شرح العقيدة الواسطية 50

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 50، ألقاها

استدلال شيخ الإسلام على علو الله تعالى

استدل شيخ الإسلام بقوله تعالى «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» على إثبات صفة العلو لله جل وعلا. الآية تحتوي على دلالتين على علو الله، الأولى في صعود الكلم الطيب إليه والثانية في رفع العمل الصالح إليه.

الاستدلال بالقرآن على علو الله واستواءه على العرش

يناقش الاستدلال بآيات القرآن على علو الله تعالى واستواءه على العرش، ويرد على المعطلة الذين يحرفون معنى الآيات. يبين أن الله عز وجل في السماء وأن الملائكة ترفع العمل الصالح إليه.

تفسير آية «أأمنتم من في السماء» ودلالتها على علو الله

يفسر قوله تعالى «أأمنتم من في السماء» ويبين أن الله عز وجل في العلو، وأن الآية تدل على علو الله على جميع خلقه. يوضح معنيين محتملين للآية، الأول أن «في» بمعنى «على» والسماء تعني السماوات المعروفة.

استدلال العلماء بالفطرة على إثبات صفة العلو

استدل العلماء بردود الفطرة على إثبات صفة الله، كما في قصة الجارية السوداء التي أجابت بأن الله في السماء. هذا يدل على توافق الفطرة مع الشرع القويم الذي بعث الله به الرسل.

