شرح مسائل الجاهلية  8

شرح مسائل الجاهلية 8

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التفرق في الجاهلية وبداية الاجتماع في الإسلام

تحدث عن تفرق أهل الجاهلية واجتماع المسلمين في الدين، مشيرًا إلى أن التفرق يؤدي إلى الخصومات بينما الاجتماع من أعظم أصول الإسلام. يُظهر أهمية الوحدة في الدين.

أهمية الاجتماع في الإسلام والعبادات الجماعية

يؤكد على أهمية الاجتماع في الإسلام من خلال ربط التوحيد بالاجتماع وتوضيح دور الجماعة في العبادات مثل الصلاة والحج والصيام. كما يشير إلى الحث على الاجتماع في الأمور الدنيوية.

تحذير من التفرق وأهمية الوحدة والجماعة

يؤكد على أهمية الوحدة والجماعة ويحذر من التفرق مستشهدًا بالأحاديث النبوية، ويبين أن التفرق يأتي بسبب الظلم والبغي. يشجع على الانخراط مع الناس وتجنب العزلة.

ختام الدرس بالتأكيد على الصلاة على النبي

يشدد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر التأكيد على الطاعة والاعتراف بعلم الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، لازلنا إخواني في الله في مطلع المسألة الثانية من مسائل الجاهلية، وهو أنهم كانوا متفرقين في دينهم، كما قال تعالى ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، وكذلك في دنياهم. وأخذنا إخواني في الله نبذة سريعة عن حال أهل الجاهلية، سواء كانوا من أهل الكتاب أو كانوا من الأميين، كيف أنهم تفرقوا تفرقًا عظيمًا في دينهم. من نظر إلى أهل الكتاب من يهود ومن نصارى يرى عظم الافتراق بينهما، بل كذلك هم بين أنفسهم. فالنصارى، وهم كدين واحد، بينهم فيما بينهم من النزاع، بل أقول من القتال والمجازر والملاحم ما الله به عليم. بكر علماء لديانة ما يتعلق بفرق النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، ما يقع بينهم من العداء، لربما تقشعر بينهم الأبدان. قام الكاثوليك في زمن ليس بعيد عنه بهجمة شرسة على البروتستانت، وكلهم من دين النصارى، لا كلهم يدعي بأنه على الدين الحقيقي والآخر ليس بذلك. فقام الكاثوليك بالقتل، لا أقول أي قتل، لا إنما كانوا يتلذذون بقتلهم، وذلك بالتعذيب البطيء. ومن أجلهم أقيمت محاكم التفتيش في أوروبا، فكان الكاثوليك يبحثون عن البروتستانت، فقتل منهم المئات، مئات ليس لأشخاص، بل مئات الآلاف. في بعض دول أسبانيا قتل من البروتستانت خمسمائة ألف على أيدي النصارى، وهم في دين واحد. وذاك ابن كارلوس كذلك في أرض أوروبا افتخر بما لأبيه برسالة، ادعى أنه قتل ستة وثلاثين ألفًا من البروتستانت. وهكذا بالمثل قام البروتستانت بالرد على الكاثوليك بقتلهم وإبادتهم. وهكذا هم على دين واحد، لكن بينهم فيما بينهم من التفرق ما الله به عليم. وذكرنا ما يتعلق بأهل الجاهلية من الأميين من العرب وغيرهم، كانوا على هذا المنوال، كانوا متفرقين أيما تفرق في عباداتهم ومعبوداتهم. ذاك يعبد ذا وذاك يعبد ذا. وأقيمت بينهم المقاتل العظيمة، حتى وصل هذا الاختلاف والافتراق في الدين، ووصل الافتراق في الدنيا، ووقع بينهم من الخصومات والنزاعات والمعارك. تسمعون من قصص في تاريخ العرب في أيام الجاهلية بتلك الحرب المسماة بحرب البسوس أو بحرب داحس والغبراء. هذه أيام تاريخية، لكنها مآسي. داحس والغبراء عبارة عن حرب أقيمت بين قبائل العرب، استمرت أربعين سنة، ليست سنة واحدة، أربعين سنة هلك من هلك فيها من الرجال والأولاد والنساء، وأبيدت الخضراء. ما سببها؟ داحس والغبراء على سباق بين خيلين، على سباق بين خيلين أقيمت حرب لا هوادة فيها. وهكذا حرب البسوس بين قبيلتي بكر وربيعة، كذلك دامت أربعين سنة. من أجل ماذا؟ أجل ناقة، من أجل ناقة. فكان ذلك عقوبة من الله جل وعلا، التفرق في الدين يؤدي إلى التفرق كذلك في الدنيا. ثم قال رحمه الله تعالى: «وكذلك في دنياهم، ويرون ذلك هو الصواب». فأتى بالاجتماع في الدين. كيف خالف نبينا صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية على كافة طرقهم ونحلهم ومللهم في هذه المسألة، في مسألة التفرق في الدين؟ أتى بما يناقضهم وما يخالفهم به، ألا وهو الاجتماع في الدين. فإن كانوا هم تفرقوا في دينهم، فإن نبينا صلواته ربي وسلامه عليه أتى بالاجتماع في الدين. فقال رحمه الله تعالى: «قال فأتى بالاجتماع في الدين». والاجتماع إخواني في الله معناه كما يقول أهل اللغة: الاجتماع من قولك جمع الشيء، ومعنى جمع بمعنى الضم. معنى جمع بمعنى الضم، يقول ابن فارس رحمه الله تعالى: كان في كتاب المقاييس «الجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضام الشيء». قال: «اجتمع القوم أي انضموا». قال: «وهو ضد تفرقوا». فإذا كلمة الاجتماع تأتي بمعنى الانضمام، الانضمام وعدم الافتراق. وكلمة الدين كذلك لها معاني عديدة، تأتي بمعنى العبادة والطاعة، وتأتي بمعنى الجزاء والحساب، وتأتي كذلك بمعنى العادة، ذلك ديدنه، أي تلك عادته. وهنا مقصود الدين هو الدين الإسلامي. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال فأتى بالاجتماع في الدين». أتى نبينا صلوات ربي وسلام عليه بالاجتماع في الدين. وأصبح هذا الاجتماع إخواني في الله الذي يأمر به ربنا جل وعلا في كتابه، ونبينا في السنة المطهرة، أصبح أصلًا عظيمًا من أعظم أصول أهل الإسلام، ومن أعظم أصول الملة الإسلامية. مسألة الاجتماع أول ما يدعو إليه الإسلام بعد التوحيد. الاجتماع ثبت في البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «رأيت فيما يرى النائم - أي رؤية منامية - قال: رأيت أني هززت سيفًا، هززت سيفًا، قال: فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب به المسلمون في غزوة أحد - أي من المقاتل - هززت السيف، قال: فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب به المسلمون في غزوة أحد. قال: ثم هززته مرة أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين». فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين. اجتماع المؤمنين يا عبد الله. كلمة أي الاجتماع في الدين. «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون». انظر للربط يا عبد الله بين التوحيد وبين الاجتماع. «إن هذه أمتكم أمة واحدة» لا تكن أمة متفرقة على آراء، على مذاهب، على ملل، على نحل، لا أمة واحدة. هذه منة من الله جل وعلا، وهي خبر يراد منها الطلب أن نكون أمة واحدة. «وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» أمر بتوحيده. ونحن بهذه الحال من الحال الاجتماعية إخواني في الله. ومن تأمل إلى شريعة الإسلام، وفي باب تشريع عامة، يجد أن الاجتماع أمر ضروري في الدين. ومن هنا ومن ثم نرى أن الكثير من العبادات التي أمر بها الشرع في أدائها أنها متعلقة بالجمع، متعلقة بالاجتماع. انظر يا عبد الله ما يتعلق بالصلاة، أمر ربنا جل وعلا بالصلاة، لكن أمر أن تؤدى باجتماع «واركعوا مع الراكعين». ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب صلاة الجماعة. بل منهم من أذهب المذهب أذهب مذهبًا بعيدًا من الوجوب، فقال: بأن صلاة الجماعة شرط في صحة الصلاة، من صلى منفردًا لا تصح منه الصلاة. وهذا إن دل دل على أهمية الاجتماع في أمر الصلاة. بل حتى الاجتماع في أمر الصلاة ينبغي أن يكون فيه تكثير العدد. هذا مسجد وذاك مسجد وذاك مسجد، فإذا رأيت أن مسجدًا ما فيه اجتماع أكثر فلحق به، فلحق به. وهذا من مراعاة الشرع. قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاة الرجل وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاة الرجل مع الرجل، وكلما كان أكثر كلما كان أفضل». أنظر للمراعاة الشرعية، الشرع يربي فينا هذه الظاهرة، ظاهرة الاجتماع، الانضمام، الجمع. وقس كذلك يا عبد الله بقية الفرائض، بقية الصلوات، صلاة الجمعة جماعة، الكسوف جماعة، الخسوف جماعة، الاستسقاء جماعة، صلاة الأعياد جماعة، صلاة الجنازة جماعة. ما هذا؟ أليس يا إخوان هذا حكمة أرادها الشرع؟ ما الذي يريد الشرع من التجمع للناس؟ يريد أن يؤسس أن يكون هذا الدين يؤدى على مظهر اجتماعي، مظهر اجتماعي. وهكذا انعقدت على باقي الفرائض، الحج كيف يؤدى الحج؟ مظهر جماعي، تأتي الأفواج من كل حدب وصوب حتى تؤدي مناسك الحج على قلب رجل واحد، وعلى شكل واحد، ذهابًا وإيابًا، هيبة لأهل الإسلام. ويأتي كذلك الصيام، وهو عبادة كذلك جماعية، يؤديها المسلمون في أقصى المعمورة، في شرقها وغربها، وهم في حالة واحدة، في زمن واحد. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «الصوم يوم يصوم الناس، لا تشذ يا عبد الله عن الجماعة في صومهم، الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطرون». الصوم والفطر المتعلق كذلك بجماعة الناس، باجتماع المسلمين. وهكذا يا عبد الله، كم تحدث وليس هذا مقصودي في أمر التدين لله جل وعلا، بل حتى في أمور الدنيا، في أمور الدنيا، الحالة الدنيوية، الجمع فيها مطلوب. ثبت في السنن أن جماعة شكوا لنبينا عليه الصلاة والسلام بأننا نأكل ولا نشبع، نأكل ولا نشبع. فقال عليه الصلاة والسلام: «اجتمعوا على طعامكم وَسَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ يُبَارِكْ لَكُمْ فِيهِ». اجتمعوا على طعامكم. حتى في بعض الأحاديث، وإن كانت شيخنا مقبل أعلها في أحاديث معلة، لكن بعض يحسنها أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى الرجل أن ينام وحده، أن ينام وحده، لا حاول تكون مع جماعة، مع أهلك، عيالك، إن سطعت لذلك السبيل. وهذا كذلك أحاديث الاجتماع تكون معك في موطنك، في استقرارك، وتكون كذلك حتى في سفرك. حتى في السفر ابحث عن جماعة تكون في مجمع من الناس. ثبت في السنن عند أبي داود بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب». مسافر لوحده، أنت عرضة للشيطان. قال: «أبي الراكب شيطان، واثنان شيطانان، لا زال قال: الثلاثة ركب». جماعة. فعبد الله مثل هذه التشاريع العظيمة في باب السفر والحضر، والعبادة والدنيا، وكلها على مطلب ديني، على مظهر اجتماعي، يدلك يا عبد الله على أهمية الاجتماع حتى في الشكل الظاهر. حتى الشكل الظاهر قد مر معنا حديث ربع بن خراش في نبينا عليه الصلاة والسلام، لما رأى الصحابة قد تفرقوا، نزلوا في السفر، فذاك كان تحت شجرة، وذاك تحت سمرة، وذاك تحت ظل صخرة. فلما رأى نبيًا ذلك، ما الذي قال؟ أمرهم بالاجتماع. قال: «إن تفرقكم هذا من الشيطان». معنى ما الذي تفرق في القلوب؟ كلهم أخوة متحابين، لكن الشكل الظاهر يدل على التفرق. فأمر نبينا عليه الصلاة والسلام بالاجتماع. حتى قال الراوي: «لو أن أحدهم ألقى علينا كساءً لنطوين تحته لشدة اجتماعهم في هذا الأمر الظاهر». ومن هنا عباد الله، ولهذا على قول جماعة من المحققين: إذا كان الاجتماع المسلمين حكمة من الله جل وعلا، فكان في اجتماع حجة كذلك في دين الله. وهذا ما يسمى بالإجماع، ما يسماء الاجتماع. إذا اجتمع المسلمون على رأي وعلى كلمة وعلى قول، فالقول قولهم، القول قولهم، على خلاف طبعًا في تحديد ما هي الاجتماع. ولا شك باجتماع الصحابة أنه حجة، إجماع الصحابة حجة لاجتماعهم. فمظهر جماعي يا عبد الله من مظاهر عظيمة. ولهذا كان حق لأهل السنة والجماعة أن ينتسبوا لهذه اللفظة العظيمة، للفظ الاجتماع. فكان من أعظم أسمائهم الذي يتسموا بها «أهل السنة والجماعة»، «أهل السنة والجماعة»، لأنهم ما يدعون إلا إلى اجتماع كلمة المسلمين. لا يرون التمذهب، لا يرون التفرق، لا يرون انقسام الناس إلى ملل، وإنما يدعون الناس إلى دين الله جل وعلا. في هذا الدين إخواني في الله، اسماء الاجتماع عظيمة. ربنا واحد، ديننا واحد، قرآننا واحد، نبينا واحد، تشريعاتنا واحدة، قبلتنا واحدة. إذن لماذا التفرق؟ ما جاء التفرق كما قال العلماء إلا بأمر خارجي. التمسك بالدين بالضرورة اجتماعًا. ومن خرج عن جماعة المسلمين وعن اجتماع المسلمين إلا لأمر فيه؟ وقد بيّن ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن من تفرق عن دين الله جل وعلا إنما تفرق بسبب الظلم والبغي، بسبب الظلم والبغي. ثم حرر ذلك رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم. فإخواني في الله، لا أمر الاجتماع أمر عظيم، ما ينبغي أن يكون حال كما يفعل الكثير، كما كان عليه أهل الجاهلية، ومن سار على منوالهم، إلى أن تشتت الأمة وتشتيت الدين والملة على فرق وعلى مذاهب. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: «قال فأتى بالاجتماع في الدين». ونبينا كذلك الذي أمر بالاجتماع سعى للاجتماع، سعى بكل ما يستطيع، بقوله وبفعله. ومن أعظم الأفعال التي تدلك على أهمية الاجتماع عند نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه أول ما دخل المدينة كان من أولويات أعماله عليه الصلاة والسلام في تأسيس دولة إسلامية قوية فتية، كلمة الاجتماع. فماذا فعل؟ فآخى بين المهاجرين والأنصار، كل ذلك في سبيل اجتماع كلمة الناس. ولا حديث كثير كذلك نبينا صلوات ربي وسلام عليه أمر فيها بالاجتماع. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثة» كما جاء في صحيح مسلم، وسيأتي إن شاء الله في حينه. قال نبينا: «إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا». انظر إلى الترتيب، جعل الاعتصام والاجتماع بعد التوحيد. «إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا». وقال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجماعة، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد». انظر حتى في باب العشرة يا عبد الله، تكون حتى في بيئة صالحة، مع أهل الصلاة. دائمًا تحتك بالناس. قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد». فإذا كنت كلما دخلت في جماعة، كلما حماك الله بتجمعك مع الناس. وقد ثبت كذلك في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم - على ما تأذى من أذية من خلال معيشتهم ومعاشرتهم - المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». فليست العزلة محمودة، بل الأصل الاجتماع، الأصل الانخراط، الأصل الخلطة مع الناس. وإنما العزلة تأتي في حينها وفي نطاق ضيق. الأصل يا عبد الله أنك تعاشر الخلق وتسير معهم وتؤثر كذلك فيهم. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث الحارث الأشعري، وهو حديث طويل، وذكره شيخ مقبل في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. قال عليه الصلاة والسلام: «وأنا آمركم بخمس، آمركم بخمس». وعدد الخمس عليه الصلاة والسلام، وذكر منها الجماعة، وذكر منها الجماعة. وقال عليه الصلاة والسلام: «من أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة». وقال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب». أدل كثير جدًا، يعني يطول ذكرها وحصرها، كلها تدور على هذا المعنى الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بالاجتماع في الدين. لما كان أهل الجاهلية على خلاف دينهم ودنياهم، كان العكس بالعكس. فكان من مخالفة نبي لهؤلاء: أننا عباد الله نجتمع في هذا الدين ولا نتفرق، بل حتى في الدنيا يكون اجتماعنا. وكل ما كان مآله إلى أن يتفرق الناس في أمور دنياهم، كان الشرع لهذا الأمر بالمرصاد، بمنعه، وكذلك بتعطيله. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض». لماذا؟ هذه الشرع حرمت في التعاون مع الناس، لأنها تؤدي إلى التفرقة. وهو الذي بدوره يأتي إلى تفريق كلمة المسلمين، وقبل ذلك التفريق بين قلوبهم. فلا مناجش تناجش، ولا كذلك تدابر، ولا تباغض يا عبد الله. وكل ذلك حصانة وحماية من الشرع العظيم لموضوع الاجتماع. فينبأ إخوانا في الله أن نعطي لهذه المسألة حق فهمها، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، نجد أن الكثير من المسلمين فيهم هذه الشعبة من شعبة الجاهلية، أنهم لا يرون الاهتمام باجتماع المسلمين. يرى الواحد منهم أنه ولو كان لوحده، ولو كان لوحده، فالعبرة به، ولا يبال وتفرق الناس مئة فرقة أو انحرف الناس أو انخذل الناس. لا يا عبد الله، هذا ليس من عقيدة أهل الإسلام أبدًا. فإن من عقيدة المسلمين: كما أنك تحرص على التوحيد لله جل وعلا، احرص يا عبد الله كذلك على اجتماع كلمة المؤمنين. فقول مؤلف رحمه الله تعالى: «فأتى بالاجتماع في الدين»، كلمة عظيمة، وتحت مسائل عظيمة جدًا. ومن دار إلى مسائل التشريع في هذا الدين، يعلم الأدلة الكثيرة المتكاثرة لتأصيل هذا الأصل العظيم من دين الله جل وعلا. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.