الدرس في شرح مسائل الجاهلية 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل موضوع الغلو في العلماء والصالحين، ويشرح معنى الغلو في اللغة والشرع، ويبين صور الغلو المختلفة.
يحذر هذا الفصل من الغلو في الأشخاص خاصة العلماء والصالحين، ويبين أن الغلو محرم ويؤدي إلى الهلاك، ويشرح كيف غلا اليهود والنصارى في عزير والذوات الصالحة.
يشرح هذا الفصل المنهج الصحيح في التعامل مع العلماء وأهل الصلاح والعباد، ويبين أن الغلو في حقهم يؤدي إلى اعتقادهم معصومين أو رفعهم إلى منزلة الأنبياء والربوبية.
يتضمن هذا الفصل دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة عشرة: الغلو في العلماء والصالحين، كقوله سبحانه: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾. في هذه الفقرة، أخواني في الله، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من المسائل التي دبت وعمت وطمت وانتشرت في عصر الجاهلية وما كان قبلها: الغلو. الغلو وهو مرض فتاك، ما دب في فرد أو مجتمع فلا تسل عن هلاكه وعن بواره. الغلو معناه في لغة العرب بمعنى الزيادة، يقال: غلا السعر، وذلك إذا زاد في سعره. ويقال: غلا القدر، وذلك إذا ارتفع الماء عن حده ومقداره. فتجد أن معاني الغلو في لغة العرب تأتي بمعنى الزيادة والارتفاع عن الحد المعدود له. وفي لسان الشرع، هو لا يبعد أن الغلو يدور على هذه المعاني، فمن تعاريف العلماء لكلمة الغلو: هو الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد. والغلو، أخواني في الله، له صور عديدة، قد يكون الغلو في باب الأفكار، في باب التصورات، فكرة تطرأ على فرد أو تكون في مجتمع، فيستميتون على إبقائها، وأنهم لا يحيدون عنها يمنة ولا يسرة، فهذا غلو في باب الأفكار والمبادئ والتصورات. وقد يكون الغلو كذلك في باب العبادات، تغلو في عبادة من العبادات فتؤديها لا على وجهها، وإنما تزيد عن حدها، تزيد عن مقدارها، كما فعل أهل الكتاب في الرهبانية. وقد حذر نبينا من هذا، بل جاءت السنة في ذكر القصص التي زجر فيها نبينا صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحاب عندما زادوا في باب العبادة. أما أنا فأصوم ولا أفطر، وأما ثاني قال: أقوم ولا أنام، فأنكر عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك. ومن صور ذلك أيضًا الغلو، والذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى: الغلو في الأشخاص، الغلو في الذوات. وهذا يعتبر من أعظم صور الغلو بطشًا وهتكًا وفسادًا في دين العبد ودنيا. الغلو في الذوات والأشخاص، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الغلو في العلماء والصالحين. خص المؤلف رحمه الله تعالى في باب الغلو الغلو بهذين الصنفين: من أوتي علمًا، ومن أوتي عبادة، وكلهم من أهل الصلاح. فهل هناك سر في الجمع بين هذين الوصفين، أم أنه اختيار هكذا من المؤلف؟ الصحيح والله تعالى أعلم أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا عن عمد، وذكر هذا الوصف عن قصد. ووجه ذلك: أن العلماء واختار أهل الصلاح من العباد الزهاد، لأنهم من أشد من يفتتن بهم. هذين الصنفين: العلماء والعباد، لأنهم من أهل الصلاح، ذاك صالح في نفسه، وذاك صالح في نفسه وفي غيره. فالناس في المجتمعات يظنون فيهم الخيرية، وأن هؤلاء هم امتداد للشريعة، فهم القدوة، وهم الأسوة في مجتمعاتهم. فالفتن بهؤلاء أعظم من الفتنة بغيرهم. ولهذا اختارهم المؤلف: العلماء، وكذلك أهل الصلاح. وزد على ذلك أن الفتنة بهذين الصنفين هي التي وقعت بها البلاء، قال ربنا جل وعلا: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾. اتخذوا من؟ الأحبار والرهبان. وقد مر معنا أن الأحبار جمع حبر، ومن هو الحبر؟ هو العالم الذي تبحر في العلوم حتى سمي حبرًا. والراهب من الرهبة، وهو العابد. إذن اختيار الصلاح من العباد ومن العلماء كان ذلك من المؤلف رحمه الله تعالى عن قصد، وذلك من باب التنبيه لأن هؤلاء الفتنة بهم أعظم من غيرهم. وكذلك الدليل الشرعي دل على أن أهل الجاهلية كانوا يأتسون بمثال هؤلاء، وأن هؤلاء هم الذين اتخذوا أربابًا من دون الله: العلماء والعباد. وفي قول المؤلف رحمه الله تعالى: «الغلو في العلماء والصالحين»، كذلك فائدة، وهي: إذا كان الاغترار والغلو في أهل الصلاح لا يجوز، فمن باب أولى من كان دونهم من أمثال أهل المجون وأهل الفجور. إذا أراد رجل مثلًا أن يغلو بصالح، أن يغلو بعالم، فماذا يقال؟ يزجر، يقول: هذا لا يجوز، لا يجوز. يقي هذا الرجل الصالح قد علم في حياته وفي مضماره العلم والتقوى والرهبة والخوف والعلم وبذل الخير للناس، فهذا مثلًا أأتسي وأغلو فيه؟ يقول: ما يجوز. إذا نهي العابد عن الغلو، فمن دونهم من أهل الفجور والمجون، كما نجد كمن يغلو بأمثال الحمقى من الممثلين والمغنين والمطربين واللاعبين، لدرجة العشق والعبودية، لدرجة التيمم بأمثال هؤلاء، فتعلق الصور في البيوت وفي الغرف، بل ربما تعلق حتى في أجسادهم تعظيمًا لمقدارهم، هذا أعظم وأشد أنك تغلو بماجن أو تغلو بفاجر. قال رحمه الله تعالى: كقوله: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾. هذه الآية يستدل بها المؤلف رحمه الله تعالى أن ذلك كان من أعمالهم، من أعمال أهل الكتاب، أنهم قد غلوا. فالنصارى غلوا في عيسى عليه السلام، قالوا عنه: ابن الله. ومنهم من قال: هو الله، تعالى الله عن هذا القول علوًا كبيرًا. وهكذا العزير، وهكذا اليهود غلوا في عزير، وقالوا عنه: أنه ابن الله. كل ذلك من الغلو الذي كان موجودًا فيمن كان قبلنا. فنُهي عن ذلك، يا أهل الكتاب، لا تغلوا في دينكم. ثم كان على مجراهم كذلك أهل الشرك، أهل الجاهلية، فغلوا في ذوات الصالحين، فجاءوا عند من كان من آلهتهم اللات، وعلى قوم من يقول: اللات عبارة عن رجل صالح، وكان يلت السويق للناس وللمارة، ثم مات، فعكف على قبره، فعبد من دون الله. فإذا كان من أعظم خصائص أهل الجاهلية، في دين اليهود والنصرانية، وهكذا ما كان عليه القبائل العربية في أيام الجاهلية، أنهم قد غلوا في ذوات الصالحين. قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، هنا لا ناهية، ألا هنا ناهية، وهنا تغلوا، لا تغلوا، هو النهي عن الغلو، والغلو محرم. وكذلك فيمن كان قبلنا، وحتى حرم في شريعتنا، قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. فحذر نبينا عليه الصلاة والسلام عن الغلو، بل أخبر على أن هلاك الناس إنما يأتي متى ما دب الغلو فيهم وتربوا على ذلك. فقال جل في علاه: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾. وهنا يقول العلماء: لا تغلوا هو بمعنى لا غلو، لا تغلوا بمعنى لا غلو. فهنا تأتينا القاعدة التي دائمًا تذكر في هذا الباب، سيكون معنى لا تغلوا بمعنى لا غلو، أي عندنا هنا نكرة في سياق النفي، في سياق النهي، لا ناهية، نكرة في سياق النهي، إذن تفيد العموم. فربنا جل وعلا نهى عن عموم الغلو، وفي ماذا؟ النهي يكون في كل ما له تعلق بالغلو، فيقول العلماء من أهل التفسير: فيكون معنى الآية: لا تغلوا، أن كل ما لو تعلق بالغلو فإنه منهي عنه. إن جئت إلى مقداره، يدخل في النهي، فإن أي مقدار من مقادير الغلو، قل هذا الغلو أو كثر، فإنه منهي عنه. وأي صورة من صور الغلو، سواء كان في الأقوال أو كان في الاعتقادات، فهذا كذلك يدخل في العموم، فهو منهي عنه. وكذلك في باب التعلقات، في حق من تعلق به الغلو، سواء كان صالحًا، سواء كان نبيًا، سواء كان عالمًا، فهو كذلك يدخل في عموم النهي عن الغلو. إذن هذه الآية