شرح القواعد المثلى  40

شرح القواعد المثلى 40

الدرس في شرح القواعد المثلى 40، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الرد على شبهة التناقض بين علو الله ومعيته

يوضح المقطع أن المعية الواردة في القرآن لا تناقض علو الله على عرشه، مستدلاً بآيات سورة الحديد التي جمعت بين الاستواء والمعية. ويؤكد أن من زعم التناقض فقد اتهم القرآن بالاختلاف، والواجب تدبر القرآن لإزالة الوهم الناتج عن قصور الفهم.

تقرير عدم تناقض العلو مع المعية

يقرر المقطع أن علو الله على عرشه لا يناقض معيته لخلقه، بل كلاهما حق ثابت بالنصوص. وتثبت المعية بالعلم والبصر والإحاطة والقدرة دون أن تستلزم الاختلاط أو المماسة.

التوفيق بين المعية والعلو ورد التشبيه

يشرح المقطع أن معية الله لخلقه حقيقة لا تستلزم المماثلة أو المخالطة المكانية، مستدلاً بأمثلة حسية كالمعية مع القمر. ويؤكد أن امتناع اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق لا يلزم في حق الخالق لأن الله ليس كمثله شيء.

خاتمة الجلسة

يعلن المحاضر عن انتهاء الجزء الحالي من الدرس مع الوعد باستكمال الباقي لاحقاً. ويختتم الجلسة بالشكر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى"، وفي رده على بعض شبه المحرفة: قال: "وفي الكلام على المعية: وأعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة، على الحقيقة اللائقة بالله تعالى، لا يناقض ما ثبت من علو الله تعالى بذاته على عرشه". وهذه شبهة هؤلاء، يقولون: كيف تقولون لأهل السنة أن الله في العلو ومع خلقه؟ أن الله عز وجل في العلو وهو معنا. وهذا في الحقيقة ليس بتناقض، لأن هؤلاء أوتوا من قبل عقولهم، فشبهوا الخالق بالمخلوق. مع أن هذا ممكن كما سيأتي حتى بالمخلوق، أن يكون عاليًا ومع، يعني مصاحبًا له، ومع مصاحبًا له. لأن هؤلاء فهموا من المعية المخالطة، وكما تقدم معنا أن هذا لا يلزم. فالمعية لها عدة معانٍ، ومن معانيها العلم والإحاطة، وكذلك القدرة والسلطان، ونحو ذلك من معاني الربوبية. ولذلك سيرد الشيخ على قولهم ذلك. قال: "لا يناقض ما ثبت من علو الله تعالى بذاته على عرشه"، وذلك من وجوه ثلاثة: الأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض. يعني جمع بين العلو والمعية، كما مر معنا في آية سورة الحديد: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾. وقال في سورة الحديد: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. وذكر الاستواء في آية الحديد في أولها، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾. فجمع بين الاستواء وهو العلو، وبين كذلك المعية. وما جمع الله بينهما لا يمكن أن يكون فيهما تناقض، لأن القرآن منزه عن التناقض. فهذا معنى كلام الشيخ رحمه الله. ولذلك قال: "أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض". وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تنافي بينهما. وكيف هؤلاء يقولون أن هذا فيه تنافٍ؟ فيلزم من قولهم - إن اعتقدوا ذلك - الكفر، إذ يقولون إن القرآن فيه تناقض. قال: "وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين لك". فقد يؤتى الشخص من ضعف فهمه وقلة إدراكه. فتدبر، فتدبر القرآن جيدًا، سيتبين لك إن أردت الحق، وهذا سبيل الراسخين. أما إن أردت الزيغ والضلال، فستقع هذه الشبهة في قلبك، فتكون سببًا في ضلالك وزيغك. قال: "وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين لك". قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. الاختلاف والتناقض إنما هو في غير القرآن مما يقوله الخلق، أما في كلام الله فلا اختلاف ولا تناقض. وما يظن من بعض الناس أن هذا فيه تناقض، فإنما أوتي هذا الشخص من قبل عقله وفهمه القاصر، أما القرآن فلا تناقض فيه. قال: "فإن لم يتبين لك"، يعني تدبرت القرآن وما زال لم يتبين لك، فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. ولا تعتقد أو تشك أن في القرآن تناقضًا أبدًا، وإنما ترد ذلك إلى عالمه، فتقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. قال: "وكل الأمر إلى منزله الذي يعلمه". واعلم أن القصور في علمك أو في فهمك، وأن القرآن لا تناقض فيه. وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: "كما جمع الله بينهما". هذا في قول شيخ الإسلام فيما تقدم معنا في الدرس الماضي، ترجعون قليلاً إلى الوراء في قول شيخ الإسلام: "وهو فوق العرش حقيقة"، كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ إلى آخره. قال: "وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي، الإمام في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنه مجاز". قال: "وابن القيم يرد على من يقول بالمجاز في القرآن والسنة". قال: "وقد أخبر الله"، هذا كلام ابن القيم: "وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه، وقرن بين الأمرين كما قال تعالى"، وذكر آية سورة الحديد. ثم قال: "فأخبر أنه خلق السماوات والأرض، وأنه استوى على العرش، وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه، كما في حديث الأوعال: والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه". قال: "فعلوه لا يناقض معيته، ومعيتُه لا