شرح القواعد المثلى  19

شرح القواعد المثلى 19

الدرس في شرح القواعد المثلى 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

القاعدة السادسة: النهي عن التمثيل والتكييف في صفات الله

يشرح المقطع القاعدة السادسة من القواعد المثلى التي تقتضي الابتعاد عن محذورين عظيمين عند إثبات الصفات: التمثيل والتكييف. يركز الشارح على تعريف التمثيل بأنه اعتقاد مماثلة الله لخلقه أو خلقه له، مع ضرب الأمثلة كقول اليهود إن الله فقير، وادعاء علم الغيب للأئمة، مستدلاً بآيات تنفي المثلية عن الله كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

الأدلة العقلية لنفي المماثلة بين صفات الخالق والمخلوق

يستعرض المقطع الحجة العقلية الأولى لنفي تشبيه صفات الله بصفات المخلوقين، مبيناً أن التباين الضروري في الذات بين الخالق والمخلوق يستلزم التباين في الصفات، وضرب مثلاً بقوة البعير وقوة الذرة لتوضيح تفاوت صفات المخلوقات مع اشتراكها في الحدوث، فما بال الخالق سبحانه وصفات كماله وجلاله.

الحجج العقلية الثلاث في نفي التشبيه وإثبات الصفات لله تعالى

يستعرض المقطع ثلاث حجج عقلية: الأولى تباين صفات الخالق عن المخلوق تبايناً ظاهراً، الثانية أن تشبيه الكامل بالناقص ينقص من كماله، والثالثة أن الاتفاق في الأسماء (كـ"يد" و"رجل") لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة والكيفية، فيثبت أهل السنة الصفات لله على الحقيقة دون تمثيل أو تشبيه بصفات المخلوقين.

