شرح مختصر سيرة الرسول 113

شرح مختصر سيرة الرسول 113

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 113، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

كتاب أبي بكر لأمرائه في قتال الردة: الاستهلال بالتوحيد وإثبات وفاة النبي

يستهل أبو بكر الصديق كتابه لأمرائه بالشهادتين وتقرير رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، مستدلاً بآيات قرآنية تثبت وفاة النبي لتفنيد حجة المرتدين. ويوضح صيغة السلام الواردة في الكتاب التي تخاطب المسلمين وغير المسلمين على حد سواء.

خطبة أبي بكر الصديق بعد وفاة النبي وتوجيهاته للأمة

أكد أبو بكر أن العبادة لله الحي القيوم لا تنقطع بموت النبي، وحث على تقوى الله والاعتصام بدينه مبيناً عواقب التفريط. وبين أسباب الردة بأنها اغترار بالله وجهل بأمره وطاعة للشيطان، وأرسل خالد بن الوليد لدعوة المرتدين للإسلام وأداء الزكاة.

أحكام دعوة غير المسلمين للقتال ووصايا أبي بكر لخالد بن الوليد في حروب الردة

يشرح المقطع بروتوكول الإسلام في دعوة الكفار للإسلام قبل قتالهم، ويوضح وصايا أبي بكر التفصيلية لخالد بن الوليد. مشدداً على تقوى الله، ومشاورة أصحاب الرأي، وحسن تنظيم الجيش، وتحريم الإغارة على من يُسمع فيهم الأذان، وأن النصر بطاعة الله لا بالكثرة.