يستفاد منها العمومات: عموم التعلق، عموم المقدار، وعموم كذلك الوصف، كل ذلك منهي عنه. فالغلو يا عبد الله لا يأتي بخير، قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾. إذن ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الغلو يكون في العلماء ويكون في أهل الصلاح، ويستخرج من ذلك صور عديدة كثيرة. فمثلًا الغلو في العلماء: أن يعتقد مثلًا أن العالم له حق الاستقلال في إنزال الأحكام، كما كان عليه أهل اليهود والنصارى. وهكذا الجاهلية يعتقدون أن الرجل متى ما بلغ إلى العلم وإلى مرتبة العلم، له أن يستقل بإنزال الأحكام الشرعية، فله أن يحلل الحرام وله أن يحرم الحلال. وهذا والشرك، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. فكان الواحد من هؤلاء الكفر يأتي لأمثال هؤلاء من العلماء، ويعلم أن في دينه أن هذا مما قد حرم عليه، فيريد التحليل من ذاك العالم، فأتي العلماء من أحبار ومن أمثالهم من القسيسين، فيحرمون الحلال أو يحللون الحرام، والناس تعرف أن هذا على خلاف ذلك، لكن يتبعونهم بحجة أن هؤلاء لهم من التقنين والتشريع من دون الله سبحانه وتعالى. فكذلك اليهود مثلًا والنصارى، أتون إلى الكتاب المقدس، ذاك يتصلت على التوراة، وآخر يأتي على الإنجيل، فيغير ويبدل بحجة ماذا؟ يرى أنه بإمكانه أن يثبت للناس الأصلح، فيمنع بعض المحرمات ويمنع بعض الحلال، ويسوغ للناس بعض المحرمات. وهذا الذي درج ومشى عليه اليهودية والنصرانية، وهكذا كان في الجزيرة. فإذا من الغلو في العلماء: أن يعتقد أن العالم له حق التشريع والتقنين، وأنه يزاحم الله جل وعلا في هذا الباب. ولهذا هناك حديث يحسنه جماعة، منها العلم، وإلا الصحيح ضعيف، لكن معناه صحيح، عندما جاء عدي بن حاتم، وكان من نصارى الذي أسلم في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، واستغرب كيف أن الرب جل وعلا وصف الأحبار والرهبان بأنهم أربابًا. فقال: ما عبدناهم، ما خضعنا، ما سجدنا لعلمائنا. فقال له نبينا: ألم يكونوا يحللون لكم الحرام ويحرمون لكم الحلال فتتبعونهم؟ قالوا: نعم. قال: فتلك عبادتهم. هذه العبادة أن تظن أن لأحد من الناس، عالمًا كان أو غيره، لهم يلحة أنه يشرع من دون الله سبحانه وتعالى، هذا من الغلو في العلماء. العالم يا عبد الله له منزلته، منزلته أنه يتبع بما أوحى الله جل وعلا على هذه الديانة التي يسير عليها. من الغلو كذلك في العلماء: أن تظن يا عبد الله أن العالم لا يخطئ، لا يخطئ، بين قوسين: أن تجعل العالم معصومًا، معصومًا من الخلل والزلل. هذا كذلك من الغلو في العلماء. العلماء ما هم إلا بشر، يعتريهم ما يعتري البشر، يأتيهم النسيان، يأتيهم الغفلة، يأتيهم الجهل في بعض المسائل، إن عرفوا علمًا، غابت عنهم علوم، فهم بشر، فهم عرضة للخطأ. فقول من يقول ومن يعتقد أن هذا العالم لا يخطئ أبدًا، هذا غلو، هذا غلو. بعض الناس قد يصرح بهذه المسألة، وبعضهم لا يتجاسر على هذا الوصف، لكن فعله، فعله الواقعي يدل على ذلك. فإذا قيل: أن العالم الفلاني أخطأ، لربما غضب، غضب ما يرضى أن تقول أن هذا العالم أخطأ. قل: لا، ما من قال هذا. فقيل: أخي، الصواب على خلاف ما ذهب شيخك، أو أي إمامك، لا، ربما أنف، ما لربما إذا قيل له: أنا سأسلم لك، أيتني بخطأ عن إمامك، قل: لا، خطأ ما أعثر على خطأ واحد لإمامي أبدًا. هذا لا يمكن، هذا هو الغلو. والأسف أخواني في الله، كم هذه المسألة مشت على قديم وحديث، قديمًا وحديثًا، مشت فيها أولًا: أنهم يغلوا في حق أهل الصلاح، لدرجة أنه لا يتجاسر على تخطئته، ولا يرضى أن يخطأ، حتى بواب من علمائنا. وقد ذكر هذا شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في كتاب «رياض الجنة»، ومن قبله المعلم اليمني رحمه الله تعالى، قال: من أقوال سلفنا: من أوسع أوذية الباطل الغلو في الأفاضل. لا يا عبد الله، بل إنما الناس كما قال من عبارات السلف: ما منا من أحد إلا هو راد ومردود عليه. ما هذا عالم في سلك البشر، يعتره الخطأ، وأنت لربما بكل أريحية، بكل أريحية في بعض المسائل العلمية، تقول: أخطأ فلان. فتقول: وهنا قد أخطأ فيها عمر رضي الله تعالى عنه، وهنا أخطأ فيها جابر، أخطأ، تقول بكل أريحية. وأخطأ الشافعي، وأخطأ مالك. لكن عندما تصل إلى إمامك، لربما تتجاسر، هذا غلو، غلو دب في كثير من الناس، شعروا بهذا أم لم يشعروا. كذلك يا عبد الله يكون كذلك الغلو حتى في العباد، الغلو يكون في أهل الصلاح، كما ذكرنا في هذا الصور، ويكون كذلك الغلو في العباد. من الغلو في أهل العبادة: أنه يعتقد أن ما من سلوك يكون عليه العابد، أنه حجة، أي سلوك عليه العابد فهو حجة، كما نرى من المغترين من كثير من المسلمين، إذا عندهم عباد وزهاد، فيرون أن المسلك والطريق الذي يسير عليه هذا العالم أو الزاهد، أنه حجة، يستدلون بفعلهم المجرد على أن هذا يقتدى بهم، ويؤتسى بهم. كما فعل اليهود والنصارى عندما اخترعوا الرهبانية، حرموا على أنفسهم أكل اللحوم، حرموا على أنفسهم، وبعضهم حرموا على أنفسهم النكاح، كما ترى من القسيسين والرهبان، يعيش إذا دخل في خدمة الكنيسة لا يتزوج البتة، لا يتزوج البتة. فمنهم من يصبر، ومنهم من يقع في الزنا سرًا، وهذه الفضائح تظهر بين الفينة والأخرى، تظهر فضائحهم. أولًا: رهبانية، تدعوها، لم يأمرهم بها رب جل وعلا. فيرى بعض الناس أن هذا هو العبادة الحقة، مع أن الكتب السماوية قد تنزلت على أن الزواج، وأن أكل اللحوم، وأن هذه الأمور من طبيعة البشر، وأن تتخذ. لكنهم رأوا أن فعل هؤلاء العباد هو حجة، وأنه مقدم على أمر الله جل وعلا، هذا من الغلو في أهل الصلاح، الغلو في العباد. كذلك من الغلو في العباد: أن تجعل لهم منزلة عظيمة، منزلة عظيمة في حياتهم وبعد ما ماتوا، حتى يجعلون كمنزلة الوزراء، كما عند ملوك الدنيا. وقد مر ذلك معنا، إذا مات ميت من أهل الصلاح، لو ربما عكف الناس على قبر هذا الصالح، لماذا عكفوا على قبر؟ يعتقدون أن له منزلة عند الله، وأنه بطريقه يوصلهم إلى الله جل وعلا، فيستغيثون به، ويستنجدون به، ويدعونه، ويسرون له الطاعات والعبادات. وكل هذا أخواني في الله من الغلو الباطل. فالحاصل أخواني في الله أن ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هو نعم، قد وقع فيمن كان قبلنا من اليهود والنصارى، وهكذا في الأمم الجاهلية، أنهم عكفوا وعظموا أهل الصلاح، وظنوهم من أهل الصلاح. وقد يكونوا نعم، صلحاء في أنفسهم، لكن أن يعاملوا بهذه المعاملة، فأن ترفع منزلتهم عن المنزلة التي جعلهم الله إياها، فهذا هو الغلو. النبي نبي من بني البشر، فكونك ترفع النبي إلى مقام الرب والألوهية، هذا غلو. العالم عالم، يؤخذ من قوله ويرد، على حسب الحجة، أما أنك تجعل العالم بمنزلة الأنبياء والرسل، أنه يؤخذ منهم من غير سؤال ولا دليل ولا حجة، ولو خالف الشرع، هذا كذلك من الغلو. العابد، كونه عابد، هو بشر، له من الإعظام والاحترام والاقتداء على ما يأتي به من الدليل، أما أنه يرفع من قدره بحيث يجعل محل استشفاع واستنجاد، كوسيط لله جل وعلا، وهكذا ما يقع في أمر التوسل والاستغاثة والتبرك والتمسح. حتى رأينا من بعض الناس من ربما يتمسح ويتبرك بأهل الصلاح، إلى مسائل ربما لا يتوقعها أحد، حتى أصبح التبرك بأهل الصلاح والعباد، حتى بذواتهم، التبرك بنجاساتهم، التبرك بفضلاتهم، هذا كله من الغلو، كله من الغلو المذموم الذي لا يرضاه الشرع. فجاء نبينا صلى الله عليه وسلم بالتحذير من هذه الظاهرة المشينة، وحرمها ومنعها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.