شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 7

الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 7، ألقاها

محو السيئات بالحسنات والمصائب

يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية على دور الحسنات والمصائب في محو السيئات، ويبين أن الابتلاءات التي يصيب الله بها العباد تكفر عن ذنوبهم وتكون سببًا لرحمتهم وهدايتهم. يُظهر أهمية هذه العقيدة في تعزيز الصبر والرضا بالقضاء.

مراتب الصبر والرضا بالمصائب

يشرح المقطع مراتب الصبر على المصائب، ويتحدث عن الرضا بالقضاء والقدر، ويصنف مراتب الصبر إلى ثلاث: الصبر، الرضا، والشكر، موضحًا الفرق بين الرضا بالمصائب والرضا بالمعاصي.

أثر المصائب في تعزيز الشكر لله

يُظهر كيف أن المصائب تعتبر نعمة للمؤمنين لأنها تزيد من تعلقهم بربهم وتجعلهم أكثر شكرًا لله، ويستشهد بقصة أبي قلابة الجرمي الذي صبر وشكر الله عند فقدانه لولده.

نماذج من الابتلاء والشكر

يتحدث عن أناس ابتلوا بصنوف من البلايا فكانوا أكثر الناس ذكرًا لله وشكرًا له، وينتهي بدعاء لله أن يعيننا على أنفسنا ويغفر لنا، مما يعزز أهمية الشكر في مواجهة الابتلاءات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه الوصية الصغرى: «فأنفع مال الخاصة والعامة العلم بما يخلِّص النفوس من هذه الورطات، وهو إتباع السيئات الحسنات». فالشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما مرَّ معنا في درسنا الماضي، يريد أن يقرِّر هذه المعاني التي تقدَّم ذكرها، وهي أن أحوَج ما يحتاج إليه العبد أن يُبادِر إلى فعل حسنات والطاعات التي بها ربنا تبارك وتعالى يمحُو السيئات. وذلك أن الإنسان لا يخلُو من تقصير، لا يخلُو من فعل شيء يحتاج إلى تكفير، يحتاج إلى محو، فهو بحاجة ماسة إلى معرفة هذا الأمر، إلى معرفة أبواب الخيرات والحسنات والأجور حتى يعمل بها، فتكون سببًا - بإذن الله تبارك وتعالى - لمحو ما يكون منه من السيئات. قال رحمه الله تعالى: «والحسنات ما ندَّب الله إليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات، فكلُّ ما ندَّب إليه ربنا تبارك وتعالى ودعَا إليه ورغَّب فيه فهو من الحسنات، فكلُّ ما أحبَّه الله ورضيه الله فهو من الحسنات، فإذا فعله العبد فعل ذلك العمل تقربًا لله تبارك وتعالى، فإنه يؤجر على ذلك العمل». قال رحمه الله تعالى: «ومما يزيل موجب الذنوب المصائب المكفرة»، أي هي كذلك من المكفرات، هي من المكفرات. قال: «وهي كلُّ ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك، لكن ليس هذا من فعل العبد، أي أن هذا المكفر ليس من فعل العبد، ولكنه من الله، الله تبارك وتعالى ربما يبتلي عبده بشيء من البلايا، بشيء من المصائب لأجل أن يكفر الله تبارك وتعالى عنهم من سيئاتهم، لأجل أن يكفر الله جل وعلا عنهم من سيئاتهم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فانظر إلى عطاء الله جل وعلا، وانظر إلى رحمة الله جل وعلا، وانظر إلى فضل الله جل وعلا، وانظر إلى حكمة الله جل وعلا، كيف أن ربنا تبارك وتعالى يبتل العبد، «ولنبلونكم» ابتلاء من الله، لكن هل أراد الله جل وعلا من ذلك الابتلاء التعذيب للعبد؟ الجواب: أراد الله جل وعلا شيئًا عظيما، لو علم العبد ما أراد الله جل وعلا، ما هو هذا الشيء، تكفر الذنوب، وكذلك رحمة رب العالمين جل وعلا لذلك العبد، بل ويكون ذلك الأمر سببًا لأجل أن يكون من المهتدين. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ ابتلاء بالخوف، ﴿وَالْجُوعِ﴾ ابتلاء بالجوع، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ إنسان قد يُبتلى بشيء من الضيق في ماله، في نفسه، في ولده، في معاشه، في بيته، في جيرانه، في سوقه، في متجره، في معاملته مع الناس، بشيء من البلايا. قال الله جل وعلا: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ بعد أن ذكر ما ذكر، قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فيبشر ذلك البلاء بشرى من الله، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ بشرى من الله ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، انظر إلى عطاء الله جل وعلا، وانظر إلى عاقبة ذلك البلاء لمن عرف مراد الله، ولمن فوض أمره إلى الله، ولمن رضي بقضاء الله جل وعلا، كيف أن ذلك البلاء يكون سببًا لرحمة الله له، يكون سببًا لمغفرة الله جل وعلا له ذنبه، بل ويكون سببًا لأجل أن يكون من المهتدين بإذن الله رب العالمين جل وعلا. روى الإمام البخاري والإمام مسلم في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». «إلا كفر الله بها من خطاياه». قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض، وليس عليه خطيئة». «وليس عليه خطيئة». قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا لمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له». قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن الله إذا أحب قومًا عجل لهم العقوبة في الدنيا، وإذا لم يحب قومًا أمسك عليهم العقوبة حتى يوافيهم إياها يوم القيامة»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحاصل أن من مكفرات الذنوب، من مكفرات الذنوب التي يكفر الله جل وعلا بها من ذنوب العبد، بل قد يمح الله جل وعلا بها ذنوب العبد حتى يلقى الله جل وعلا، حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، المصائب التي يصاب بها العبد، لكن مع صبر، لكن مع احتساب، لكن مع رضا بقضاء الله جل وعلا، مع تفويض لله جل وعلا في أمره، وأن ما أراد الله جل وعلا له فهو خير، أي ما قدره الله جل وعلا عليه من المصائب، أن ذلك القضاء من الله جل وعلا خير له. وها هنا مسألة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: ما حكم الرضا بالقضاء والقدر؟ والجواب: أن الرضا بالقضاء والقدر باعتباره فعلًا باعتباره فعلًا لله تبارك وتعالى، هذا واجب، وهو من الإيمان بالقضاء والقدر، وهو من أركان الإيمان، باعتباره فعلًا لله تبارك وتعالى، هذا واجب، وهو من الإيمان بالقضاء والقدر. بقي الإيمان أو الرضا بالقدر باعتبار ما يجعله الله جل وعلا ويخلقه الله جل وعلا في العبد، فهذا الأمر كما يقول علماء على قسمين: ما كان منه معائب، أي ما قدره الله جل وعلا على العبد من المعائب، أي المعاصي بأنواعها، فإن هذا لا يجوز الرضا به بحال، بل يجب على العبد إذا ابتلي بشيء من هذه المعاصي أن يتوب إلى الله، وأن يرجع إلى الله، وأن يبادر بالاستغفار وإتباع السيئة الحسنة حتى يمحو الله جل وعلا عنه تلك السيئة. وأما باعتبار المصائب، أي ما يبتلي الله جل وعلا به العبد في ماله، في نفسه، في ولده، إلى غير ذلك من المصائب التي يبتلي الله جل وعلا بها العبد، فالرضا بذلك كما يقوله المحققون من العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن القيم، الرضا بذلك القضاء من باب المستحبات، الرضا بذلك من باب المستحبات. وذهب بعض أهل العلم إلى أنهم من الواجبات، وذلك أن العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون مراتب الصبر إلى ثلاثة أقسام، أي باعتبار العبد، أي باعتبار العبد، العبد إذا ابتلاه الله جل وعلا بمصيبة، فإنه لا يخلُو من أحوال أربعة. الحالة الأولى: إذا ابتلاه الله جل وعلا بمصيبة في ماله، مصيبة في نفسه، مصيبة في ولده، مصيبة في قريب له، إلى غير ذلك، تجده يتسخط، تجده يتسخط على أقدار الله جل وعلا، لماذا الله تبارك وتعالى ابتلاني أنا؟ وما ابتل فلانا؟ لماذا جعلني الله جل وعلا فقيرًا وجعل فلانًا غنيًا؟ لماذا ربي تبارك وتعالى حرمني الولد ورزق فلانًا الولد؟ هذا متسخط، هذا متسخط على أقدار الله جل وعلا، وعلى قضاء الله جل وعلا، وهذا آثم، هذا آثم، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط»، أي يكون آثمًا بعدم رضاه بقضاء الله جل وعلا، وبقسمة الله جل وعلا بين عباده، هذا آثم. الحالة الثانية، وهي من مراتب الصبر، وهي أولى مراتب الصبر الثلاثة، أن يصبر، ومعنى أن يصبر: أي أن لا يتجزع ولا يتسخط من قضاء الله وقدره، أن لا يتجزع ولا يتسخط على أقدار الله وقدره، يقول: أصابني الله تبارك وتعالى، يسكت، يكتم، يعلم أن ذلك من الله جل وعلا، لا يتسخط، فهذا مأجور، هذا مأجور على صبره، وهذا الفعل من ذلك العبد، تعد هذه المرتبة أولى مراتب الصبر، أولى مراتب الصبر عدم التجزع وعدم التسخط على أقدار الله جل وعلا، هذه مرتبة وهي أولى مراتب الصبر. المرتبة الثانية من مراتب الصبر: مرتبة الرضا، أي الرضا بقضاء الله وقدره، ومعنى هذا: أن العبد يبتلى بشيء من مصائب في ماله، في نفسه، في ولده، في أقربائه، إلى غير ذلك، فيرضى، يرضى، يقول: قدره الله جل وعلا لي، أنا أرضى بقضاء الله جل وعلا لي، راض بقضاء الله جل وعلا لي، والرضا لا يكون باللسان، إنما يكون بالقلب، محل الرضا أن يكون بالقلب، وهو اطمئنان القلب بما كتب الله جل وعلا لذلك العبد، وأن العبد في قرارة نفسه يعلم أن ما كتب الله جل وعلا له من تلك المصاب أنها خير، لأنها خير له، فهذه المرتبة الثانية من مراتب الصبر. المرتبة الثالثة، وهي أعلاها، وهي أجلها: مرتبة الشكر، أي أن يشكر العبد ربه تبارك وتعالى على المصائب، أن يشكر العبد ربه تبارك وتعالى على المصائب، يبتلي الله تبارك وتعالى العبد بماله، بولده، بنفسه، أمراض، أسقام يصاب بها، أو غير ذلك، فتجده شاكرًا لله تبارك وتعالى، شاكرًا لله تبارك وتعالى على تلك المصائب، لماذا؟ لأنه يعلم أن الله تبارك وتعالى ما أصابه بتلك المصائب إلا وأراد ربه تبارك وتعالى به خيرًا، علم أن ربه تبارك وتعالى أراد به خيرًا، إذ أن المصائب كما يقول علماء: من أعظم الأسباب لانكسار قلب العبد وإذلاله وخضوعه لله رب العالمين جل وعلا. فتكون هذه المصائب من أعظم الأسباب التي بها يتعلق العبد بربه تبارك وتعالى، يتعلق قلب العبد بالله تبارك وتعالى، وينكسر بين يدي مولاه جل وعلا، وينطرح بين يدي مولاه جل وعلا خاضعًا ذليلًا معظمًا موجلا لربه جل وعلا، فتكون هذه المصائب من أعظم الأسباب لازدياد العبد تعبدًا وتقربًا لله رب العالمين جل وعلا، فهي نعمة عظيمة في الحقيقة، لذا كان العقلاء، لذا كان أولو الألباب من أعظم الناس شكرًا لله تبارك وتعالى إذا أصابتهم المصائب. والنظر في أحوال الأنبياء، النظر في أحوال رسل الله، النظر في أحوال الصالحين، يجدون العجب العجاب من هذا الباب، أي أنهم يبتلون بأنواع من البلايا، فتجدهم شاكرين، ذاكرين لله رب العالمين جل وعلا. وهذه كما سمعتم أعلى المنازل، هذه من أعلى المنازل وأجلها، ومن باب الشيء بشيء يذكر، ذكر الإمام ابن حبان - فيما أذكر - في كتاب الثقات، في مقدمته، في ترجمة أبي قلابة الجرمي رحمه الله تعالى، أحد التابعين، رحمه الله تعالى وغفر له، ذكر أمرًا