تبطل علوه، بل كلاهما حق". وهذا الكلام معناه أن الله أخبر بذلك، وتقدم معنا حديث الأوعال أنه ضعيف، لكن يغني عنه الآيات. فيريد ابن القيم من هذا رحمه الله أن يقول: أن هذا جاء في القرآن، وأن العلو لا يناقض المعية. فمعيتُه، معيتُه علم وبصر واطلاع وإحاطة وقدرة وسلطان ونحو ذلك، لا تبطل علوه. فهو مع خلقه وهو في علوه سبحانه وتعالى، ومعيتُه لا تبطل علوه، فكلاهما حق. فأهل السنة يثبتون الجميع، يثبتون أن الله مستوٍ على عرشه ومع خلقه، وهو سبحانه وتعالى العظيم الجليل. الوجه الثاني في الرد على من زعم أن العلو يناقض المعية: قال: "أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو، فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق". فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. وهل القمر مختلط بهم؟ هو فوقهم في العلو في السماء. فإذا هذا لا يعد تناقضًا في حق المخلوق، فكيف في حق الخالق سبحانه وتعالى؟ قال: "ولا يعد ذلك تناقضًا، ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض". فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق، ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه من باب أولى. وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان، كما تقدم معنا. فالمعية لا يستلزم منها الاختلاط والاتحاد، وهذا في المخلوقات، فكيف في حق الخالق سبحانه وتعالى؟ قال: "وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية، المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، وابن قاسم، حيث قال: وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال". هذا عند الإطلاق. ومعنى عند الإطلاق: إذا لم تقيد بوصف، أو لم تقيد بجهة أو نحو ذلك، فيراد بهذه المعية مجرد المقارنة. ومعنى المقارنة: يعني المصاحبة من غير وجوب مماسة أو محاذاة. يعني مماسة: اختلاط، ومحاذاة: موازاة. فهم يقولون: القمر معنا، والقمر ليس موازيًا لهم، بل هو في جهة بعيدة. فهذا عند الإطلاق. قال: "فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى خاصة، لأنه قيد". فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. فهنا قيد المعية بالقمر، القمر أو النجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة. فأنت لما تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، هل معنا أنه مختلط بنا أبدًا؟ أو النجم معنا، هل النجم مختلط بنا؟ لا. وهكذا هذا المتاع معي وهو فوق رأسك، ليس معك في المجلس وأنت مجتمع به ومختلط به. قال: "فإذا أطلقت، فإنها تفيد مطلق المقارنة والمصاحبة، ولا تستلزم المماثلة أو المحاذاة". وصدق رحمه الله تعالى. فإن من كان عالمًا بك، مطلعًا عليك، مهيمنًا عليك، يسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويدبر جميع أمورك، فهو معك حقيقة. فهو معك حقيقة، ومعنى حقيقة: يعني مصاحب لك، ولا يستلزم من هذه المصاحبة المخالطة، وإن كان فوق عرشه حقيقة. لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان، لا تستلزم الاجتماع في المكان. فهذا واضح. الوجه الثالث في أنه لا تناقض بين إثبات العلو وإثبات المعية لله: أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق، لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعًا في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما. فلو قلنا: ما يجتمع في حق المخلوق علو مع معية، على سبيل الجدل، وإلا فهذا غير صحيح، قد أثبت في الوجه الثاني أنه قد في حق المخلوق يجتمع في حقه العلو مع المعية. صح. طيب، لو فرضنا قلنا لهذا: ما يجتمع في حق المخلوق، فما الذي يمنعه في حق الخالق؟ لأن الخالق لا يشبه بالمخلوق، حتى يقال: ما ثبت للمخلوق فهو ثابت للخالق، مثل الصفات الأخرى. مثل الصفات الأخرى. فهل نقول أن علم الإنسان كعلم الله، وبصر الإنسان كبصر الله؟ لا، هذا ما يجوز، هذا تشبيه. لو قلنا أن مثله، وكذلك في المعية، فمعية الله ليست كمعية المخلوق، حتى نشبه معية المخلوق ومعية الله. فهذا معنى قوله: "لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعًا في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما". لأن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فإن امتنع في حق المخلوق، فلا يمتنع في حق الخالق الرب العظيم الذي أحاط بكل شيء سبحانه وتعالى. قال: "وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، من مجموع الفتاوى، حيث قال: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيتِه لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه". ما معنى هذه العبارة: "علي في دنوه"؟ معنى أنه عالٍ سبحانه وتعالى على خلقه، ومع هذا فهو قريب من خلقه. علي في دنوه، فهو قريب من عباده، يدنو منهم، ومع هذا فهو في علوه سبحانه وتعالى. هذا في حق الخالق. قد يقول قائل: كيف علي ودنو، أو علو في دنوه؟ كيف علو في دنوه؟ يقال: هذا في حق الخالق، ليس في حق المخلوق. فالله عز وجل على كل شيء قدير، قريب في علوه، هو قريب، وكذلك علي سبحانه وتعالى. فهذا في حق الخالق، فلا يقاس الخالق بالمخلوق. طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما بقي إن شاء الله، بإذن الله. شكرًا.