حجج المعطلة وردهم بأنهم ممثلة وخاتمة الدرس

يوضح المقطع أن المعطلة لم ينفوا الصفات إلا بعد أن مثلوها في أذهانهم، فكل معطل في حقيقته ممثل. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال قاعدة التكيف في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة الفقير محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد المثلى»: «القاعدة السادسة هي من قواعد الصفات، قال: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين، أحدهما التمثيل، والثاني التكييف». فقوله: «يلزم في إثبات الصفات التخلي» يعني: الابتعاد عن محذورين عظيمين، والمحذور هو الممنوع، يعني: عن ممنوعين عظيمين، أحدهما التمثيل، والثاني التكييف. والتمثيل معناه: اعتقاد مثيل لله عز وجل، واعتقاد المثيل لله عز وجل بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لا يماثل أحدًا من خلقه، لا يماثل أحدًا من خلقه، ولا يماثله أحد من خلقه. انتبهوا: معنى التمثيل أن يعتقد المثبت للصفات أن الله لا يماثل أحدًا من خلقه، ولا يماثله أحد من خلقه. مثال الأول: لا يماثل أحدًا من خلقه. مثال ذلك: اعتقاد اليهود أن الله فقير، فهم مثلوا الخالق بمن؟ بالمخلوق. فالفقر إنما يكون من صفات المخلوق، لا من صفات الخالق سبحانه وتعالى، وتنزه وتقدس عن ذلك. فمن اعتقد ذلك فلم يثبت الصفات لله سبحانه وتعالى. ومثال تمثيل المخلوق بالخالق، وهو في قولنا: «ولا يماثله أحد من خلقه»: اعتقاد أن الأئمة، أئمة الرافضة وغيرهم، يعلمون الغيب. فعلم الغيب من خصائص الله عز وجل، فجعل هذه صفة للمخلوق، فهذا فيه مماثلة المخلوق للخالق، وهذا يعد من التمثيل. والتكييف سيأتي الكلام عليه مفصلًا. قال: «فأما التمثيل فهو اعتقاد المثبت» يعني: من أثبت الصفات «أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين»، أو كما تقدم: «مماثل لصفات المخلوقين، أو أن المخلوقين يماثلون الرب سبحانه وتعالى في الصفات». وهذا وهذا، قال: «وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل»، يعني: الدليل من الكتاب، وهكذا العقل. أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾. فقوله: «شيء» نكرة جاءت في سياق النفي، «ليس» هنا تفيد النفي، فـ «شيء» هنا عام: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، فلا يمثل بشيء من خلقه سبحانه وتعالى، وتعم كل شيء. وهذه الآية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، الكاف هنا تفيد التشبيه، ومثل فيها معنى التشبيه، فأشكل ذلك على بعض العلماء، وذكروا أقوالًا كثيرة، فأقرب الأقوال في ذلك أن هذا من باب التوكيد، من باب التوكيد، كأنه كرر اللفظ مرتين، كرر اللفظ مرتين، هذا أقرب ما يقال، يعني: كأنه قال: «ليس مثله مثله شيء»، لأن الكاف تفيد التمثيل، ومثل فيها معنى التمثيل، كأن هذا الآن، فلا بأس أن يقال بهذا. ومن الأقوال كذلك التي هي ربما تكون أقرب: أن الكاف هنا جيء بها للتوكيد، وهي زائدة في اللفظ، يقول: معنى «ليس مثله شيء» واضح، «ليس مثله شيئًا»، يعني: على أن «مثله» هي الخبر. فالمهم الشاهد من هذه الآية: أن الله عز وجل نفى عن نفسه المثلية، أن يماثله شيء من خلقه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، فالذي يعتقد التمثيل أو المماثلة فقد شبه الله سبحانه وتعالى، وهذا ما نهى الله عز وجل عنه وبينه في كتابه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾. هذا دليل السمع. وقوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾. ووجه الشاهد من هذه الآية: توبيخ هؤلاء الذين يعبدون غير الله، فهؤلاء الذين يعبدون لا يخلقون شيئًا، فلا يماثل الله عز وجل أحدًا في الخلق، لا يماثل الله سبحانه وتعالى أحدًا في الخلق، فهو الخالق سبحانه وتعالى، وهو المستحق للعبادة، فكيف تعبدون هؤلاء؟ خرجت الآية مخرج التوبيخ، مخرج التوبيخ، ولذلك قال بعدها: ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾. وكذلك الآية التي بعدها: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾، والسمي هنا: الكفء والنظير، فهل لله عز وجل سمي ونظير أبدًا؟ وهو لا يماثله ولا يكافئه شيء سبحانه وتعالى، فهذا أيضًا فيه المعنى المتقدم. وقوله: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾، فهذه الآية أيضًا ظاهرة في نفي المكافأة لله سبحانه وتعالى، فلا يكافئه أحد، أي: لا نظير له سبحانه وتعالى، ولا كفء له. وكل هذه الآيات تدل على ما ذكر الشيخ رحمه الله: أن المثبت يعتقد أن ما أثبته من صفات لا تماثل صفات المخلوقين. ثم قالوا: «أما العقل فمن وجوه» ما هي الأدلة العقلية لنفي المماثلة، مماثلة صفات الله عز وجل بصفات المخلوقين؟ وكما تقدم معنا أن الشيخ في هذا الكتاب ما يخاطب أهل السنة السلفيين فحسب، بل يخاطب من خالف أهل السنة في هذا الباب، ولذلك أهل السنة في الحقيقة يكتفون بالسمع، صح، ولكن يذكر العلماء الحجج العقلية حتى يرد على المخالفين لأهل السنة في هذا الباب. فقد يقول قائل: «وما لنا والأدلة العقلية؟ خلاص يكتفي بالدليل السمعي». يقال: هذا التأليف ليس لك أيها السني فحسب، بل كذلك لغيرك، ثم أنت ستواجه من هؤلاء شبهًا، وربما مناظرة ومجالسة، فلا بد أن تخاطبهم بما هم يعتمدون عليه من الأدلة العقلية. فإن أرادوا بالشرع فأهل السنة هم أعلم الناس بالشرع، وإن أرادوا بالعقل فعقول أهل السنة هي أسلم وأصح عقول، واضح؟ فيستطيع أهل السنة أن يرد على هؤلاء ولو بالحجج العقلية. فذكر رحمه الله أن اعتقاد المماثلة باطل كذلك بدليل العقل، فقال: «وأما العقل فمن وجوه: الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات». أهل البدع: هل يخالفون في هذا؟ هل يقولون: ذات الله كذات أحد من خلقه؟ أبدًا، صح، ما يخالفون في الذات. ولذلك أهل السنة يقولون: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في ماذا؟ في الذات. الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. فتحجهم بهذه الحجة: قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا، يعني: اختلافًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات. إذا أنتم أيها المخالفون تقولون: إن لله ذاتًا لا كذات المخلوقين، فمن الذي يمنعكم من أن تقولوا: إن لله صفات ليست كصفات المخلوقين؟ فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: «وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به». صفة كل موصوف تليق به، فالرب سبحانه وتعالى له صفات الكمال والجلال، والمخلوق له صفات تناسبه وتليق به. قال: «كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، المخلوقات: يجمل الإنسان والحيوان، بل والطيور والحشرات، كل هذه مخلوقات، صح، وكلها لها ذات، لكن هل ذواتها واحدة؟ وهل صفاتها واحدة؟» ولذلك قال هنا: «فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، يبدو الذرة صغيرة، قوتها مثل الجمل الذي ربما إذا ارتطم بسيارة جعلها مثل التنور، تتعجب: يعني هل هذا جمل أو هذا حديد الذي وقع في هذه السيارة بقوته؟ والله عز وجل جعل فيه قوة تناسب خلقته، تناسب خلقته، واضح؟» فهذا معنى قوله: «فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة». هل يخالف أهل البدع في هذا؟ يقولون: لا، قوة الذرة وقوة البعير واحدة؟ هل يستطيع المخالفون يقولون هذا؟ لا، لا يستطيعون، صح؟ فإذا هذه حجة عقلية. فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، ومعنى الإمكان والحدوث: أي أنها غير خالق، بل هي مخلوقة حادثة ممكنة، صح، اشتركت في هذا، كل هذه مخلوقة، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجل وأقوى. فيقال له: أنت تريد قوة الله عز وجل كقوتك أو كقوة أحد من خلقه؟ والله عز وجل هو الخالق الذي له صفات الكمال والجلال، فتبين من هذا أن الله سبحانه وتعالى لا يماثله شيء، فله صفات تليق بجلاله سبحانه وتعالى، وهذه حجة عقلية، صح؟ هذه حجة عقلية، أجلّ، أجلّ يعني: أوضح، وظهور التباين يعني: الاختلاف بينها، يعني: بين صفات المخلوقين وبين الخالق، يعني: بين صفات الخالق، أجلّ وأقوى، يعني: أظهر وأقوى التباين. هذه الحجة الأولى، ذكر هنا ثلاث حجج عقلية. قال: «الثاني» يعني: الحجة الثانية: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابها في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله؟ فأنت إذا مثلت الرب سبحانه وتعالى بخلقه، مثلت الكامل بالناقص، مثلت الكامل بالناقص. فالله عز وجل لا يحتاج إلى أحد من خلقه، والخلق محتاجون إلى الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. فكيف تمثلون صفات الخالق الكامل بصفات المخلوق العاجز الناقص؟ ولذلك قال هنا: «وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟» إذا مثلت الخالق بالمخلوق، هذا تنقص في حق الله عز وجل، ولذلك قال: «فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا»، وهذه قاعدة لا يستطيعون أن يفروا منها: تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا. مثال ذلك: لو جئت وقلت: «ما شاء الله، الجمل أقوى من الذرة»، سيضحك عليك الناس، أو ما سيضحك عليك الناس؟ سيضحك عليك الناس، هذا شيء معلوم. ولذلك ماذا قال القائل: «ألم ترى أن السيف ينقص قدره؟» السيف الذي إذا ضربت به قتل واخترق ربما الجسد، «ألم ترى أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟» لو قلت: «السيف يشق ويقطع أكثر من العصا»، هذا ما هو تنقص في حق السيف؟ هذا تنقص في حق السيف، لأن السيف معلوم هذا، أن العصا ما تفعل شيء، العصا ما تفعل شيء، فلو قلت هذا الآن تنقصت من حق ماذا؟ السيف، جعلته ناقصًا إذ شبهته أو مثلته بالعصا الذي لا يفعل شيء. وهكذا في صفات الرب سبحانه وتعالى: إذا مثلته بخلقه، فهذا تنقص لله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: «فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا». هذه الحجة الثانية. قال: «الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات» قال: «أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية، فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست قوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة». وهذا أيضًا حجة عقلية أخرى. فإثبات أهل السنة مثلًا اليد لله عز وجل يثبتونها على الحقيقة، لكن هل يلزم من إثباتها تشبيهها بيد المخلوق؟ لا يلزم ذلك. فأنت لو قلت مثلًا: «إن للجمل رجلًا»، هل يتبادر إلى ذهنك أن رجل الجمل كرجل الإنسان مع أن الاسم واحد؟ صح. فأنت أيضًا في حق صفات الله عز وجل لا تتوهم أو تمثل هذه الصفات بصفات المخلوقين. ومن هنا أوت أهل البدع، قالوا: «إذا أثبتنا هذه الصفات شبهنا الخالق بالمخلوق»، وهل هذا يلزم؟ هذا ما يلزم. يقال له: طيب، هل أنت الآن لما تقول: «الجمل له رجل»، هل معناها شبهتها برجل الإنسان؟ إذن يلزم من قولك هذا أن لا تثبت الرجل للجمل، لأنك أنت ستقول: «إذا أثبت الرجل للجمل معناه أثبت الرجل»، إذا أثبت الرجل للجمل معناه أثبتها للإنسان، وتكون رجله كرجل الجمل، إذن ننفي الرجل عن الجمل، هذا ما يقوله عاقل. فأنتم هذا الآن، فأهل السنة يثبتون الصفات على الحقيقة، والكيفية لا يخوضون فيها، لأن الله عز وجل لم يطلعنا عليها ولم نعلمها. هذا معنى قوله: «فعلم بذلك أن الاتفاق في الأسماء لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة». فالغضب والرضا والرجل واليدين والعينين تثبت لله عز وجل على الحقيقة، ولكن لا يلزم من ذلك تشبيهها أو تمثيلها بصفات المخلوقين. فأنتم هذا الآن، وهذه حجج عقلية يخصم بها هؤلاء، سواء كان النافية، لأنهم ما نفوا إلا بعد ما مثلوا، ولهذا يقول: «كل معطل ممثل، ما لجأ إلى التعطيل إلا بعد أن مثل، فعطل». تهمتم هذا الآن. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل بقية القاعدة في التكييف في درس قادم إن شاء الله.