شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 16

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الذبح واللعن في الإسلام

يتطرق هذا الفصل إلى مسائل الذبح لغير الله واللعن في الإسلام، مبينًا أن الذبح لله وحده أمر ضروري وأن الذبح لغير الله من أكبر الذنوب. كما يوضح حدود اللعن في الشريعة الإسلامية.

أدلة الشرك واللعن من القرآن والسنة

يشرح هذا الفصل أحاديث نبوية وآيات قرآنية تتعلق بالشرك واللعن، ويتناول قصة الذباب التي أدت إلى دخول أحدهم النار والآخر الجنة، ويبرز أهمية نية القلب في الأعمال.

فوائد من حديث النذر ببوانة وتطبيقاته الفقهية

يستعرض هذا الفصل مسائل فقهية مستنبطة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول نذر رجل أن ينحر ببوانة، وتشمل تفسير النهي عن إقامة الصلاة في أماكن المعصية وأهمية استفصال المفتي في الأمور المحتملة.

حكم النذر فيما لا يملكه الإنسان وتطبيقاته

يناقش هذا الفصل حكم النذر فيما لا يملكه الإنسان، مبينًا أن النذر لا يصح فيما لا يملكه الإنسان، سواء كان خارجًا عن ملكه أو عجز عن فعله، ويشمل حالتين: عدم ملكية الشيء وعدم القدرة على الفعل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه من بعد. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في باب ما جاء في الذبح لغير الله، فيه مسائل. قال الأولى: تفسير «إن صلاتي ونسكي»، ونسكي كما قلنا هو ذبحي، والمراد بالنسك هو الذبح فيما شرعه الله كالهدي والعقيقة والضحية، فهذا يعتبر نسكا. فقوله «إن صلاتي ونسكي» أي وذبحي، كما قرنا هنا الصلاة بالنسك مثل قول الله عز وجل أيضا «فصل لربك وانحر»، أي اخلص لربك صلاتك وكذلك نحرك. فالشاهد من الآية «وانحر» أنا لما أمر الله عز وجل بالإخلاص في الصلاة أيضا أمر بذلك في الذبح. قال الثالث: البداية بلعنة من ذبح لغير الله، أي لكونه أعظم الذنوب فقدمه فيمن لعن. قال الرابع: لأنه من لعن والديه، منه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديه، إما مباشرة أو تسبب إلى ذلك. أما أنه يلعن والديه مباشرة، وهذا أعظم، وهذا قمة الحقوق، أو أنه يلعن أبا الرجل فيلعن أباه ويلعن أمه فيلعن أمه، أو يسب الرجل فيسب أباه أو يسب أمه فيسب أمه، أو يتسبب في سب أمه وأبيه، فهذا أيضا داخل في هذا. وهذا يدلك على أن المسلم لا ينبغي أن يكون سبابا، لأن هذا السب يعود عليه، كما جاء في حديث جابر بن سمرة «المتسابان يتهاتران في النار»، لأن السب يولد ما هو أعظم منه، فلهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من السب. قال الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو رجل يحدث شيئا فيجب فيه حق الله، عنده جريمة جناية مثل حق الزنا، عنده حد عليه حد زنا أو سرقة، فيبحث عنه القاضي أو يبحث عنه الحكومة، فهنا لا يجوز أن يجار أو يعنى يأويه الإنسان. قال السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفصل بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير، يعني يقدمها أو يؤخرها أو يميلها، كلها لا تجوز، معنى فيها محذوران: النهي أولا عن منار الأرض أو تغيرها، فهو معنى تغيير لمصلحة أو إضرار بالناس، سواء كان المسافرين كما قلنا أو من كانت له أرض. وقد جاء في حديث سعيد بن زيد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ظلم شبرا من أرض طوقه الله عز وجل سبع أراضين يوم القيامة»، من ظلم شبرا من أرض طوق يوم القيامة سبع أراضين. وهذا الذي يغير منار الأرض يعني يدخل في هذا. قال السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم، الثاني جائز لعن المعاصي أهل المعاصي على سبيل العموم، مثلا تقول: «ألا لعنة الله على الظالمين، ألا لعنة الله على الفاسقين»، هكذا الكاذبين، هذا على العموم. لأن الله هنا قال: «لعن الله من ذبح لغير الله»، «لعن الله من غير منار الأرض»، «لعن الله من لعن والديه»، هذا لعن ليس لعن معين وإنما لعن عام. لكن اللعن المعين غير هذا. لعن المعين بعض العلماء لم يجز مطلقا، لا يجوز مطلقا أن يلعن المسلم، بل حتى بعضهم يقول: حتى الكافر لا يلعن، لأن أولا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للصديق أن يكون لعانا». والأمر الثاني أن اللعن هو الطرد من رحمة الله، فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يلعن أخاه، معناه يدعو أن يطرد من رحمة الله ولو كان كافرا. قالت ثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب، معنى لأنها صارت سببا لدخول أحدهم النار والآخر الجنة. قالت التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم، أنه لم يقصده قبل أن يطلب منه، فلما خاف من شرهم تقرب حينئذ بذلك الذباب. وهذا إنما يكون تخلصا منه، وليس معناه أنه لم يقصده مطلقا. قال العاشر: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم، مع أنهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر. أنا صبر على هذا القتل مع أنه لو وافقهم ظاهرا لسلم منهم. وهذا دليل على شدة كراهته للشرك. قال الحادي عشر: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا لم يقل «دخل النار» في ذباب، أنا يقول: أن الذي دخل النار مسلم أصلا، لأنه قبل أن يقرب الذباب كان مسلما لا بعده، وإلا لما دخل النار. قال الثاني عشر: فيه شاهد للحديث «الجنة أقرب لحد أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك»، أي معناه لكون هذا لما قرب الذباب دخل النار، والآخر لما ضرب عنقه دخل الجنة. قال الثالث عشر: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأوثان، لأنهم قالوا: «أي شيء قرب ولو ذبابا»، يريدون التقريب، هذا يدل على أن قصدوا من هذا الرجل استمالة قلبه إلى شرك، استمالة قلبه أو ما يلين قلبه إلى شرك. قال باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، وقول الله تعالى: «لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين». هذا الباب تابع للذي قبله أو فرع من فروعه. فقال: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، ليس شركة، لكنه لا يجوز، معناه يعتبر من الحرام أن الإنسان يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، يفعل عبادة لله عز وجل في ذلك المكان، معروف أنها تفعل عبادة أو لغير الله. قال فيه مسائل: الأولى تفسير قوله «لا تقم فيه أبدا»، معناه أنك إذا رأيت ذلك المكان يعبد فيه غير الله أو أن هذا المكان هو مكان ضرار، فلا يجوز للمسلم أن يقيم في ذلك المكان. قال الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض وكذلك الطاعة، أن المعصية قد تؤثر في نفس الأرض، ولهذا قال الله عز وجل: «فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين»، أنا الله عز وجل يقول: «فما بكت عليهم السماء والأرض». قال مجاهد: أنها الأرض لتبكي، وأن السماء لا تبكي، فالأرض تبكي على من فقدته من أهل الطاعة، والسماء كذلك تبكي على من فقد من أهل الطاعة. قال الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال، معناه العين النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الرجل: «هل فيها وثن من أوثانهم؟ هل فيها عيدهم من عيدهم؟» فلما نذر هذا الرجل أن ينحر ببوانة احتمل أن يكون فيها محذور شرعي، لماذا اختار هذا المكان؟ فلهذا سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال الرابع: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك، لأنه إذا كان الأمر محتملا لابد أن يمحص هذا الأمر، خاصة إذا كان شك في هذا الأمر فلابد أن يتحرى. قال الخامس: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلت من الموانع، أن لا بأس أنه يحدد شيئا أو مكانا للنذر إذا خلت من الموانع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوفاء بالنذر، فلم يمنعه. قال السادس: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله، ولو بعد زواله، لأنه قال: «هل كان فيها وثن يعبد من أوثان الجاهلية؟» قالوا: لا. أنا لو مفهوم الكلام لو كان فيه وثن كان يعبد، معناه أن الأمر فيه شك، فالنذر هذا سيكون لأجل هذا. قال السابع: المنع منه إذا كان فيه عيد من عيدهم ولو بعد زواله، ولو بعد زوال هذه العيد، إذا كان هذا المكان معروفا بالعياد فلا تقام فيه العبادات. قال التاسعة أو الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة لأنه نذر معصية، إذا كانت فيها شيء لا يجوز أن ينذر. قال التاسع: الحذر من مشابهة المشركين في عيدهم ولو لم يقصده، حتى لو لم يقصد هذا لا يجوز أن يشابه المشركين في عيدهم، سواء كان في إقامة ما يقوم به أو في نشر مثل هذه الأمور. قال العاشر: لا نذر في معصية، بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا وفاء لنذر في معصية الله». وجاء في حديث عائشة: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه». قال الحادي عشر: أن لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، معناه الذي لا يملك لا نذر فيه، ولا يملك هنا تحتمل أمرين: لا يملك أي ليس في ملكه، ولا يملك أي ليس في طاقته وفي قدرته أن يفعله، فهي تحتمل الأمران معا.