الدرس في شرح مسائل الجاهلية 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بذم التقليد في الدين، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُبين أن التقليد مذموم شرعًا وأهمية الاتباع للنصوص الشرعية.
يشرح الفرق بين الاتباع والتقليد، حيث يُبين أن الاتباع يعتمد على الدليل والفكر، بينما التقليد هو اتباع بدون فهم أو دليل. يشير إلى أهمية إعمال الفكر في الشريعة الإسلامية.
يتناول خطورة التقليد الأعمى وأثره السلبي على العقل والشريعة، مستدلًا بالآيات القرآنية وأقوال العلماء. يُظهر كيف يؤدي التقليد إلى ضلال الناس وتقديس الأشخاص.
يختتم الدرس بالدعوة إلى الاتباع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ومنهجه، ويُشدد على أهمية الأخذ بالكتاب والسنة. يتضمن الدعاء لله بالنفع والصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، متابعة مع قول مؤلفنا رحمه الله تعالى في المسألة الرابعة، وهو يتكلم ويتحدث عن مسألة التقليد، فقال رحمه الله تعالى: قال تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. وكذلك هذه الآية فيها ما ذكر حول هذه العقيدة التي كان الكفار عليها، ومعتقد التقليد يقلدون الآباء والأجداد، وكانت حجتهم في كفرهم وشركهم أنه وجدوا آباءهم على هذا، فسلكوه. وهذا أمر، أخواني في الله، مذموم شرعا، مذموم شرعا. قول سبحانه تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي الكفار وأهل الشرك ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وذلك ما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وهذا هو التقليد المذموم الذي قد ذكرنا بالأمس شيئا من صوره، أنه الإعراض عما أنزل الله اكتفاءا بما عليه الآباء، الإعراض عما أنزله الله جل في علاه اكتفاءا بما كان عليه الآباء، هذا هو التقليد المذموم والذي كان عليه الكفار. قال سبحانه ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾، فهذه الآية، أخواني في الله، كذلك فيها ذم لحال الكفار، والتقليد، أخواني في الله، هو محرم وممنوع، مذموم شرعا في كل صوره وفي كل أحواله، وفي كل مسائل الدين، سواء كان في أصول الدين أو في فروعه، على من يقول بهذه القسمة في أصول الدين فيما يتعلق بالاعتقادات، أو في فروعه فيما يتعلق بالعبادات والأعمال والمعاملات، وكل ذلك ممنوع. فالمسلم إنما عليه الاتباع، أن يتبع ما أنزله الله جل وعلا، ولا يحتج بقول فلان أو فلان، فإذا ليس من دين الله جل وعلا، وإنما هذه دسيسة كان عليها الكفار. واستدل العلماء على ذم التقليد حتى في الأصول بما جاء في حديث القبر، أن الكافر والمنافق إذا كان في قبره وسئل عن المسائل الثلاث: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فإنه يقول، كما جاء في بعض الروايات: يقول ها ها لا أدري، إلا أني سمعت الناس يقولون قولا فقلته، إلا أني سمعت الناس يقولون قولا فقلته، هذا هو التقليد، فما ينفعه ذلك. لهذا قال العلماء في باب الأصول، في باب العقيدة والتوحيد: لا ينفع التقليد على القول الصحيح، لا ينفع أنك تقلد أحدا، لا، وإنما عليك يا عبد الله أن تتعلم. وهذا مصداق ما قاله ربنا جل في علاه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فكلمة التوحيد وهي أصل العقيدة لا يتأتى بابها إلا بالعلم، إلا بالعلم. وهكذا قل في شأن عبد الله فيما تعلق بشرائع الدين، فلا يكون فيها التقليد، ما حجتك على هذا الفعل أو على هذا القول؟ تقول: قال فلان، وقال سيدي فلان، وقال الحبيب فلان، لا، ما ينفع هذا، وإنما عليك أن تأتي بنص من الكتاب والسنة، تأتي بنص من الكتاب والسنة. أما التقليد في باب التشريع فممنوع، ولنا عبر، أخواني في الله، في الأئمة الذين اتخذوا قدوة في هذه الأزمان، وعلى رأسهم الأئمة الأربعة، والذين منهم انطلقت المذاهب الأربعة المشهورة، وإلا الصحيح أن المذاهب كثيرة، لكنها اندثرت، ما بقي إلا هذه الأربعة. فهؤلاء الأئمة الذين تنطلق منهم هذه المذاهب هم بأنفسهم حرموا التقليد ومنعوا التقليد وذموا التقليد. وهذا ليس مقام ذكر العبارات والأقوال الواردة عن أئمتنا، عن أبي حنيفة، وعن مالك، وعن أحمد، وعن الشافعي رحمهم الله تعالى جميعا، كيف أنهم ذموا التقليد، ولم يرضَ أحد منهم لنفسه أن يكون رأسا يتبع من غير الكتاب والسنة. وإمامنا الشافعي رحمه الله تعالى كان من أعظم الناس تحذيرا ونهيا عن التقليد، وقد أشار بهذا ابن حزم رحمه الله تعالى عندما تكلم عن أمر التقليد، تكلم عن الشافعي رحمه الله تعالى، وبيَّن وأبان رحمه الله تعالى، أي ابن حزم، على أن الشافعي كان من أعظم الناس ومن أعظم الأئمة تحذيرا من التقليد، ومن أعظم الناس تقليدا وتحذيرا من التقليد. ثم قام ابن حزم وشكر للشافعي ومدحه وزكاه وأثنى عليه وأهله، وأنه قد انتشر على يده الخير الكثير. ولا تجد من أتباع الشافعي، أي من طلابه، من كان متحررا، لأنه تربى على إمامهم الذي رباهم على عدم التقليد، لكن تأت الخلف بعد ذلك، أتت الخلف تلو الخلف، وهم دخلوا في مستنقعات التقليد الذي الأئمة أنفسهم قد حرموها ومنعوها. قال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، إذا صح الحديث فهو مذهبي. جاءه سائل يسأل عن مسألة، فقال بقول الشرع وذكر حديثا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيها إجابة لهذا السائل، لكن السائل لم يقنع بهذه الإجابة وبهذا الحديث، حتى قال: وماذا تقول أنت؟ وماذا تقول أنت؟ قال الراوي: فغضب الشافعي رحمه الله تعالى غضبا شديدا، ثم قال عبارة موجعة لهذا السائل، قال: أتراني أترى علي زنارة من علامات اليهود؟ أتراني خرجت من كنيسة؟ أقول لك قال رسول الله وتقول ماذا أقول أنا؟ هكذا كان الشافعي رحمه الله تعالى يربي أتباعه وطلاب ومن كان حوله على التعظيم للدليل والاتباع للكتاب والسنة، وليس اتباع الأشخاص أو التقليد للأشخاص. فالتقليد، أخواني في الله، لا ينفع لا في أصول الدين ولا في فروعه، وإنما الاتباع هذا الذي أمرنا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، نتبع في العقيدة، في التوحيد، في كل أمورنا، نتبع ما جاء في الكتاب والسنة. لكن قد يضطر الإنسان أحيانا للتقليد، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مع ذمه للتقليد، أنه أحيانا قد يحتاج الإنسان إلى التقليد، وذلك في حق رجل أراد أن يصل إلى الحق، لكنه ما استطاع، أراد أن يصل إلى الحق وأن يعرف حكم الله وحكم الرسول، لكنه ما استطاع لذلك سبيلا، فقصرت به المقام حتى يقلد، وقلد إماما من أهل العلم. فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهذا يؤجر، ولا عتب عليه ولا ذم عليه إذا كان بهذه المثابة، أراد الحق، أراد الاتباع، لكنه ما استطاع أن يظفر بشيء من الكتاب والسنة. فماذا فعل؟ فبدلا أن يبقى على ضلال، اتبع في مسألة من المسائل عالم ممن يؤخذ بعلمه، فاقتبس بنوره وأخذ بفتوى، قال رحمه الله تعالى: فإن هذا يؤجر. لكن الغالب الأصل الاتباع، يا عبد الله، أنك ملزم بأخذ الدين اتباعا بذلك بأدلة الكتاب والسنة، وأما التقليد فأحيانا ينفع. وقد تكلم العلماء، وهذه مسألة، كما قلنا، مضانها في أصول الفقه، حول متى يستباح التقليد ومتى يمنع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال ﴿فَأَتَاهُمْ﴾ أي نبينا صلى الله عليه وسلم، أتى من؟ أتى الكفار، متى أتاهم؟ أتاهم في هذه المسألة التي بين أيدينا، نبي لما رأى أن دين الكفار قد بني على التقليد، بني على التقليد، فأراد أن يخالفهم، فبماذا خالفهم؟ خالفهم بما يسمى بالاتباع. قال رحمه الله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمْ بِقَوْلِهِ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مُثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ وَقَوْلِهِ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، هذا الذي أتى به نبينا صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، أتاهم بما يسمى بالاتباع، مخالف لما كانوا عليه من التقليد. الآية الأولى واضحة في قول ربنا جل وعلا ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾، قال علماء: أعظكم فيها التحذير، وفيها كذلك الوصية، أي أوصيكم بواحدة. وهذه من نبينا عليه الصلاة والسلام العظة الواحدة جاءت عندما وجد أن هؤلاء الكفار قد تكالبوا وتواطئوا على لمز نبينا عليه الصلاة والسلام بصفات السلب، بصفات السلب، بأنه كاهن، بأنه مجنون، بأنه شاعر. فلما رأاهم يتواطئوا عليه وعلى إلباس مثل هذه الصفات التي هو بريء منها كل البراءة، قال ربنا على لسان النبي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾، إن كنتم ولابد ستلمزونني وتلمزونني بهذه الأساليب، بهذه الصفات، صفات النقص والسلب، قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾، ما هذه الواحدة؟ ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مُثْنَى وَفُرَادَى﴾. الآية إذن، هذا ما سيأتي هو التفسير لهذه العظة، لهذه الوصية، ما هي الوصية التي أوصى نبينا هؤلاء؟ وهؤلاء يعلم نبينا أن هؤلاء، وأن هذه الألقاب التي أطلقت عليه ما كانت حقيقة، وإنما إن جاءوا بها جاءوا بها تقليدا، كل يقلد من الآخر، هؤلاء سمعوا الأكابر، سمعوا الزعماء، فتلقفوها، فذكروها، وأخذ الكل يدندن على هذه الصفات التي برأ منها نبينا، برأ ربنا نبينا منها. فقال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾، هذا الأول، ﴿مُثْنَى وَفُرَادَى﴾ هذا الثاني، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، هذا في إبطال لأمر التقليد، وأن التقليد في هذا الباب لا ينفع. وهذه الآية، أخواني في الله، محلها في هذا الباب، وفي أبواب كثيرة مما يلقن ويعطى بها من كان مبطلا، من كان مبطلا، من لبس عليه دينه، يوصى بهذه الآية العظيمة. وهي الآية التي فيها العظة النافعة، الذي من كان في خلط وفي خبط ولبس عليه أمر دينه، فعليه بهذه الآية، فإن الله جل وعلا ينير له درب الحق. قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾، إخلاص الأمر لله جل وعلا، الإخلاص، يا عبد الله، هو ركن ركين وأصل أصيل في كل عمل صالح. إذا أردت يا عبد الله أن تعرف الحق، وأنت مما اضطربت عليك الأمور، هاجت عليك الفتن والشبهات، وما استطعت أن تصل إلى الحق، وأن تعرف الحق في مسألة من مسائل الدين، فعليك يا عبد الله بالإخلاص، أنك عندما تقوم في ذكر حكم هذه المسألة، فعليك يا عبد الله أنك تجرد قلبك ونفسك من كل ما يتعلق من التعلقات، لا تتعلق بعصبية، ولا بهوى، ولا بمصالح، وإنما تقوم لله، في الله، ترجو من الله جل وعلا أن يدلك على الحق. فهذا الأمر الأول من أعظم العظات، أنك يا عبد الله إذا أردت أن الله يدلك على الحق، فعليك بالإخلاص، تجرد لله جل وعلا، لا، إياك أن تكون في قلبك هوى، تكون في قلبك تعصب، تكون في قلبك شيء من أدران الدنيا، ثم تريد الهداية، ما تأتيك الهداية، وقلبك قد ملئ أصلا، فأين تأتيك الهداية وقلبك ملئ؟ فرق قلبك، يا عبد الله، ثم تنوي أن الله جل وعلا يدلك. ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مُثْنَى﴾، معنى مثنى: أن تقوم اثنين اثنين، ﴿وَفُرَادَى﴾ أن تقوموا واحدا واحدا. قال علماء: هذه الآية، وهذا الشرط الثاني لمعرفة من أراد أن يصل إلى الحق، أنه يترك هذا العامل، وهو من أعظم العوامل التي ضلت الناس عن سواء السبيل، وهي ظاهرة الغوغائية، ظاهرة الكثرة والجماهير والحشود. هذا مما يلبس على الناس دينهم، بعض الناس، سبحان الله، إذا أراد شيئا أتى وسط الحشود، ثم تناقش مع الناس، وخاصة ممن قل بصيرته، ومن قل علمه، يدخلون إياهم ويتناقشوا في بعض المسائل، فهذا يشغب، وذاك يشوش، وكل هذه الأشياء تشوش الفكر. أنت الآن، يا عبد الله، تريد أن تعمل فكرك، إذن تختار بيئة هادئة تجعلك تجمع شتات نفسك. ولهذا أمر ربنا جل وعلا من أراد أن يعرف الحق، بعد الإخلاص، أن يبحث عن بيئة عينه، إما أن تقوم لنفسك بنفسك، أو أنك تختار من خيرة الناس إليك رجل معك تتناقش، أنت وأخيك تطرح الذي في رأسك، وهو الذي يطرح في رأسه، حتى تصلون إلى بر الأمان. أنت تعين، وهو يعينك، ويذكرك بما نسيت، وأنت تعلمه مما جهل، وهكذا تقوم فراد ومثنى. فهذه الظاهرة، القلة، تبعد عنك ما يسمى بالغوغائية، بالفوضوية، تراكم الحشود والجماهير الغفير. وسيأتي أن الحشود والجماهير أنها عامل سوء، ما تدلك، يا عبد الله، على الحق. من أراد الحق عليه أن يختلي بينه وبين نفسه، وإلا مع واحد ممن يصاحبه يعين على معرفة الحق الذي أراده الله جل وعلا. ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مُثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، وهو المسألة الثالثة، إعمال الفكر، أنك تتفكر، أنك تتأمل، أنك تتدبر. الشريعة الإسلامية، يا عبد الله، بل دين الإسلام هو دين العلم، وهو دين الفهم، يأمر ربنا جل وعلا عباده دائما وأبدا أن يعملوا فكرهم. والمقلد لا يعمل فكره أبدا، وهذا سيأتي، المقلد لا يعمل فكره أبدا، المقلد ما هو إلا بغبغاء، ما هو إلا بغبغاء، يسمع وينشر، يعطل فكره وفهمه وذهنه، عما يتلفظ به. فهم يرون نبينا عليه الصلاة والسلام أنه من أكمل الناس عقولا، يعرفون ذلك، أنه من أكمل الناس عقولا، ومع ذلك يسمعون من يقول عنه أنه مجنون، يقول: هو مجنون، هو مجنون، ويعلم أن لا جنون به، لكنه التقليد، فهذا عطل فكره. ولهذا أمر ربنا جل وعلا بإعمال الفكر. ولو أن الناس أعملوا فكرهم وأذهانهم لما وجدنا مقلدا أصلا، لكن لما عطلوا عقولهم، أتى، جاءت الدسيسة الشيطانية على الناس، وذلك بإدخال ما يسمى بالتقليد. ثم قال قول المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. كذلك هذه الآية فيها الأمر بالاتباع، والاتباع لا يكون إلا بما أنزله ربنا جل وعلا في كتابه، وعلى ألسنة رسله، ونفى ما سوى ذلك. ونفى ما سوى الإتباع. الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند هذه الآية ونظائرها قال رحمه الله تعالى: قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد. قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، هذه الآية وما شابهها: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، كل ذلك فيه دلالة عظيمة على إبطال التقليد، وأن لا يتبع إلا ما جاء في الكتاب والسنة. وأخوانا في الله، فأمر التقليد من الأمور العظيمة، ومن المسائل الخطيرة التي ابتلي بها من كان في الجاهلية. وإلى الآن، الأسف، نرى بلية لا زالت كائنة حتى في هذه الأزمان المعاصرة، نجد أن الناس لا زالوا على مخالفات عقدية، أو مخالفات تعبدية، ومخالفات في العقائد، والسلوك، والمنهاج، وكل البلية في هذا الباب، والذي أقحمهم وجعلهم يستمرون على هذا الضلال، هي مسألة التقليد. وقد ذكر العلماء رحمه الله تعالى آثار التقليد الدخيلة على الأمة، فمن آثار التقليد، أخواني في الله، الذي تؤثر على دين العبد وعلى دنياه، أو من هذه المظاهر السيئة: أن التقليد، يا عبد الله، فيه تعطيل وإبطال لنصوص الشرع، التقليد فيه إبطال لنصوص الشرع. تجد أن المقلد تعرض عليه أدلة الكتاب والسنة، فإذا به يرميها، لا أقول: يرميها، لو أتقن العبد، يقول له: أبعدها، واستبعدها، يرى أنه لا محل للكتاب والسنة، وإنما القول من يقلده. فالمقلد، أخواني في الله، أبطل النصوص الشريعة، بل حتى سمعنا من بعض الفقهاء ممن كان مقلدا لبعض