الدرس في شرح مسائل الجاهلية 109، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الكفر بالملائكة يعتبر كفرا بالله، والإيمان بهم من أصول الإيمان. الملائكة خلقوا من نور ومفطورون على عبادة الله.
أهل الجاهلية اختلفوا في الإيمان بالملائكة، فمنهم من أنكر وجودهم ومنهم من غلوا فيهم. كما أشار إلى خطأ بعض المسلمين في تشبيه الممرضات بالملائكة.
قسم أهل الجاهلية إلى فئات مختلفة في التعامل مع الملائكة، وتناول التفريق بين الملائكة وكفر من يفعل ذلك. واستشهد بآيات قرآنية وأقوال العلماء.
ختم الدرس بدعاء بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة بعد المئة، الكفر بالملائكة، أي أن من خصال أهل الجاهلية أنهم كفروا بملائكة الله. والملائكة هم عالم غيب، خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وهم مفطورون على عبادة الله سبحانه وتعالى، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فخلقوا وجبلوا على العبادة والتعبد لله سبحانه وتعالى. والملائكة جمع ملك، وأصل الملائكة من الألوكة، والألوكة بمعنى الرسالة، فألكة بمعنى أرسل، وبمعنى أدق أرسل رسالة خاصة. يقال ألكة، وأما المرسل فيقال عنه مألك، مألك خففت عنه الهمزة فصار ملك، فالملائكة إخواني في الله لهم رسل الله سبحانه وتعالى. والإيمان بهم إخواني في الله من أصول الإيمان، فلا يصح لأحد أن يؤمن بهذا الدين إلا بإيمانه بملائكة الله. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، فمن شرط الإيمان أو من لوازم الإيمان الإيمان بالملائكة. وقد ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم من أركان الإيمان الستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره. وأما من كفر بالملائكة فهو كافر بالله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾، ساوى ربنا جل وعلا بين هذه الأمور، وأن الكفر فيها ككل كفر بالله سبحانه وتعالى. وهنا المؤلف رحمه الله تعالى قال: الكفر بالملائكة، أي أن الكفار وأهل الجاهلية بمعنى أوسع قد كفروا بالملائكة. ونعلم إخوانا في الله أن أهل الجاهلية لهم مذاهب وطرق شتى في اعتقاداتهم ومعتقداتهم، فمن ذلك ما يتعلق بالملائكة والإيمان بالملائكة، فهم يختلفون في هذا الباب. فمنهم من أهل الجاهلية من أنكر الملائكة جملة وتفصيلا، وهم كالدهرية الذين أنكروا الخالق، أنكروا الله جل وعلا، من باب أولى أنهم أنكروا الملائكة، لا وجود عندهم لهذه المخلوقات، فلا يعترفون بوجود ملائكة. وهكذا على غرار هؤلاء بعض كفار العرب، أنهم أيضا كانوا يجحدون بالملائكة ولا يعترفون بما يسمى بملائكة. وقريب من هذه المسألة إخواني في الله مبتلى به بعض العقلانيين ممن أدخل عقله فأصبح لا يؤمن إلا بما دل عليه العقل، وهي الأشياء المادية المحسوسة. فذهب جماعة من العقلانيين إلى الكفر بالملائكة، ليس بالكفر الجحود الذي عليه هؤلاء الأوائل من الصابئة، لا من الدهرية، إنما كفره بحقيقة الملائكة. تجد أن بعض المعاصرين العقلانيين يقول: أن الملائكة الذين يأتي ذكرهم في القرآن والسنة ليست عبارة عن أجسام أو كيان أو جثمان، ليس هذا، إنما الملائكة عندهم ويريدون أن يعرفوا الناس بحقيقة الملائكة بأنها بواعث الخير، يسمونها بواعث الخير في الإنسان، هذه الملائكة، يعني أن الله جل وعلا يرسل ملائكة لعباده، من هم الملائكة؟ ليست هم هي أجسام أو كائنات، لا، إنما هي بواعث الخير، هذه الملائكة، هذه حقيقتها. فماذا هو بالحقيقة؟ ليس إيمانا بالملائكة، لأن الله جل وعلا قد ذكرنا في الكتاب الكريم وفي السنة النبوية عن طريق نبينا عليه الصلاة والسلام أشياء كثيرة عن الملائكة، عن صفاتهم، عن أسمائهم، عن أعمالهم، كثير من الأشياء، فيأتي هؤلاء ويلغون هذه الأشياء بقولهم: أن الملائكة ما هي إلا بواعث الخير، ما تحس به من الإيمانيات ومن رفع المعنويات، هذه الملائكة، هذه حقيقتها، هو الخير الذي يدفعك للخير، هذا الخير هو الملائكة، لا شيء بعد ذلك. وهذا إخواني في الحقيقة جحود لعالم الملائكة الذي وصفهم ربنا جل وعلا بأنهم عظام ولهم صفات ولهم هيئات. فهذه من الفرق التي أنكرت الملائكة، هؤلاء الملاحدة. وكذلكم من اعتقادات بعض أهل الجاهلية في الملائكة ما هو على خلاف ذلك، من هو على خلاف ذلك. إذا كانوا هؤلاء الملاحدة أنكروا وجود الملائكة، فيقابل هؤلاء من أثبت وجود الملائكة، لكن غلوا حتى جعلوها معبودات تعبد من دون الله سبحانه وتعالى، جعلوها معبودات تعبد من دون الله جل وعلا. فقد كان جماعات من العرب تعبد الملائكة، تصور لها بعض الصور من خلال أصنامها وأوثانها، فتظن أن هذه صور الملائكة، فيعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾، فكان الملائكة قد اتخذت معبودات تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. وهذا كما قلنا غلو في هذا العالم من الكائنات والمخلوقات، فالملائكة فما هم إلا مخلوقات خلقهم ربنا جل وعلا. فئة ثالثة من فئة أهل الجاهلية في تعاملهم مع الملائكة من يتنقصهم، من يتنقص الملائكة، وهذا كذلك كان عليه بعض أهل الجاهلية، إذ أنهم جعلوهم إناثا، جعلوهم إناثا، حكموا على الملائكة بأنهم عالم أنثوي نسوي، وهذا المراد منه التنقص، لأن تعارف أهل الجاهلية يجعلون المرأة لها المنزلة السفلى، فهم يئدون الموؤودة من الإناث، وليس لها الكرامة في مجتمعاتهم، وليس لها كلمة في أحوالهم. فهذه منزلة المرأة عند العرب قديما، فهم كذلك جعلوا هذا في حق الملائكة، كما حكى ربنا جل عنه ذلك عنهم ذلك، فقال: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾، فجعلوهم إناثا، وهذا تنقص واستخفاف لهذه المخلوقات العظيمة. ومما يناسب ذكره في هذه المسألة إخواني في الله، أهل الجاهلية كانوا يعتقدون هذا الاعتقاد كعقيدة بأن الملائكة هم نسوة، هم إناث. ومن الأشكاليات ومن الأخطاء التي وجدت في هذه الأزمان أن بعض الناس من المسلمين وقع في شيء من هذا، شعر بهذا أو لم يشعر. وهذا يوجد في بعض المستشفيات وفي دور الصحة، أنهم يطلقون على الممرضات «ملائكة الرحمة»، وهذا يوجد في بعض المستشفيات، فإذا عندهم ممرضة أو طاقم من الممرضات يقول: انظر لملائكة الرحمة، هذه ملائكة. وتجد أن هذا اللقب «ملائكة الرحمة» يطلقونه على الإناث خاصة، على الممرضات، لا على الممرضين. وهذه مسألة قد سئل بها العلماء، وقد أنكروها إنكارا عظيما، بل إن هذه اللفظة محرمة، اللفظة هذه محرمة، لأن قالوا: ما أحد يتلفظ بهذا إلا أهل الجاهلية الذين كانوا يعتقدون بأن الملائكة إناثا. فهذا الذي يقول بأن الممرضات هن ملائكة، بقصد أنه من هذا الجنس، فقد شابه أهل الجاهلية، شابه أهل الجاهلية. ولهذا ما يجوز إطلاق ذلك، فضلا عن الفارق الشاسع بين خلقة الملائكة وبين خلقة هذه الممرضات، فالممرض بشر، يعتريها ما يعتري البشر، تارة عندها رحمة، وتارة عندها غلظة وفضاضة