الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 111، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الردة بعد وفاته، ويذكر أحاديث تدل على خروج كذابين يدّعيان النبوة هما مسيلمة الكذاب والأسود العنسي. كما يبرز فقه أبي بكر الصديق في قتال مانعي الزكاة معتبراً إياها من حقوق كلمة التوحيد.
قرر العلماء قتال الطائفة الممتنعة عن أداء شعيرة الزكاة ولو أقروا بالشهادتين، لأن امتناعهم عن فريضة ظاهرة يستوجب القتال لا التكفير ما لم يجحدوا وجوبها. فرق أبو بكر الصديق بين من كفر بترك الزكاة جحوداً ومن منعها تأولاً، فقاتل الطائفة الممتنعة دون تكفير آحادهم.
شاور أبو بكر الصحابة في قتال المرتدين فأشاروا بتأخير القتال ومصالحة عيينة والأقرع، فرفض أبو بكر المساومة على الزكاة وأصر على قتال المانعين حتى لو منعوا عقالاً. قبل الصحابة رأيه وتجهزوا لقتال أهل الردة من كفر ومن امتنع عن الزكاة بتأويل.
يختتم المتحدث الجلسة معلناً الاكتفاء بما تم طرحه، ويوجه دعوة للمشاهدين للاشتراك في القناة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم: قال: قصة الردة، أعاذنا الله منها. قال: قد تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إخباره بالفتن الكائنة بعده، وإنذاره عنها، وإخباره خاصة عن الردة، وهذا فيه علم من أعلام نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ يخبر عن أمور مستقبلة غيبية فتقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام. فقد أخبر عن هذا الأمر، وهو قصة الردة، في أحاديث كثيرة، وسيذكر المؤلف منها شيئاً. قال: من ذلك ما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان، ورؤيا الأنبياء حق». وقوله: «فأولتهما كذابين يخرجان» يعني ممن يدعي النبوة، ومن ادعى النبوة فقد ارتد وكفر، ومن آمن به واتبعه فقد كفر وارتد عن دينه. وقد ذكر شراح هذا الحديث - والحديث كما ذكر في الصحيح، وهو صحيح البخاري ومسلم - فقد شرح أو بيّن الشراح أن الكذابين هما: مسيلمة الكذاب والأسود العنسي، وهما ممن ظهر مباشرة بعد موت النبي صلى الله عليه عليه وعلى آله وسلم. قال: وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من نجى منهن فقد نجى: من موتي، ومن قتل خليفة مستأثر بالحق معطيه، ومن الدجال». وهذا الحديث كما ذكر المعلق رواه أحمد، وهو في البخاري من حديث ابن عباس، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وأما عن ابن مسعود فالله أعلم، لكن في البخاري ومسلم هذا الحديث جاء من حديث ابن عباس، وفي مسلم من حديث أبي هريرة. ومعنى هذا الحديث: يعني ثلاث من نجى منهن فقد نجى من موتي، يعني من إرادة موت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قتل خليفة مستأثر بالحق معطيه يعني خلفاءه الراشدين، ومن الدجال الذي سيظهر في آخر الزمان. قال: وفي الصحيح - ووجه الشاهد من الحديث: ومن الدجال - فإن من اتبع الدجال فإنه يكفر، ولذلك يفتتن بفتنته خلق كثير من المسلمين لما معه من فتن. قال: وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم - والمراد بالصحيح أيضاً البخاري ومسلم - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر يعني خليفة للمسلمين، وكفر من كفر من العرب يعني ارتدوا عن الإسلام، ومنعوا الزكاة. قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»؟ قال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها. انظر إلى فقه أبي بكر، وهذا فيه ليس كل من قال لا إله إلا الله يكون مسلماً، بل لا بد من أن يأتي بشروطها وأركانها وما توجبه هذه الكلمة على المسلم، ومن ذلك أداء الزكاة. فلذلك قرر العلماء أن الطائفة الممتنعة عن أداء شعيرة من شعائر الإسلام تقاتل عليه، ولو كانوا يقولون لا إله إلا الله. لو قال أهل البلد: نحن ما سنزكي، أو نحن ما سنصوم، أو نحن ما سنؤذن، فلولي الأمر أن يقاتلهم وإن كانوا مسلمين لأنهم ربما يتأولون بمنعهم. ولذلك فليس هناك تلازم بين الكفر وبين ترك الزكاة، فلا يحتج الخوارج بمثل هذا الحديث على أن من فعل معصية أو ترك واجباً فإنه يكفر. فأبو بكر إنما قاتلهم لأنهم طائفة ممتنعة، طائفة ممتنعة، ليس فرد من الأفراد تركها بخلا، وإنما جماعة تركوا شعيرة ظاهرة، فهنا يقاتلون عليها. أما إن جحدوها بالكلية فهنا يكفرون. لكن لما منعوها تأولوا، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤديها إليه، أما إذا مات فلا يلزمنا أن نؤديها إلى غيره. فهم متأولون ولكنهم مخطئون، فلذلك قاتلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وكان الحق معه. ولذلك شرح الله صدر عمر إلى قول أبي بكر، فقال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها، أي من حق لا إله إلا الله، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، يعني ممن امتنع، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعها. والعناق هو صغار المعز، صغار المعز. وجاءت رواية: والله لو منعوني عقالاً، أي مما يعقل به الناقة والبعير. وهذا يدل على أن الممتنع عن الزكاة الطائفة، ولو كانت معها قليل من الزكاة، فإنها تقاتل لأنها