وصايا أبي بكر الصديق للجيش: النصر بالأعمال الصالحة

ينقل المقطع وصية الخليفة أبي بكر للجيش بأن النصر يتحقق بالإيمان والعبادات كصلاة وصيام وصدقة، وبمكارم الأخلاق من تراحم ومحبة لله ورسوله. ويؤكد أن هذه الأعمال الصالحة هي السلاح الحقيقي للمعركة، داعياً إياهم للسير على بركة الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد وقفنا عند كتاب أبي بكر رضي الله تعالى عنه لأمرائه في قتال الردة. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": كتاب أبي بكر لأمرائه. بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتاب هذا من عامة الناس أو خاصتهم. ويريد بعامة الناس يعني جميع المسلمين، ويريد بخاصتهم القادة والأمراء. قال: "أقام على الإسلام أو رجع عنه"، أي هذا الكتاب عام لمن ثبته الله على الإسلام أو لمن رجع عن الإسلام وارتد. "سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى". وقد قال العلماء: إنه إذا ظن الكاتب أن كتابه سيوجه إلى غير المسلمين فلا يأتي بالسلام على المسلمين "السلام عليكم" أو "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وإنما يأتي بمثل هذه الصيغة التي تكون سلاماً لمن اتبع الهدى، أي من أهل الإسلام، ومن لم يتبع الهدى فلا يبتدأ بالسلام. وهذا ما كان يراسل به النبي صلى الله عليه وسلم الملوك الكفر في زمانه، فكان يقول: "سلام على من اتبع الهدى". فأبو بكر رضي الله تعالى عنه إنما كتب السلام بهذه الصيغة لأن كتابه موجه للمسلمين وغيرهم، للمسلمين وغيرهم، فجعل السلام بهذه الصيغة. قال: "فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الهادي غير المضل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الهادي غير المضل، أرسله بالحق من عنده إلى خلقه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين. فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب بالحق من أدبر عنه". هذا كله من براعة الاستهلال في الدخول إلى المقصود، فأثبت أولاً شهادته رضي الله تعالى عنه بالتوحيد لله عز وجل بالعبادة، وهكذا التوحيد لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرسالة، وبين الحكمة من إرسال هذا الرسول أنه بشيراً لأهل الإيمان ومن اتبعه واهتدى بهداه، ونذيراً لمن عاند وكفر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا سراجاً منيراً يضيء به أهل الأرض متى ما قبلوا دعوته، وهكذا ينذر الأحياء، وهكذا يحق القول على الكافرين، أي ينزل بهم عذاب الله، ينزل بهم عذاب الله إذا كفروا وأبوا الإيمان به. "فهدى الله بالحق من أجاب إليه"، أي من أهل الإسلام، "وضرب بالحق من أدبر عنه"، أي جاهد وقاتل من أدبر عن هذا الهدى، فإنما يجاهد ويقاتل أهل الكفر بالحق، بالحق وهو هذا الدين العظيم. قال: "حتى صاروا إلى الإسلام طوعاً وكرهاً"، يعني بعض الناس دخل في الإسلام طوعاً اختياراً رضا، وبعضهم دخل كرهاً بقوة السيف، وكما جاء في بعض الأحاديث أن أقواماً يدخلون الجنة بالسلاسل، بمعنى كرهاً بقوة السيف والسنان، وذلك بالجهاد في سبيل الله. قال: "ثم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أجله"، أي توفاه الله، وقد كان الله بين له ذلك لأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل عليه، يعني الله عز وجل بين لأهل الإسلام أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيموت لا محالة، وأنه ليس مخلداً في هذه الدنيا، وطالما أنه بين لأهل الإسلام ذلك فلا يعني أن بموته يموت الإسلام، ليس معنى ذلك أن بموته عليه الصلاة والسلام يموت الإسلام، بل يبقى الإسلام ويقوم به أهله، فهذه كالتوطئة لأهل الردة بأنه إذا مات النبي عليه الصلاة والسلام فقد أخبر الله في كتابه بذلك، ولا يعني موته انقضاء وانتهاء الإسلام. نعم. فقال رضي الله تعالى عنه: "وقد كان الله بين له ذلك لأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل عليه، فقال مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، فهذه الآية فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام يموت كغيره من البشر. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾، ليس هناك من البشر من هو مخلد في هذه الدنيا. ﴿أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، أي لا يخلد أحد، لا أنت ولا من بعدك من البشر. وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. فهذه الآيات الثلاث فيها دلالة واضحة على أن النبي عليه الصلاة والسلام يموت كغيره من البشر. ثم قال أبو بكر رضي الله عنه: "فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد، حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم"، أي أن المؤمن بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام يستمر في عبادة الله لأنه يعبد الله الحي القيوم الذي لا يموت، بل لا تأخذه سنة ولا نوم، سبحانه وتعالى، كما أخبر عن نفسه في كتابه. ثم قال رضي الله تعالى عنه: "حافظ لأمره، منتقم من عدوه ومجزيه"، أي أن الله سبحانه وتعالى حافظ دينه، وحافظ كذلك شريعته، فلا ينقضي هذا الدين بموت النبي عليه الصلاة والسلام لأن الله حافظه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ثم قال رضي الله عنه: "وإني أوصيكم أيها الناس بتقوى الله، وأحضكم على حظكم ونصيبكم من الله"، يعني يحضهم على أن يأخذوا بهذا الدين فهو أعظم ما يسعد به الإنسان، وهو أعظم ما يأخذ به الإنسان. "وما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأن تهتدوا بهداه وتعتصموا بدين الله". هذا كله فيه حث على الاعتصام بهذا الدين، والاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فهذا هو الدين. قال: "فإن كل من لم يحفظ الله ضائع، وحفظ الله إنما هو بحفظ دينه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه ابن عباس: «احفظ الله يحفظك»". فحفظ الله عز وجل بحفظ أوامره وحفظ دينه، فمن حفظ الله حفظه الله، ومن لم يحفظ الله ضيعه الله. فكما قال: "فإن كل من لم يحفظ الله ضائع، وكل من لم يصدقه كاذب"، كل من لم يصدق