الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 40، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الشرك الأكبر هو صرف العبادة لغير الله، ويعتبر من أعظم الذنوب التي لا يغفرها الله. يكون الشرك الأكبر بمساواة غير الله بالله في أمور مثل المحبة والخشية والطاعة.
الشرك يؤدي إلى حرمان صاحبه من دخول الجنة ويجعله مخلدًا في نار جهنم. يُسبب الشرك أيضًا الضيق والحرج في الحياة الدنيا ويحرم صاحبه من مغفرة الله في الآخرة.
يُبين المقطع خطورة الشرك بالله مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يجب على الدعاة والمعلمين التحذير من الشرك وتوضيح خطورته للناس.
ختم المؤلف كلامه بالتضرع إلى الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. تم التأكيد على تعريف الشرك الأكبر وضابطه والآيات الدالة عليه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في السؤال الذي ذكره أو كتبه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ما الشرك الأكبر؟ وقال رحمه الله تعالى: هو اتخاذ العبد من دون الله ندًا. وقلنا: هذا التعريف من المؤلف رحمه الله تعالى يطابق ما جاء في كتابه سبحانه وتعالى ﴿فلا تجعل لله أندادًا﴾، ويطابق أيضًا ما جاء في سنته، في قوله عليه الصلاة والسلام: «أجعلتني لله ندًا وهو خلقك»، فدل ذلك على أن الشرك هو اتخاذ الند مع الله سبحانه وتعالى. إلا أن هذا التعريف كما يقول علماء، هو تعريف عام يشمل الشرك الأصغر والشرك الأكبر، والندية تكون شركًا أكبر إذا كانت فيه مساواة الله من كل الوجوه، أما إذا كان فيه مساواة الله في بعض الوجوه فهو من الشرك الأصغر. ومن هنا رأى جماعة من أهل العلم أن الشرك الأكبر إنما ينضبط بقولنا: هو صرف العبادة لغير الله، كل من صرف عبادة لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، لا يمكن أبدًا أن يكون هذا في الشرك الأصغر أبدًا. فصرف الطاعات، صرف العبادات شرك أكبر، سواء كانت هذه العبادة واجبة أو كانت هذه العبادة مستحبة، فكل ما صرف، كل من صرف شيئًا عبادة. وقد مر معنا ما هو ضابط العبادة، وكل شيء أمر الله به وحض عليه وأحبه ورضاه لعبادة، وأمر بالتقرب إليه، فكل ما كان من جنس هذه العبادات فإن صرفها، كائن من كان، إلى غير الله عز وجل فقد وقع في الشرك الأكبر. هذا هو الضابط الذي يكون هو العمدة في التمييز بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر. ثم قام المؤلف رحمه الله تعالى بالتمثيل لبعض الأمثلة التي بها نتصور كيفية الشرك الأكبر، قال رحمه الله تعالى: هو اتخاذ العبد من دون الله ندًا يسويه برب العالمين، يحبه كحب الله. فحب الله سبحانه وتعالى ومحبة الله عبادة، فإذا صرف هذه العبادة لغير الله، فأخذ يحب الأنداد كحبه لله، فقد وقع في الشرك الأكبر، لأنه من باب صرف الطاعة لغير الله. قال: «ويخشاه كخشية الله، ويلتجئ إليه ويدعوه ويخافه ويرجوه»، وهذه الضمير عائدة لمن؟ هذه الضمير عائدة للند، ومن هو الند؟ يدخل في الندية كل شيء، لربما أحب كائنًا بشريًا، أحب نبيًا فيخشى النبي كخشيته لله، أو وليًا فيحب الولي كحبه لله، أو ملكًا فيخشى الملك كما يخشى الله. فكائنًا من كان هذا الند، سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو وليًا صالحًا، فإنهم يدخل في الندية، فمن عامل هؤلاء كما يعامل الله فقد وقع في الشرك. فقال رحمه الله تعالى: «ويلتجئ إليه ويدعوه ويخافه ويرجوه ويرغب إليه ويتوكل عليه، أو يطيعه في معصية الله، أو يتبعه على غير مرضات الله»، يطيعه في معصية الله، هذا إشارة إلى شرك الطاعة، إلى شرك الطاعة، تعتقد أن لأحد من البشر حق التشريع، بإمكانه أن يحل لك المحرمات. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، ﴿إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، أَطَعْتُمُوهُمْ، ما هي الطاعة؟ هي الطاعة إذا اعتقد أهل الإسلام في قضية حل الميتة، حل الميتة، كان الكفار يلبسون على المسلمين في هذه الميتة، يقول: الميتة ما لكم وتحريمها عليكم؟ ألم يقتلها الله؟ بماذا ذهبت الميتة؟ بماذا أزهق روحها؟ ما أزهق بشيء، إنما أزهق الله روحها، فهي ميتة إذا، ما الذي قضى عليها هو الله. فكان أهل الكفر يجادلون أهل الإسلام في هذه الحيثية، إذن هم الآن يأمرونهم بأن يطيعون في هذه المعصية، فأكل الميتة معصية، فإن أطعوهم، فقال: «وإن أطعتمهم» أي في هذه الجزئية، «إنكم لمشركون»، وقعتم في الشرك، إذ أن هذا صرف الطاعة، وهي طاعة الاتباع، إذا اعتقدت أن أحدًا يتبع ويطاع كطاعة الله في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فإنك قد وقعت في الشرك. قال: «أو يتبعه على غير مرضات الله»، وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، هذه الآية توضح آفة عظيمة من أعظم آفات الشرك، وهي عدم المغفرة، فإن الله عز وجل لو جعل الذنوب في كفة، فإن هذه الذنوب مهما عظمت، فيقابلها لمغفرة الله سبحانه وتعالى. ولو زنى ولو سرق ولو قتل على القول الصحيح، فإن ذلك يدخل تحت مشيئة الله، إن شاء ربنا غفر لأصحابها، وإن شاء عذبهم، إلا الشرك، فالشرك لا مغفرة معه، لا مغفرة معه، فإن الله عز وجل لا يغفر لصاحبه، لا يغفر لصاحبه، ولو كان هذا الرجل عابدًا زاهدًا تقيًا ورعًا خلوقًا أدبًا يعاشر الناس بأحسن الأخلاق والآداب. كما كان عليه العرب من الكرم، كان يضرب أمثالهم من الكرم، لكنهم لما كانوا من المشركين، ما نفعتهم ذلك كله، لم تنفعهم أعمالهم ولم ينفعهم شيء، لأن الله لا يغفر لأهل الشرك، لأهل الشرك. ومن هنا يا إخواني في الله، وبهذا نعلم خطأ كثير من الأفراد، بل قل كثير من الجماعات، أنهم لم يعطوا للشرك حقه من التعظيم. تجد بعض الجماعات، وهكذا بعض الدعاة، لربما هو في مجتمع فيه الكثير من مظاهر الشرك، ليس مظاهر خفية، بل مظاهر معلنة، زيارات شركية وأوثان وأنداد وعبادة للأولياء نهارًا جهارًا، فيجد بعض الدعاة هذه الأشياء الشركية ماثلة أمامه، ومع ذلك يطأطئ برأسه، وإذا تكلم في التحذير، نهى عن المعاصي وتكلم على الذنوب والخطيئات والسيئات. ما قلنا شيئًا، نعم، هذه أشياء حقها أن يحذر منها، الحذر من الزنى والربى والتحذير من الغنى، هذه أشياء مطلوبة، لكن أليس أولى وأجدر أن يحذر الناس من هذه الداهية المدلهمة؟ أليس الشرك والأولى؟ بلى، وقد مر معنى أن ما من نبي إلا أول ما يطرق على مسامع قومه: «يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، أمرهم بالعبودية ونهاهم عن الشرك، ثم بعد ذلك تأتي باقي المعاصي تكون تبعًا. أما أن داعية أو جماعة من الجماعات تكرس جهودها في تربية المجتمع مثلًا على أخلاق حميدة والتحذير من المعاصي والسيئات على حساب أن لا يحذر من الشرك، هذا خطأ فكري، خطأ تربوي وخطأ عظيم دعوي. وما قام بهذا الجهد إلا أهل السنة، أهل السنة هم الذين علموا فداحة الشرك، ولهذا كان في خطبهم وفي محاضراتهم وفي دروسهم وفي تأليفهم وفي تصنيفهم التحذير من الشرك. حتى أصبح الناس إذا أراد أحد أن يتطاول على أهل السنة، لربما نبزهم بهذه المسألة: «أنتم ما عندكم إلا الشرك وشرك»، نعم، ما عندنا إلا الشرك، لأن الشرك هو الذنب العظيم الذي إذا نجى الله العبد منه، ما بعده أهون، وما بعده أيسر، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فكان يا إخوان في الله حق على كل من نصب نفسه أن يكون داعية أو معلمًا أو مرشدًا أن يهتم بالتحذير من هذه الظاهرة، ألا وهي ظاهرة الشرك. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. وهذه كذلك آفة ثانية من أعظم آفات الشرك، أن الله عز وجل يحرم على صاحبه أن يدخل الجنة، وأنه إنما يقبع في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، لابثين فيها أحقابًا. عمرًا مجيدًا، تأمل يا عبد الله النار التي لربما في غضون ساعات لم تتحمل أن تقرب من نار الدنيا، فماذا عسى لو أدخلت إلى نار الدنيا في يوم؟ فما عسى يا عبد الله بنار الآخرة، بنار جهنم التي أضعاف أضعاف أضعاف نار الدنيا؟ فكيف بمن يعيش فيها؟ كم ليست أيام وليست شهور، وإنما أحقاب، مئات السنين، يعيش في النار، هذا جزاء من أشرك بالله سبحانه وتعالى، هذا جزاء من أشرك بالله. أصحاب الذنوب والمعاصي إذا دخلوا النار، فإن الله عز وجل إن كانوا من أهل التوحيد، فإنهم يخرجون منها، ولو بعد حين، يخرجون منها، ولو بعد حين، يعذبون فيها على قدر ذنبهم، ثم بعد ذلك يخرجون إلى نهر الحياة، ومع ذلك يدخلهم الله الجنة، لأن مآل أهل التوحيد الجنان. لكن انظر لحال من أشرك بالله، فمهما عمل في هذه الدنيا من أعمال، لكنه مشرك، عبد صنمًا، عبد وثنًا، عبد قبرًا، عبد وليًا، عبد نبيًا، فإنه يقبع في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها. فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. قال علماء: وهذا المأوى إنما هو بقيد إذا مات ولم يتب، إذا مات ولم يتب، أما إن تاب قبل ما ماته من الشرك، فإن الله يتوب عليه، ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، إن انتهى الكافر عن كفر، ولو كان في آخر حياته، رجل لا زَبُّا من الزمن وهو يعبد الصليب ويعبد اليسوع عيسى عليه السلام، إلا أن منَّ الله عليه بهداية في آخر أيامه، ما بقى من موته إلا أيام، فعلم بالإسلام واعتقده واعتنقه فأسلم، فمات على التوحيد، فإن الله يغفر له ما قد مضى، رحمة من الله سبحانه وتعالى. لكن يتوب، لكن يتوب، لكن إذا جاءته المنية ولم يتُب، ولا زال واقعًا في الشرك، فإن الله عز وجل قد حرم عليه الجنة، لن يدخلها أبدًا، وأما الناس يبقى فيها إلى أبد الآبدين. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. هذا بيان من الله عز وجل في حال المشرك، في حال المشرك الذي يرفض الإيمان، يرفض الفطرة التي جعله الله عز وجل عليها، فحاله كحال الذي يسقط من السماء. وفي هذا التشبيه على أن الإيمان مثل السماء علو، وكذلك إتقان في الصنعة ومحكمة في البنيان، هذا السماء هي الإيمان، فمن لم يأخذ بالإيمان يسقط إلى أين؟ إلى الشرك. وما هو الشرك الذي سيسقط فيه؟ عبارة عن هاوية، عبارة عن هاوية لا قاع لها. وليت هذا المشرك الذي يقع في الهاوية أنه يسقط بكماله وتمامه، لا، وإنما في طريقه، وهو في هذا الهوي، تأتيه الجوارح، تأتيه الطيور، لوات المخالب من الصقور، وكذلك من النسور، فكل يخطب من العضو ينهشه. يعني هو في حالة، الله أعلم به، يهوي من فوق سبع سماوات إلى أن يصل، وقبل أن يصل، تأتيه الطيور الجارحة الكواسر، فكل ينهش فيه، وهو حي، ويجد هذا الألم، هذا يقتلع الرأس، وذاك يقتلع العين، وذاك في قدمه، فلا زال ينهش منه عضوًا عضوًا. ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. قال علماء: فيه دلالة على أن المشرك إذا رفض التوحيد، فإنه يعيش في الدنيا كما يعيش صاحب الهاوية، إذا كان صاحب الهاوية تخطفته الطير، فإن المشرك في دنيا تتخطفه الشبهات والشهوات والشياطين، فتعبث به يمنةً ويسرى. وانظروا لحال المشرك، لا تغتر يا عبد الله بمظاهر الحياة. ترى الواحد من بعض من ضعاف الإيمان، لربما ينظر إلى أهـل الكفر نظرة ماذا؟ تعظيم، انظر ما الذي فعلوا؟ انظر ما الذي قاموا به؟ إيه عبد الله، دع عنك مظاهر الدنيا، وانظر إلى صميم حياتهم، تجد الهول العظيم، هم في حالة لا يعلم بها إلا الله، من الفتن ومن الضيق ومن الحرج، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا. قال إمام بن كثير رحمه الله تعالى: بمعنى مع تفسيره، قال: «أي له معيشة ضنكة في الحياة الدنيا»، فلا طمأنينة له، ولا شراح لصدره، بل صدره ضيق حرج، بل صدره ضيق حرج. قال: «مهما تنعم ظاهره، فأكل ما شاء وشرب ما شاء وسكن حيث شاء». انتهى كلامه رحمه الله. هذا تصوير، لماذا؟ هذا هو حال الكافر، أنت تنظر لأجسامهم وأكلهم وشربهم، فهو كما قال ابن كثير: مهما أكل وشرب، لكن في نفسه، في ضيق وحرج، لا يعلمه إلا الله. هذه طيور الدنيا تتخطفه، تأتيه الفتن والمصائب والمشاكل والأزمات. وسل يا عبد الله عن حالات الانتحار، وسل يا عبد الله عن حالات الجرائم، سل يا عبد الله عن الحالات النفسية، هذه السجلات ما تنتهي، ابتلاهم الله عز وجل بسبب شركهم به، أن ابتلاهم الله عز وجل بهذه الآفات والعاهات والأضرار التي لا يعلم بها إلا من عايشهم، عرف ذلك، عرف ذلك. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. قال: وغير ذلك من الآيات، وآيات كثيرة وكثيرة جدًا، فيها التحذير من الشرك الأكبر، وأن الله عز وجل لا يغفر لصاحبه، وأن الله سبحانه وتعالى يجعل أهله من أهل النار، خالدين مخلدين فيها، وأن الله يجعل دنياهم في شقاء وفي تعاسة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا». انظر يا عبد الله إلى عظيم مقام التوحيد، وإلى خطورة الشرك، فمن كان موحدًا، وما أشرك بالله شيئًا، فإن ذلك من أدعى الدواعي على مغفرة الله له، كما جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام، من حديث أنس، قال الله تعالى: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي». «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، بملء الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لا تشرك بي شيئًا»، نكر في عموم النفي، بمعنى نكر في صياق النفي تدل على العموم، لا تجعل مع الله شريكًا، لا قولًا، لا عبادة، لا اعتقادًا أبدًا، فإن ذلك ماذا؟ «وجئتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة». فكان من أعظم مكفرات الذنوب التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، لكن العكس بالعكس، فكما أن أعظم عبادة التوحيد، فإن أعظم ذنب هو الشرك، أي الذنب أعظم؟ أن تجعل لله ندًا وهو خلقك. قال: «وهو في الصحيحين»، ويستوي في الخروج بهذا الشرك عن الدين، أي شرك، الشرك الأكبر، ما الذي يستوي فيه؟ قال: «ويستوي في الخروج بهذا الشرك عن الدين، المجاهر به ككفار قريش وغيرهم، والمبطن له كالمنافقين المخادعين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر». وهذا قد مر معنا، كما ذكرنا في حق من قسم الشرك إلى أقسام ثلاثة، فقال: الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر وخفي، الصحيح من أقوال العلماء على أنه يمكن أن تختزل هذه الأنواع الثلاثة في أمرين: شرك أكبر وشرك أصغر، وأما الخفي يكون وصفًا لهما، وصفًا لهما، فالشرك الأكبر منهما هو ظاهر، ومنهما هو خفي، والشرك الأصغر منهما هو ظاهر، ومنهما هو خفي. فالمؤلف الآن مثل متى يكون الشرك الأكبر ظاهرًا؟ قال: لك كفار قريش ممن عاندوا وأعرضوا عن لا إله إلا الله، وعبد الأصنام نهارًا جهارًا، هذا شرك أكبر، صرف الطاعات لغير الله سبحانه وتعالى عيانًا، هذا شرك أكبر ظاهر. وقد يكون شرك أكبر خفي، كماذا؟ قال رحمه الله تعالى: قال: «المبطن له كالمنافقين المخادعين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر»، قاله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. إذن هذا شرك أكبر خفي، وهو النفاق، فإن النفاق الاعتقادي يدخل صاحبه إلى نار جهنم، بل يحشره مع المشركين، بل هو أعظم أهل الشرك ذنبًا وخطورة وعذابًا، إذ كان المشركون في نار جهنم، فإن المنافقين تحتهم، أي في أصل النار، والعياذ بالله، لعظيم خطورتهم. فهذا من الشرك الأكبر الخفي. قال: وغير ذلك من الآيات، وبهذا انتهى المؤلف رحمه الله تعالى حول ما يتعلق بالشرك الأكبر، من ذكر تعريفه وضابطه، ومن ذكر الآيات الدالة عليه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.