عجيبًا في هذا الباب، ذكر أن أبا قلابة رحمه الله تعالى طلب من الخليفة في زمنه لأجل أن يتولى القضاء، وكان الأئمة رحمهم الله تعالى لورعهم ولخشيتهم لله تبارك وتعالى يخافون الله أن يتولوا هذا الأمر، فيحصل منهم ما يحصل من الزلل أو الخطأ، فكانوا يفرون ويهربون من هذه الوظائف. فأبو قلابة رحمه الله تعالى طلب لي تولي القضاء، فرأى من خليفة، ورأى من مكان إلى مكان، فكان آخر ما كان رحمه الله تعالى أن كان في مكان في صحراء قريبة من البحر، وكان معه ولد له يخدمه، وذكروا في تلك الترجمة أن جماعة من المسافرين مروا به، فإذا هم بخيمة، إذا هم بخيمة، أقبلوا عليها، سلموا على صاحب الخيمة، وقبل أن يسلموا سمعوا من خارج الخيمة تسبيحًا وتهليلًا وتكبيرًا وذكرًا لله كثيرًا، تعجب أولئك القوم، فاستأذنوا على صاحب تلك الخيمة، فأذن لهم، دخلوا عليه، فرأوا رجلًا مقعدًا، رجلًا لا يكاد يرى، لا يكاد يتحرك، لا يكاد ليس به حركة إلا ماذا؟ إلا لسانه. فقال قائلهم: يا شيخ، سمعناك تشكر الله وتذكر الله وتحمد الله كثيرًا على أي شيء هذا الذكر؟ يعني ما هناك نعمة نراها ظاهرة حتى إنك تشكر الله تبارك وتعالى وتذكره وتحمده. كما يقال: الدنيا قد حيزت لك. فقال لهم رحمه الله وغفر له - أي أبو قلابة الجرمي، وهم كانوا لا يعرفونه - قال لهم: يا قوم، أرأيتم لو أن الله تبارك وتعالى أطبق علي السماء، أو أمر البحر فأغرقنا، أو ذكر لهم أشياء، قال: ما ينفعنا؟ فنحمد الله تبارك وتعالى. قال: فإنني أحمد الله تبارك وتعالى أن جعل لي لسانًا ذاكرًا، فإني أحمد الله تبارك وتعالى أن جعل لي لسانًا ذاكرًا. الرجل كثيف البصر، سمعه ضعيف، مقعد، إلى غير ذلك من العاهات التي به، ومع هذا يذكر الله تبارك وتعالى كثيرًا، بل ويشكر الله تبارك وتعالى على إنعامه وعطائه. فلما يسأل يقول: أحمد الله وأشكر الله أن أعطاني الله لسانًا ذاكرًا، هذه نعمة عظيمة، يدعو الله تبارك وتعالى ويشكر الله تبارك وتعالى بها. فقال له القوم: يا شيخ، ألك حاجة؟ هم أرادوا لك حاجة نقوم بها نؤديها، قال: ليس شيء إلا أمر واحد، قيل له: ما هو؟ قال: فإن لي ولدًا يأتيني بالطعام ويأتيني بالوضوء، وإني افتقدته منذ يومين، أو قال: منذ يوم، فانظروا ما أمره. فذهب القوم غير بعيدين، فإذا بالولد عظام، قد أكلته السباع، ولد أبي قلابة رحمه الله تعالى الذي يخدمه ويقوم بأمره، والرجل منذ يوم أو يومين لا طعام ولا شراب، لأن الولد هو الذي يقوم بأمره، قد أكلته، قد أكلت ولده السباع، فرجع القوم وقالوا: ما ندري ما نقول للشيخ، ما ندري ما نقول للشيخ، هو على هذه الحالة. فدخل عليه أولئك القوم، فقال له: يا شيخ، أرأيت لو أن الله تبارك وتعالى كانوا حاجة وديعة عندك فأخذها، أكنت تمانعه؟ يا شيخ أرأيت لو كان كذا... وهو يقول: يا قوم أخبروني ما الخبر؟ قالوا: فإن ولدك قد أكلته السباع. فماذا قال؟ رضي الله عنه وأرضاه ورحمه الله، قال: الحمد لله. قال: الحمد لله. ثم توفي رحمه الله تعالى على إثر ذلك. فجاء بعض السيارة كذلك، وهم يغسلون ذلك الشيخ، فلما رآه، قال: يا قوم، أتعلمون من هذا؟ قالوا: من؟ قال: هذا هو أبو قلابة الجرمي، أي أحد الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. فهؤلاء من هذا الصنف، ابتلاهم الله جل وعلا بصنوف من البلايا، فما كان من حالهم إلا أنهم أكثر الناس ذكرًا لله رب العالمين، وشكرًا لله رب العالمين. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على أنفسنا، وأن يغفر لنا ويرحمنا، إنه الغفور الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على