المذاهب، قال: كل آية أو حديث تخالف مذهبنا، فهي إما مؤولة أو منسوخة. كل آية أو حديث، آية قرآنية، حديث شريف، نصوص شرعية، أدلة من الكتاب والسنة، قال: كل آية أو حديث تخالف مذهبنا، هو على مذهب مقلد، مذهب يرى هو الشريعة، أن إذا كان الحديث والنص وجد أنه يعارض ما عليه من مذهب، ومن مسائل قد قلد به أشياء أو أتباع، قال: فإن الآية أو الحديث إما مؤولة أو منسوخة، مؤولة أو منسوخة، عطل الشريعة تماما، ليس هناك استبعاد الكتاب والسنة، ما أبقى إلا التقليد. كذلك من مظاهر التقليد، أخواني في الله، وهذا الذي جعل جماعة من أهل العلم يحرمون التقليد، لهذه الأضرار، من أن التقليد، أخواني في الله، فيه إبطال الفكر، وإبطال التفكر، تعطيل تام، المقلد لا يفكر، ما يفكر، أدبا تجد مثلا في مسألة عقدية يسير عليها مبتدع من مبتدعة، أو في مخالفة شرعية. فإذا به يعرض عليه الدليل، الكتاب، الآية واضحة، كل الوضوح، كل الوضوح في معنى هذا المراد، يقول: اقرأ يا عبد الله، إيش في هذه الآية؟ أليس فيها عين التحريم الذي أنت فيه؟ يقول: أنا ما أفهم شيئا، اعذرني، ما تفهم شيئا، أليس هذا قرآن عربي مبين بلسان عربي مبين؟ أليس واضح الأفهام؟ بلى، لكن عند المقلد قد أعطى لفكره، ما عنده فكر. ومن هنا، ومن يحسن ذكره، أن العلماء كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: أجمع الناس، ويعني بالناس العلماء، قال: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم أبدا، لا يحسبون المقلد عالما، يا علماء، لماذا لا يحسبونه؟ قال: لأن المقلد ليس عنده فكر. العلم ما معنى العلم؟ العلم هو الفهم، العلم هو الفكر، العلم هو الفقه، والمقلد ما عنده علم، ما عنده فقه، ما عنده تأمل، ما عنده فكر، إذن ليس في عداد العلماء. وبهذا بإجماع العلماء، كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: بأن العلماء أجمعوا على أن المقلد لا يكون أبدا من أهل العلم، لأنه رضي بالدنية. وهكذا، يا عبد الله، من أضرار التقليد: أن فيه التقديس، أنه فتح لباب التقديس، المقلد إنما يقلد من يعظمه، يقلد من يعظمه. فلما يدخل في هذا الباب، يدخل هذا الباب إلى تعظيم الأشخاص الذي يقلدهم، وهذا الذي يظهر من كان عنده صاحب مذهب فقهي، أو كان تحت منظومة عقدية من فرق الضلال، وله في ذلك رؤساء وزعماء. تجد أن هذا ما اكتفى بأخذ أقوالهم فقط، واتباعهم، ولو إنما أخذ من أقوالهم التعظيم لذواتهم، التعظيم لذواتهم، يدافع، ينافح، ولو كان على باطل، بل ربما قدسه وعظمه، وجعله بمثابة ماذا الذي يشرع مع الله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله تعالى في بداية كتابه شرح مشكل الآثار، قال رحمه الله تعالى: وهذه عبارة من عبارات العلماء السائرة إلى هذه الأزمان، قال: لا يقلد إلا غبي أو عصبي، لا يقلد إلا غبي أو عصبي. وصدق رحمه الله فيما قال، ما يقلد، وما تجد أحد يقلد إلا غبي. وهذه، يا أخواني، المسألة الأولى، لماذا غبي؟ لأنه لا فكرة له، ما عنده عقل، ما عنده فكر، ما عنده فهم، ما عنده طبق أدلة شرعية، إنما يزعق بما ينعق، يبلبل بما يسمع، فهو غبي، ما عنده فكرة، ألغى فكره. والثاني: إما غبي أو أنه عصبي متعصب. والغباء والعصبية مما يذن في دين الله جل وعلا. أشهد، أخوانا في الله، والمسألة طويلة في هذا الباب، لكن أبانا المؤلف رحمه الله تعالى على أن من أعظم الأمور التي أتى بها أهل الجاهلية، وبنوا بها ديانتهم المحرفة، من عبادة الأوثان والأصنام، والاستمرار على ذلك، وما أخذوه من دين آبائهم وأجدادهم، وجعلوا ذلك قاعدة كلية يمشون عليها، وأصل عظيم من الأصول لديانتهم. فجاء نبينا بهدم هذا الأصل الذي قد اتخذوا لأنفسهم، وأبطل باب التقليد، وأمر بما يسمى بالاتباع، وذلك بالأخذ من الكتاب والسنة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.