واضح هذا الآن. ثم قال: "ولا يحل له أن يمس ذكره بيمينه". "إذا استنجى أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه". حديث في الصحيحين. "وأن لا يستنجي بها". وهذا أيضًا من باب التكريم كما تقدم معنا، فالذكر لا يمس باليمين، والاستنجاء كذلك لا يكون باليمين. قال: "ولا أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله". ويجب عليه أن ينقطع عن ذكر الله ما دام فيه. ودليل ذلك حديث المهاجر بن قنفذ: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه المهاجر، سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه السلام حتى توضأ عليه الصلاة والسلام، ثم اعتذر إليه فقال: "إني لم أرد عليك لأني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة". فدل ذلك على أن... الحديث في أبي داود ويصححه العلامة الألباني. فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يذكر الله في هذا الموطن. فالكراهية هنا تشمل أن تدخل بشيء فيه ذكر الله، لأن هذا فيه إهانة. لو عندك مصحف أو عندك ورقة فيها ذكر الله، فلا يجوز لك أن تدخلها معك إلى الحمام، إلا إذا نسيت، أو ذكر أهل العلم حالة أخرى وهو: خشي في مكان عام، وإذا وضعت هذا المصحف أو هذه الورقة في خارج الحمام خشيت من أن تسرق، فهنا لا بأس أن تدخلها معك وتبعدها من مكان قضاء الحاجة، تضع عند الباب مثلا أو تضعها في معلق أو نحو ذلك. هذا عند الضرورة. وإلا في الأصل إذا كنت في مكان لا تخشى عليه، لا تخشى على المصحف أو على هذه الورقة من السرقة أو الضياع، فواجب عليك أن تخرج هذا المصحف قبل الدخول إلى الخلاء. أن هذا من تعظيم القرآن، ومن تعظيم الله، ومن تعظيم ذكر الله سبحانه وتعالى. ولذلك حذر العلماء حتى من بعض الأشياء التي ينتفع بها المسلم في غسله، كالشامبو مثلا أو الصابون، بعضها تجد فيها اسم الله. مرة جاء شامبو مكتوب فيه اسم شخص صاحب الشركة، واسمه أحد أسماء الله عز وجل، ما أدري: عبد الوهاب أو عبد الرحمن، عبد الرحمن... هذا ما يجوز، هذا فيه إهانة، هذا الكيس يوضع في الحمام وربما فيه الخلاء، وهذا أيضًا من هذا الباب. حذر العلماء من مثل ذلك. واضح، فلا يجوز أن يكون هناك شيء فيه ذكر الله وتدخله معك إلى الحمام، هذا لا يجوز. وكذلك يجب عليه أن ينقطع عن ذكر الله ما دام في الحمام. لا تقرأ القرآن في الحمام، لا تسبح، لا تهلل، لا... لأن هذا قضاء حاجة فقط وتخرج مباشرة. ولذلك قال بعدها: "ويكره له اللبث في مكان قضاء الحاجة فوق حاجته". إذا انتهى، الله... فإذا قضيت حاجتك ما تجلس له وتقرأ في الجوال أو أه، تجلس هكذا في الحمام، هذا يكره. لماذا؟ لأن هذا سيحرمك من ذكر الله. أنت لا يجوز لك أن تذكر الله وأنت تجلس في مكان... لا تعبد الله عز وجل، ولم تدخله إلا للحاجة، لولا هذه الحاجة لما دخلت. فإذا يكره أن تبقى في الحمام إذا انتهت حاجتك. خلاص قضيت حاجتك، استنجيت، تخرج من الحمام، اغتسلت، تخرج من الحمام، لا يعني تمكث كثيرًا في الحمام. طيب، لعلنا اليوم نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. هذه المسألة وجد فيها خلاف، لأن من قال بوجوب التسمية عند الوضوء: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"، قال: لا بأس أن تبتعد قليلا عن موطن قضاء الحاجة وتسمي الله، والأفضل أن تتوضأ خارج الحمام. لكن الصحيح أنه ليس بواجب، طيب، إنما هو مستحب على القول الراجح. فإذا نسيت أن تسمي قبل ما تدخل، فلا بأس أن تسمي الله داخل الحمام، لكن تبتعد قليلا من موطن قضاء الحاجة. لا، والله أعلم.