منعت شعيرة وفريضة فرضها الله عز وجل على المؤمنين. قال: قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. شرح الله صدر عمر إلى قول أبي بكر لما رأى من صلابته وهكذا إصرار أبي بكر على القتال. قال: والله لا رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعاً في قتال أهل الردة، حتى أن بعض العلماء قال: الله سبحانه وتعالى نصر بأبي بكر للإسلام يوم الردة، وبالإمام أحمد يوم المحنة، أي محنة خلق القرآن. قال: وذكر يعقوب بن سعيد بن عبيد، ومحمد بن مسلمة، وابن شهاب بن الزهر، عن جماعة قالوا: وهذا مرسل لأن ابن شهاب لم يدرك عهد الصحابة. قالوا: كان أبو بكر أمير الشاكرين الذين ثبتوا على دينهم، وأمير الصابرين الذين صبروا على جهاد عدوهم، وهم أهل الردة. وذلك أن العرب افترقت في ردتها، يعني أن أهل الردة طوائف عدة، ليس الطائفة واحدة، فهم طوائف عدة. وذلك أن العرب افترقت في ردتها، فقالت فرقة: لو كان نبياً ما مات، هذا تأويل فاسد منهم وقياس فاسد منهم. وقالت فرقة: إن قضت النبوة بموته فلا نطيع أحداً بعده، وفي ذلك يقول قائلهم: أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر أي ورثها بكراً إذا مات بعده ... فتلك لعمر الله قاصمة الظهر وأمثال هؤلاء كفرهم الصحابة. فإذن أصحاب الردة ليسوا على مستوى واحد، فمنهم من كفر، ومنهم من لم يكفر. فأمثال هؤلاء كفروا بالله، جعلوا الإمارة إرثاً، وجعلوا حكم أبي بكر قاصمة الظهر، ونحو ذلك. وقالت فرقة: نؤمن بالله، وقال بعضهم: نؤمن بالله ونشهد أن محمداً رسول الله، ولكن لا نعطيكم أموالنا، هكذا قالوا متأولين. وهؤلاء لم يكفرهم الصحابة، وإنما قاتلوهم لأنهم طائفة ممتنعة. قال: فجادل الصحابة أبا بكر رضي الله عنهم، وقالوا: احبس جيش أسامة فيكون أماناً بالمدينة، وارفق بالعرب، وارفق بالعرب حتى يتفرج هذا الأمر، يعني حتى يأتي الله بالفرج، ولا تقاتلهم. فلو أن طائفة ارتدت قلنا: قاتل بمن معك من ارتد، وقد أصفقت العرب على الارتداد، أي أطبقوا. وقدم على أبي بكر عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في رجال من أشراف العرب، فدخلوا على رجال من المهاجرين، فقالوا: إنه قد ارتد عامة من وراءنا عن الإسلام، وليس في أنفسنا أن يؤدوا إليكم ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن تجعلوا لنا جعلا كفيناكم، يعني تجعلوا لنا مقابل من مال، فإننا نكفيكم مؤنة هؤلاء الذين ارتدوا. فدخل الصحابة على أبي بكر، فعرضوا عليه ذلك، وقالوا: نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها، ويكفيانك من وراءهما حتى يرجع إلينا أسامة وجيشه، ويشتد أمرك، فإن اليوم قليل في كثير. فقال أبو بكر: فهل ترون غير ذلك؟ قالوا: لا. قال: قد علمتم أن من عهد نبيكم إليكم المشورة فيما لم يمضي فيه أمر من نبيكم، يعني المشورة في الأمر الذي ليس فيه نص قاطع من الكتاب أو من السنة، وإنما هو موضع اجتهاد وموضع مشورة. قال: ﴿وَلَا نَزَلَ بِهِ الْكِتَابُ عَلَيْكُمْ وَأَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ﴾ تنظرون فيما أشير به عليكم، يعني تشاورون جميعاً، وإن الله لن يجمعكم على ضلالة. وهذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة». إذا استشاوروا واتفقوا على أمر فهذا دليل على أن هذا الأمر هو الحق. قال: فتجتمعون على الرشد في ذلك، فأما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا، يعني نهجم عليهم ونقاتلهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وأن لا ترشون على الإسلام. والرش هو الضرب الموجع كما ذكر المعلق تحته في الحاشية. قال: فنجاهد عدوه كما جاهدهم، والله لو منعوني عقالاً - هذه رواية أخرى - وهو الخيط الذي تربط به الدابة، أو يربط به المتاع، أو يربط به على الرأس يسمى عقالاً. قال: والله لو منعوني عقالاً لرأيت أن أجاهدهم عليه حتى آخذه. وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم فهذا أمر لم يغب عنه، عيينة هو راضٍ ثم جاء له، يعني هو متواطئ معهم، ولو رأوا ذباب السيف، يعني حد السيف، لعادوا إلى ما خرجوا منه، وأقناهم السيف، يعني أرجعهم إلى الحق، فإلى النار قد قتلناهم على حق منعوه، وكفر اتبعوه، فبان للناس أمرهم. فقالوا له: أنت أفضلنا رأياً، ورأينا لرأيك تبع، يعني المهاجرين رأوا ما رأى عمر، واطمأنت قل رأوا ما رأى أبو بكر، واطمأنت قلوبهم لذلك. قال: فأمر أبو بكر رضي الله عنه الناس بالتجهز لقتال هؤلاء المرتدين، وأجمع على المسير بنفسه هو في مقدمة الجيوش، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة، فقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة، فبعث المصدقين في العرب، يعني الذين يجمعون الزكاة، الذين يجمعون الزكاة، ومات في هذه السنة. بعثهم في المحرم، ومات في سنة في شهر ماذا؟ ربيع الأول، نعم، ومات في ربيع الأول من هذه السنة. فالحمد لله اجتمعت كلمة الصحابة على قتال أهل الردة، من كفر منهم، ومن لم يكفر ولكنه امتنع لتأويل تأوله. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، وإلى هنا والله تعالى. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.