التفريغ النصي الكامل

قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما قوله سبحانه «إليه يصعد الكلم الطيب» فهو صريح أيضا في صعود أقوال العباد وأعمالهم إلى الله عز وجل، يصعد بها الكرام الكاتبون كل يوم عقب صلاة العصر وعقب صلاة الفجر، كما جاء في الحديث. فيعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم كيف تركتم عبادي. فيقولون: يا ربنا، أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه الآية، وهو قول الله جل وعلا: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾، استدل بها رحمه الله تعالى على إثبات صفة العلو لله جل وعلا، وذلك من لفظين في هذه الآية. الأول قوله: «إليه يصعد الكلم الطيب»، فيه دلالة على صعود الكلام إلى العلو، وهذا فيه دلالة على أن الله في العلو. وأيضا قوله سبحانه: «والعمل الصالح يرفعه» أي يرفعه إليه، ففي الآية شاهدان على إثبات العلو لله جل وعلا. فالكلم الطيب الذي يتكلم به العباد يرفع إلى الله جل وعلا، وفيه دلالة على أن الله في السماء. والعمل الصالح الذي يعمله العباد كذلك يرفعه الله عز وجل إليه في السماء. فهذه الآية فيها دلالة واضحة على أن الله عز وجل في السماء. وكما ترون أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى نوع الاستدلال على إثبات صفة العلو لله جل وعلا، فتارة يذكر قوله سبحانه عن عيسى عليه السلام: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾، وتارة قوله: «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه»، وأحيانا يذكر عن موسى وهارون وما جرى بين موسى وفرعون، وأن فرعون قال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى﴾. قال: وإني لأظنه كاذبا قوله «فأطلع إلى إله موسى» بعد أن قال: «ابن لي صرحا»، والصرح هو المكان الشامخ المرتفع. فهو يقول: «ابن لي حتى أصعد إليه فأنظر إلى إله موسى»، فهذا فيه دلالة على أن من عقيدة موسى، بل وعقيدة الأنبياء جميعا، من أولهم إلى آخرهم، أنهم كانوا يخبرون بأن الله في السماء. وكذلك ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى من الحديث، في حديث الملائكة السياحين الذين يسوحون في الأرض، فيلتمسون حلق الذكر، وأنهم إذا وجدوا حلقا يذكرون الله عز وجل، سمعوا ما سمعوا، ثم عرجوا إلى ربهم عز وجل. كما قال: إن الملائكة الكرام يأتون كل يوم عقب صلاة العصر، وكذلك عقب صلاة الفجر، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. ثم يصعدون إلى ربهم جل وعلا. فقولهم: «ثم يصعدون إلى ربهم جل وعلا» أو «ثم يعرجون إلى ربهم جل وعلا»، فيه دلالة على أنهم يصعدون إلى الله، وأن الله عز وجل في السماء، وأن الملائكة يرفعون العمل الصالح إلى الله عز وجل في السماء. قال: هل يجوز أن يقول إنسان: إن الله عز وجل مستو على سماواته؟ ولماذا؟ لأن العلو علوا مخصوصا على العرش، فلا يقال: استوى على السماء، أي استوى على الماء، استوى على الهواء، لا يقال هذا. ولكن يقال كما قال سبحانه وتعالى عن نفسه: ﴿ثم استوى على العرش﴾، فالاستواء علو مخصوص، بخلاف العلو فإنه علو مطلق، فوق جميع الخلق. قال رحمه الله: وأما قوله سبحانه حكاية عن فرعون: ﴿يا هامان إلى آخر الآية﴾، فهو دليل على أن موسى عليه السلام أخبر فرعون أن إلهه في السماء، فأراد أن يتلمس الأسباب لتصل إليه، تمويها على قومه. فأمر وزيره هامان أن يبني له الصرح، ثم عقب على ذلك بقوله: ﴿وإني لأظنه كاذبا فيما أخبر به من كون إلهه في السماء﴾. فمن إذن أشبه بفرعون، أقرب إليه نسبا، نحن أم هؤلاء المعطلة؟ إن فرعون كذب موسى في كون إلهه في السماء، وهو نفس ما يقوله هؤلاء. حتى قال بعض الأئمة: من قال إن الله في السماء فهو موسوي، ومن قال إن الله ليس في السماء فهو فرعوني. قال رحمه الله: قوله «أأمنتم إلى آخر الآية»، هاتان الآيتان فيهما التصريح بأن الله عز وجل في السماء، ولا يجوز حمل ذلك على أن المراد به العذاب أو الأمر أو الملك، كما يفعله المعطلة. لأنه قال: «من»، وهي للعاقل. وحملها على الملك إخراج اللفظ عن ظاهره بلا قرينة توجب ذلك. ولا يجز أن يفهم من قوله «في السماء» أن السماء ظرف له سبحانه، بل إن أريد بالسماء هذه المعروفة، فـ«في» بمعنى «على»، كما في قوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾. وإن أريد بها جهة العلو، فـ«في» على حقيقتها، فإنه سبحانه في أعلى العلو. ذكر الشارح رحمه الله تعالى في هذه الآية التي ذكرها شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى للاستدلال على علو الله جل وعلا، فالله جل وعلا يقول: ﴿أأمنتم من في السماء﴾، وهذه الآية صريحة واضحة في أن الله عز وجل في السماء. فالله جل وعلا بين في هذه الآية وهدد في هذه الآية أنهم لا يأمنوا من في السماء. فقوله: «أأمنتم من في السماء»، فيه دلالة واضحة على أن المراد به الله جل وعلا. بقي هل يفهم من قوله «في السماء» أن السماء ظرف لله جل وعلا محيط به؟ الجواب: أن هذا لا يقوله من عرف ربه عز وجل حق المعرفة، ومن عظم ربه حق التعظيم، وأجل ربه حق الإجلال. لأن الله عز وجل لا يحيط به شيء من خلقه، بل هو المحيط بجميع خلقه. فالآية كما أشار الشارح، في قوله «في السماء»، للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك توجيهان. التوجيه الأول: أن قول الله جل وعلا «أأمنتم من في السماء»، أن السماء على حقيقتها وعلى بابها، وأن المراد بها هذه السماوات المعروفة. فتقول الآية: «أأمنتم من على السماء»، فهنا تكون «في» بمعنى «على». وهذا الأمر معروف في لغة العرب. والتوجيه الثاني: أن السماء بمعنى العلو، لأن في لغة العرب تطلق السماء بمعنى العلو. فإذا أرجعنا السماء إلى معناها في اللغة، وكان معناها العلو، فالآية على بابها. فيقال: «أأمنتم من في العلو»، واضح. فكلا المعنيين يصح الاستدلال بهذه الآية على إثبات علو الله جل وعلا على جميع خلقه، علوا يليق بالله جل وعلا. وكما ذكرنا وأشرنا أن العلو من الصفات الثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة والإجماع، وكذلك دل عليها العقل، ودلت عليها الفطرة القويمة والمستقيمة. ومن ذلك الفطرة الذي استدل به العلماء رحمهم الله تعالى على إثبات هذه الصفة، ما جاء في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي في قصة الجارية السوداء التي كانت ترعى الغنم في شعف من الجبال. فلما قيل لها: «أين الله؟» أجابت مباشرة بدليل الفطرة: «في السماء». فهذا يدل على أن الفطرة القويمة المستقيمة توافق ما بعث الله عز وجل به الرسل من الشرع القويم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على