الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 8، ألقاها
توحيد العبادة يعني إفراد الله بالعبادة دون غيره، وهو أساس الإيمان الصحيح. المشركون أخطأوا في توحيد العبادة رغم إقرارهم بتوحيد الربوبية.
جميع الرسل دعوا أممهم إلى توحيد العبادة، بدءًا من نوح عليه السلام وانتهاءً بمحمد صلى الله عليه وسلم. كان التوحيد الذي يدعون إليه هو عبادة الله وحده.
دعوة التوحيد تتطلب إفراد الله بالعبادة في جميع أنواعها، مثل الدعاء والاستغاثة والاستعانة. الله لا يقبل عملاً فيه شرك.
الإيمان الحقيقي بالله يتطلب صرف العبادة له وحده، وعبادة غير الله تنافي التوحيد. لا يعتبر المرء مؤمنًا إذا أشرك مع الله غيره.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد الأمير الصنعاني رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد": "فأرسل الله الرسل تأمرهم بترك عبادة كل ما سواه، وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، أي من اعتقاد أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم عند الله، والتقرب إليهم باطل، أي بأنواع العبادات والقربات من ذبح ونذر ودعاء واستغاثة للآخر ذلك، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وهذا هو توحيد العبادة، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة بأن لا يعبد إلا الله، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله". قال: "وقد كانوا مقرين كما عرفت في الأصل الرابع بتوحيد الربوبية، وأنه الخالق وحده والرازق وحده، أي أن المشركين كانوا يقرون بربوبية الله، وأن الله جل وعلا متفرد بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والرزق وغير ذلك من أمور الربوبية، هم مقرون بذلك، ولكن أشركوا في توحيد العبادة وتوحيد الألوهية". قال: "ومن هذا يعرف أن التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم وهو نوح عليه السلام إلى آخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم هو توحيد العبادة، فأول الرسل الذين بعثهم الله عز وجل يدعون إلى توحيد الله جل وعلا هو نوح عليه السلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾". قال: "ولذا تقول لهم الرسل: «أعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، وأن لا تعبدوا إلا الله، يعني لم تأتي الرسل تأمرهم بتوحيد الربوبية وبتقرير أن الله عز وجل هو المتفرد بالخلق والملك والإحياء والإماتة؛ لأن هذا يقرون به، لكن وقع شركهم في الألوهية والعبادة". قال: "فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية ربوبية السماوات والأرض، وأن يفردوه بكلمة لا إله إلا الله، معتقدين لمعناها، عاملين بمقتضاها، وأنهم لا يدعون مع الله أحدا، مقتدين معتقدين لمعناها أنه لا معبود بحق إلا الله، فلا يستحق أحد من المخلوقات أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا الله جل وعلا وحده، لا يستحق أن يعبد لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، فضلا عن غيرهم من المخلوقات". قال: "وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَكُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دَعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، دعوة الحق دعوة التوحيد، دعوة الحق قيل: هي دعوة التوحيد، وقال ابن عباس وقتادة: هي لا إله إلا الله، وكل التفسيرين متقارب". قال: "فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللجوء إلى الله تعالى، والنداء له، والنحر له، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللا لله تعالى، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب -يعني في الإحرام- لا يكون إلا لله، والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله -يعني حلق الرأس لا يكون إلا لله جل وعلا-". قال: "فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملا شرك فيه غيره، كما ثبت عن أبي هريرة في مسلم أن الله عز وجل يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»". قال: "ولا يؤمن به من عبد غيره معه، أي لا يكون مؤمنا به وموحدا من عبد مع الله جل وعلا غيره، وصرف العبادة لغير الله جل وعلا". وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.