الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 9، ألقاها
المحور يشرح معنى تقوى الله وحسن الخلق، حيث يشمل فعل ما يحبه الله واجتناب ما نهى عنه، وأن حسن الخلق جزء من الإيمان وسبب لدخول الجنة. الأحاديث النبوية تبرز أهمية تقوى الله وحسن الخلق.
يؤكد المحور على أهمية الإخلاص في العبادة والاستعانة بالله، حيث أن الإيمان كله تقوى الله، والإخلاص يعني أن تكون الأعمال كلها لله دون انتظار ثناء أو عطاء من المخلوقين. التوجه إلى الله وحده في طلب العون أمر ضروري.
المحور يشدد على أهمية إخلاص العبادة لله والتوكل عليه، وأن يكون قلبه متعلقًا بالله وحده، مع حسن الظن به. يُعطي الله عطاءً وفيرًا لمن يظن به الخير وقلبه متعلق به، ويطلب من الله العون والمغفرة بفضل إخلاص العبد وتوكله عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له: قال في كتابه «الوصية الصغرى»: وحقيقتهم -أي حقيقة الخلق الحسن- المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر. وأما بيان أن هذا كله في وصية الله، فهو أن اسم التقوى -فـ«تقوى الله»- يجمع فعل كل ما أمر الله به إيجابًا أو استحبابًا، وما نهى عنه تحريمًا أو تنزيهًا، بمعنى أن «تقوى الله تبارك وتعالى» اسم جامع لهذه المعاني، فيدخل فيها كل ما أمر به ربنا تبارك وتعالى، إما أمر إيجاب أو أمر استحباب، ويدخل فيها كذلك -أي في «تقوى الله تبارك وتعالى» كل ما نهى عنه ربنا تبارك وتعالى، إما نهي تحريم أو نهي تنزيه. فتقوى الله تبارك وتعالى -كما مر معنا- هو فعل ما أمر الله تبارك وتعالى به على نور من الله رجاء ثواب الله، واجتناب ما نهى الله تبارك وتعالى عنه على نور من الله رجاء ثواب الله تبارك وتعالى، فهذا هو حقيقة تقوى الله تبارك وتعالى. قال: وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد، لكن لما كان تارة يُعنى بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم، جاء مفسرًا في حديث معاذ، وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الترمذي وصححه: «قيل: يا رسول الله، ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، قيل: وما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: الأجوفان: الفم والفرج»، وهو حديث يصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وقوله: «وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد»؛ أي: إن «تقوى الله» اسم جامع يجمع حق الله تبارك وتعالى وحق عباد الله تبارك وتعالى. قال: لكن لما كان تارة يُعنى بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم، جاء مفسرًا في حديث معاذ. وفي هذا إشارة إلى أن الله تبارك وتعالى أحيانًا يأتي أو يأمر بالتقوى تحذيرًا من عقابه وعذابه، أو من يوم لقائه، أو يحذر أحيانًا بالتقوى، فيضيف التقوى إلى نفسه، فيقول: «واتقوا الله»، وتارة يقول: «واتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة»، وأحيانًا يقول تبارك وتعالى: «واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله»، وهكذا نوَّع الله تبارك وتعالى بالتقوى في مواطن، وكل موطن يدل على معنى يليق به. فتقوى الله تبارك وتعالى -إضافة التقوى إليه جل وعلا- معناها: تعظيم الله، وخشية الله، وإجلال الله جل وعلا، وذلك يتضمن خشية مخالفة أمره، أو ترك ما أمر به جل وعلا من الأوامر، سواء كان بترك مأمور أو بفعل محظور. وأحيانًا يضيف التقوى ربنا تبارك وتعالى إلى العذاب، فيقول: «واتقوا النار»، فهذا فيه تهديد ووعيد بأن يحضر المسلم -أو أن يحضر العبد- عذاب الله تبارك وتعالى وأليم عقابه. وهكذا يحذر أحيانًا من لقائه يوم القيامة: «واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله»، «واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه»، وهكذا يَنوع ربنا تبارك وتعالى في تقواه؛ لأجل أن يحذر العبد غاية الحذر من أن يقع في موطن لا يرضاه ربه تبارك وتعالى. ومن هذا الباب -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى-: «لكن لما كان تارة يُعنى بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم، جاء