وقسوة. لكن من حيث اللفظ، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. وكذلكم هناك فئة رابعة من فئات أهل الجاهلية، وكيف يتعاملون مع الملائكة، أن منهم من يفرق، من يفرق بين الملائكة، فتارة منهم من يؤمن ببعض الملائكة ويكفر ببعض، لا يجعلهم على حد سواء، فلربما يؤمن ببعض الملائكة، لكن فئات من الملائكة وجماعات من الملائكة يكفر بها، وهذا كفر، وهذا كفر. لأن الإيمان بالملائكة ينبغي أن يكون للجميع، فمن كفر بملك واحد فقد كفر بالله العظيم. ومن صور التفريق أيضا الذي عليه أهل الجاهلية أنهم يفرقون في المحبة، يفرقون في المحبة، فمن بعض الكفار، وهذا الذي كان عليه اليهود، الذي عليه اليهود، أنهم كانوا يقرون بوجود الملائكة، لكن هذا الإقرار بوجود الملائكة كان يصاحب التفريق بينهم. فكانوا يعظمون بعض الملائكة، وماذا؟ يعني يعطلون أو قل يشوهون سمعة الفئة الثانية أو فئة أخرى أو بعض الملائكة. وكان هذا اليهود يفعلون مع من؟ مع جبريل عليه السلام، إذ أنهم كانوا يحكون بأن ميكائيل هو ولي من ملائكة الله، وأما جبريل فهو عدو من ملائكة الله. وهذا الذي أنزل ربنا جل وعلا تلكم الآيات البينات، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾، فمن اتخذ من الملائكة عدوا، وحكم عليه بالعداوة، وأصبح عدوا لهذا الملك، فهو عدو لجميع الملائكة، فهو عدو لله ولرسله، فقد حكم ربنا جل وعلا عليهم بالكفر. وقد ذكر الطبري رحمه الله تعالى أن هذه الآيات إنما أنزلت على اليهود، لأنهم كانوا يجعلون ميكائيل هو حبيبهم ووليهم، وأن جبريل هو عدوهم، هو عدوهم. وهذه العقيدة هي عقيدة كفرية، فمن آمن بجميع الملائكة، لكن أكن البغض والكره والعداوة لبعض الملائكة، فهذا كافر بالله، كافر بالله. وهذا مثل من؟ مثل بعض الفرق الروافض، الروافض الذين جماعات منهم يصرحون بعداوتهم وبغضهم، بل وطعنهم في حق جبريل عليه السلام، في بعض صلواتهم وادعيتهم وأورادهم، يقولون: «خان الأمين حيدرة» أو «خان الأمين فصدها عن حيدرة». الروافض هؤلاء أخزاهم الله يزعمون بأن الله جل وعلا وكل جبريلا بأن ينزل بالوحي على علي، ينزل على علي، هكذا يزعمون. فإذا بجبريل خان، أعوذ بالله، وأنظر من غرائبهم أن يقول: «خان الأمين»، من الأمين جبريل، ورموا الأمين جبريل بالخيانة. وهل الأمين يخون؟ لو كان خائن ما كان أمينا أصلا. لكن انظر إلى كيف أن الله ضرب على قلوبهم، ومن ثم حتى في ألفاظهم وعباراتهم، فقالوا: «خان الأمين فصدها عن حيدرة»، من حيدرة هو علي بن أبي طالب، لأنه كان يقول: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة». فمن ظن هذا الظن بأن جبريل خان، وفرماه بالخيانة، ويكون له هذا الشعور، فهؤلاء كفار، فهؤلاء كفار. فاستحصل إخواني في الله أن ما يتعلق باعتقادات أهل الجاهلية بالملائكة فهي متفاوتة، فمنهم من أنكرهم جملة وتفصيلا، ومنهم من غلا بهم فجعلهم معبودات من دون الله عز وجل. ومنهم من أثبتهم لكن تنقص في حقهم وأغمض في قدرهم، ومنهم من آمن بهم إلا أنه فرق بينهم، وكل ذلك يعد من الكفر بالملائكة. فلا يتم الإيمان يا عبد الله بالملائكة إلا أن تؤمن بوجوههم، بوجودهم، بأنهم خلقهم الله جل وعلا لعبادته، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم. وأما التفصيل في ذلك، فلهم أسماء ولهم صفات ولهم أعمال خصهم الله جل وعلا بها. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.