مفسرًا في حديث معاذ: «اتق الله حيثما كنت»، وهذا في قول: «اتق الله»؛ أي: خف ربك تبارك وتعالى، وراقب ربك تبارك وتعالى، واخشَ ربك تبارك وتعالى حيثما كنت؛ ففيه معنى التخويف والمراقبة، وإحسان العمل مع الله تبارك وتعالى في الظاهر والباطن. قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»، وهو حديث رواه كذلك أبو داود وغيره، وإسناده صحيح، صححه كذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وقوله: «في الصحيح»؛ أي: ليس في الصحيح -في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم- وإنما المقصود: في الحديث الصحيح. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»، هذا كذلك معنى من المعاني الذي يدخل في معنى ما أراده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ من أن أعظم ما يكون بين العباد بعضهم لبعض هو حسن الخلق، ومن كمل خلقه كمل إيمانه؛ لأن الخلق الحسن كذلك اسم جامع، يدخل فيه حسن الخلق مع الله تبارك وتعالى، وكذلك حسن الخلق مع عباد الله جل وعلا. فمن استكمل حسن الخلق فقد استكمل الإيمان؛ لذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم -كما سمعتم-: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»، وفي الحديث الآخر: «ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق»، فجمع بين تقوى الله كذلك وبين حسن الخلق، كما جمع بين الوصفين في حديث معاذ: «اتق الله، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يصدق بعضها بعضًا، ويبين بعضها بعضًا. قال: فجعل كمال الإيمان في كمال حسن الخلق، ومعلوم أن الإيمان كله تقوى الله؛ أن الإيمان كله تقوى الله، فكل عمل تتقرب به إلى الله جل وعلا مما يحبه الله جل وعلا فهو من تقوى الله، وهو من الإيمان؛ لأن حقيقة تقوى الله -كما تقدم معنا- فعل ما أمر الله به امتثالًا لأمر الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وكذلك اجتناب ما نهى الله عنه على نور من الله رجاء ثواب الله تبارك وتعالى. فكما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن الإيمان كله تقوى لله؛ كله تقوى لله. قال: وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمل هذا الموضع؛ أي: أن موضع ذلك في مكان آخر يبسط فيه القول. قال: فإن الدين كله -أي تفاصيل التقوى- الدين كله؛ فإقامة الصلاة من تقوى الله، أداء الزكاة من تقوى الله، الصيام من تقوى الله، الحج من تقوى الله، كذلك بر الوالدين، صلة الأرحام، كذلك ما أمر الله جل وعلا به من الحقوق فيما بين العبد وربه، وفيما بين العباد بعضهم لبعض؛ كل ذلك من تقوى الله، اجتناب نواهي الله تبارك وتعالى هذا أيضًا من تقوى الله. فكما ذكر رحمه الله تعالى بقوله: «فإن الدين كله»؛ أي: فإن «تقوى الله» الدين كله. قال: لكن ينبوع الخير وأصله: إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة؛ كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وفي قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾. قال: بحيث يقطع العبد تعلق قلبه بالمخلوقين انتفاعًا بهم أو عملًا لأجلهم، ويجعل همته ربه تعالى؛ وذلك بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك، والعمل له بكل محبوب. ومعنى هذا: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن «تقوى الله» اسم جامع لكل الإيمان ولتفاصيله، ذكر أن الجامع في ذلك والأصل في ذلك بقوله رحمه الله تعالى: «لكن ينبوع الخير وأصله»؛ أي: منبع الخير وأصله ما هو؟ قال: «إخلاص العبد لربه إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة». عبادة: بأن لا يعبد إلا الله تبارك وتعالى، أن لا يتقرب إلا إلى الله، ولا ينظر فيما يصدر منه من أقوال أو من أعمال أو من اعتقادات أو من أحوال إلا إلى الله تبارك وتعالى، لا يرجو ثناءً ولا يرجو ثوابًا ولا يرجو خيرًا إلا من الله رب العالمين جل وعلا؛ فهو ملتفت بقلبه قبل جوارحه إلى الله رب العالمين جل وعلا، يعمل ويريد وجه الله، يترك ويريد بذلك الترك وجه الله تبارك وتعالى، لا ينتظر ثناءً ولا مدحة من أحد، ولا ينظر كذلك عطاءً من أحد، ولكن يريد من ربه جل وعلا الرضا، يريد من ربه جل وعلا أن يكون قد أحبه، أن يكون قد جعله من المقربين من المحسنين من الصادقين من الصالحين، إلى غير ذلك من معاني وأوصاف الخيرية التي يتقرب العبد إلى ربه جل وعلا؛ لعله أن ينال تلك المنازل الرفيعة من ربه جل وعلا. فهو يعمل ما يعمل من الأعمال لا يريد بها إلا الله، قال الله تبارك وتعالى عن طائفة من عباده: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾؛ هذا هو حال هؤلاء، إذا أطعموا أطعموا لله، إذا تصدقوا تصدقوا لله، إذا صلوا صلوا لله، إذا صاموا صاموا لله، إذا قاموا بأعمال الخير والبر والإحسان لا يلتفتون إلا إلى الله رب العالمين جل وعلا. ومن كان هذا حاله فقد حقق هذا المعنى الأسمى، وهذا الوصف الأعلى، وهو تحقيق عبودية الله تبارك وتعالى؛ بأن يكون العبد عمله لله رب العالمين جل وعلا، أن يكون ما يصدر من العبد كله لله جل وعلا؛ فيكون العبد محققًا لقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَات، وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾؛ فمحياة لله، مماته لله، عطاؤه لله، صلاته لله، زكاته لله، نسكه لله رب العالمين جل وعلا، لا ينتظر ثناءً ولا عطاءً ولا مدحة من أحد من خلق الله جل وعلا. هذا هو الأمر الأول: إخلاص العبد لربه عبادة. والأمر الثاني: استعانة كذلك، أن لا ينظر ولا يلتفت قلبه إلا إلى الله جل وعلا في طلب العون الذي لا يقدر عليه إلا الله؛ حتى لو طلب العون من العبد، فليعلم أنما العبد إذا أعانه فذلك بعون الله؛ أن العبد إذا أعانه فذلك بعون الله؛ إذ لا حول ولا قوة لأحد من خلق الله جل وعلا إلا بالله. أنت لو طلبت من غيرك إعانة، هل يستطيع أن يعينك إذا لم يرضَ أو لم يأذن الله جل وعلا بتلك الإعانة؟ الجواب: لا. أنت أيها المسلم لو طلبت من أخيك إعانة، طلبت منه أن يعينك في بناء، أو يعينك في دين، أو يعينك في قضاء حاجة، هل يستطيع هذا العبد أن يعينك في شيء إذا لم يكن الله جل وعلا قد أذن بتلك الإعانة؟ فالجواب: لا. لا يكون إلا بإذن الله؛ فالله جل وعلا في الحقيقة هو المعين، وهو الموفق، وهو المهيئ للأسباب، وهو الذي يجعل هذه الأسباب صالحة لعمل ما أراد الله جل وعلا عمله؛ لما أراد الله جل وعلا من عمل. فإذن في حقيقة الأمر العون من الله؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس عند الترمذي وغيره: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»؛ إذن الأمر بيد من؟ بيد الله جل وعلا، الأمر بيده تبارك وتعالى، الخير بيده، والعطاء بيده، والعون بيده، والتوفيق والسداد منه جل وعلا. فإذن يجب على العبد أن ينظر، وأن يلتفت قلبه إلى الله في كل ما ينظر منه من أقوال أو من أعمال. إذا أردت أيها المسلم أن تعمل عملًا من أعمال خير، فلن تعمل ذلك العمل إلا بماذا؟ إلا بعون الله، إلا بتوفيق الله، إلا بتيسير الله، إلا بأن يكون الله جل وعلا قد شاء ذلك العمل أن يكون. إذن أنت بحاجة إلى عون الله، وإلى تيسير الله، وإلى توفيق الله؛ لذا ربنا تبارك وتعالى جعل هذا الدعاء: «إياك نعبد وإياك نستعين»، أو قراءة هذه الآية في سورة الفاتحة بعد ماذا؟ بعد أن تقرأ في سورة الفاتحة ما تقرأ من حمد وثناء على ربك جل وعلا، وتمجيد لله جل وعلا، بعد ذلك تقول ماذا؟ «إياك نعبد وإياك نستعين»؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك. فهذا ينبوع الخير وأصله -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- تحقيق الإخلاص لله جل وعلا في العبادة، وتحقيق الإخلاص لله جل وعلا في الاستعانة والتوكل، وتحقيق معنى ربوبية الله تبارك وتعالى في قلبك أيها العبد. وإذا أمر ربنا تبارك وتعالى بهاتين الخصلتين -أو بهاتين الخصلتين- في آيات من كتابه؛ كما ذكر شيئًا من ذلك شيخ الإسلام رحمه الله في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾؛ فهذا أمر بالعبادة، وأمر بالتوكل الذي حقيقته تفويض القلب، واعتماده على الرب جل وعلا، اعتماد القلب على الله، وتفويض الأمر إلى الله جل وعلا في جلب نافع أو دفع ضار. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إن علامة تحقيق هذين الأمرين -إخلاص العبادة وإخلاص الاستعانة لله رب العالمين جل وعلا- علامة ذلك: بحيث يقطع العبد تعلق قلبه بالمخلوقين انتفاعًا بهم أو عملًا لأجلهم». أي: لا يلتفت إلى المخلوق فيما يصدر منه من قول أو من عمل؛ لماذا؟ لأنه يلتفت إلى الله، ويرجو الله، ويعامل الله، لا يعامل أحدًا من الناس من المخلوقين، يرجو ثواب الله، لا ينتظر ثوابًا من أحد، ولا ثناءً من أحد، ولا عطاءً من أحد من خلق الله جل وعلا، ولكن يرجو بما يقدمه ويقدمه من عمل يرجو ثواب الله، يرجو فضل الله، يرجو رضا الله تبارك وتعالى. فهذه علامة من علامات تحقيق العبودية والاستعانة في قلب العبد؛ لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «بحيث يقطع العبد تعلق قلبه بالمخلوقين انتفاعًا بهم أو عملًا لأجلهم، ويجعل همته ربه تعالى». لا يقوم إلا لله، لا يعمل إلا لله، لا يقول إلا لله؛ لذا ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى -وهم يتكلمون على أُصول المراقبة والمحاسبة- قالوا: من أنواع المحاسبة: أن تنظر في العمل قبل العمل، أن تنظر في العمل قبل العمل، تحاسب نفسك وتنظر في نفسك في العمل قبل العمل: هل ذلك العمل الذي تريد أن تعمله تريد به وجه الله أم لا؟ إن كان الأول فاقدم عليه، إن كان الثاني فإياك إياه. الأمر الثاني: أن تنظر إلى ذلك العمل هل هو موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن كان نعم فاقدم عليه، إن كان لا فإياك إياه. الأمر الثالث: أن تكون مستعينًا بالله في فعل ذلك العمل، في فعل تلك القربة والعبادة التي تتقرب بها إلى ربك جل وعلا ومولاك. قال رحمه الله تعالى: «ويجعل همته ربه تعالى؛ وذلك بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك، والعمل له بكل محبوب». يعني: يقول: حقيقة ذلك: أن العبد إذا أصابته فاقة أو فقر أو حاجة، أو نزل به خوف، أو نزل به ضر، فإنه يتوجه إلى الله، يتوجه إلى الله تبارك وتعالى الذي يقول للشيء: «كن فيكون»، الناس إذا التفت إليهم ونظرت إليهم فإنهم لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا من الأعمال إلا بإذن الله، بل ربما لو التفت إليهم بقلبك ربما كان ذلك الالتفات سببًا لتفويت مطلوب، أو دفع مكروب عنك؛ بحسب التفات القلب إلى ذلك الغير. بخلاف ما إذا كان القلب معلقًا بالله، متصلًا بالله، مرتبطًا بالله تبارك وتعالى؛ فإن الفرج يكون قريبًا بإذن الله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: «والعمل له بكل محبوب»؛ العبد يتقرب إلى ربه جل وعلا بكل محبوب، يتودد العبد إلى ربه جل وعلا تارة بصلاة فريضة يتبعها بنافلة، وتارة بصيام فريضة يتبعها بنافلة، وتارة بزكاة فريضة يتبعها بنافلة، وهكذا من أنواع الطاعات والعبادات التي يتقرب بها إلى الله رجاء ثواب الله تبارك وتعالى، رجاء رضا الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله: «ومن أحكم هذا -أي: هذا الأمر- أحكمه -أي: أتقنه- أتقن هذا الأمر، قال: فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك -أي: ذلك العمل-». لو أنك أيها المسلم حققت هذه المعاني لله تبارك وتعالى: إخلاصًا لله، واستعانة بالله؛ فلا تشعر إلا بعطايا وهبات وإكرامات وخيرات من الكريم المنان فوق ما يتصوره العبد؛ لأن الله جل وعلا كريم، والله تبارك وتعالى رحيم، والله تبارك وتعالى رؤوف، والله تبارك وتعالى لطيف، والله سبحانه وتعالى يعطي العبد فوق ما يظن وفوق ما يتصور؛ لأن الله تبارك وتعالى -كما سمعتم- كما في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي عبدي ما شاء»؛ ما دام أن العبد يظن بربه جل وعلا الخير، وقلبه مخلص، وقلبه معلق بالله: إخلاصًا، ومحبة، وإجلالًا، وتعظيمًا، وتوكلا، واستعانة؛ فإن الله جل وعلا يعطيه من العطايا والهبات فوق ما يتصور. نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يعيننا على أنفسنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا، إنه الغفور الرحيم، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.