الله، لأن هذا الدين إنما هو أخبار وأحكام، فالأخبار حقها أن تصدق، والأحكام حقها أن تعمل بها وتحفظ. "وكل من لم يسعده الله شقي"، يعني لا سعادة للإنسان إلا بالعمل بهذا الدين، فمن اتبع هداياه فلا يضل ولا يشقى، ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فالسعادة إنما هي باتباع دين الله وشرع الله سبحانه وتعالى، بالعمل الصالح، بالإيمان بالله عز وجل، فكل من لم يسعده الله شقي. "وكل من لم يرزقه محروم"، لأن الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين، ولا يرزق الله عز وجل الرزق الحلال الطيب المبارك إلا أهل الإيمان، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، والرزق عام يشمل الرزق المعنوي والرزق الحسي، فمن الرزق المعنوي أن يرزق الله عز وجل العبد الإيمان والهداية، وانشراح الصدر، والعلم النافع، والعمل الصالح، كل ذلك من الرزق الذي يوفق الله عز وجل إليه أهل الإيمان. قال: "وكل من لم ينصره الله مخذول، ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾"، فالنصر من الله سبحانه وتعالى، ولا يعطاه إلا من نصر الله، أي من عمل بدينه، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، فالنصر من عند الله، وما النصر إلا من عند الله، فمن لم ينصره الله فهو مخذول، فهو مهزوم. قال: "فاهتدوا بهدي الله ربكم، فإنه من يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً". فهذه نصيحة أولاً عامة في كتاب أبي بكر للأمة عامة وخاصة، وهكذا في هذه المقدمة توطئة لما أراد ذكره رضي الله تعالى عنه. قال: "وإنه قد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اغتراراً بالله وجهالة بأمر الله وطاعة للشيطان". نعم، فمن ارتد فإنما ارتد لهذه العلل: إما اغتراراً بالله، اغتر بإمهال الله عز وجل له وبما عنده من قوة ومال ونعم ونحو ذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، فمن كفر بالله إنما هو مغرور، اغتر بما أعطاه الله عز وجل، كحال قارون، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، اغتر بماله، واغتر بسلطانه، واغتر بحشمه وخدمه. أو جهالة بأمر الله، لجهله بعظمة الله وبحق الله عز وجل. وأيضاً طاعة للشيطان، فهذه أعظم أمنية للشيطان الرجيم أن يكون الإنسان مشركاً كافراً بالله عز وجل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال: "وإني قد بعثت إليكم خالداً في المهاجرين والأنصار"، أي خالد بن الوليد، "والتابعين لهم بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحداً حتى يدعوه إلى داعية الله"، يعني حتى يدعوه إلى الإسلام، ويبين له أن من الإسلام أن يعطي الزكاة لخليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن الإسلام باقٍ، كما أنكم تؤدون الزكاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فواجب عليكم أن تؤدوها لخليفته رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهذا معنى قوله: "حتى يدعوه إلى داعية الله"، يبين له ما يجب عليهم من حق الله من الشهادة لله عز وجل بالوحدانية، ولرسوله كذلك بالرسالة، وأيضاً العمل بأوامر الله عز وجل وبأركان هذا الدين من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصيام والحج ونحو ذلك. فهذا معنى قوله: "حتى يدعوه إلى داعية الله". قال: "فمن دخل في دين الله وعمل صالحاً قبل ذلك منه، كف عن قتاله". هذا هو المقصود، وهذه هي دعوة الإسلام حتى في الكفرة الأصليين الذين لم يكونوا مسلمين من قبل، فإن الإسلام قبل أن يهجم عليهم وأن يقاتلهم يدعوهم أولاً إلى الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب في تبوك: «ثم ادعهم إلى الإسلام». نعم، وما يجب عليهم من حق الله عز وجل، فهذه هي دعوة الإسلام: أولاً أن يدعو الكفرة إلى الإيمان والإسلام وما يجب عليهم، فإن قبلوا ذلك كف المسلمون عن قتالهم، كف المسلمون عن قتالهم، وإن أبوا هنا يقاتلون ويلزمون، إما إذا كانوا من أهل الكتاب إما بالدخول في الإسلام وإما بدفع الجزية، فإن أبوا يقاتلون، فيقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم. قال: "فمن دخل في دين الله وعمل صالحاً قبل ذلك منه، ومن أبى فلا يبقي على أحد"، يعني لا يترك أحداً منهم، "ويحرقهم بالنار ويسبي الذراري والنساء". وقوله: "ويحرقهم بالنار"، كأنه رضي الله تعالى عنه أراد التهديد وأراد شدة قتالهم، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، ولقد أنكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على علي رضي الله تعالى عنه حين حرق من غلا فيه من الشيعة. "ويسبي الذراري والنساء"، يعني يسبي الأطفال والنساء، هذا من أبى أن يستجيب لداعي الله وأن يدخل في الإسلام. قال: "وعن عروة بن الزبير قال: جعل أبو بكر يوصي خالداً، ويقول: هذه وصية خاصة بقائد وأمير جيش أهل الردة، يعني قتال أهل الردة. قال: جعل أبو بكر يوصي خالداً ويقول: عليك بتقوى الله". هذه هي الوصايا التي ينبغي أن تنشر، وأن تلقى للقادة في هذا الزمان، قادة أهل الإسلام. نعم: "عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك"، أي من المجاهدين من المهاجرين والأنصار، أهل السبق من المهاجرين والأنصار، "فشاورهم". وهذا فيه العمل بهذا الخلق العظيم الذي أوصى ربنا عز وجل نبيه به، مع أنه رسول الله، فقال له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، فمن هو دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى أن يعتنوا بهذا الخلق، وأن يتشاور أهل الإسلام فيما بينهم، فلا يحتكر أحدهم رأيه ويفرض رأيه دون مشاورة ولا أخذ رأيه من غيره. قال: "ثم لا تخالفهم، وقدم أمامك الطلائع، ترتد لك المنازل"، يعني ترجع لك البيوت أو القرى التي ارتدت، "وسر في أصحابك على تعبئة جيدة"، يعني على ترتيب للجيش وعلى تنظيم. "فإن أعطاك الله الظفر على أهل اليمامة فأقل البقية عليهم"، لأن أهل اليمامة هم الذين أكثر ارتداداً، أكثر ارتداداً، لأن فيهم من مسيلمة الكذاب. نعم. قال: "فأقل البقية عليهم"، يعني إذا انتصرت عليهم وعلوت عليهم فلا يعني تكثر البقية بينهم، وإنما أقل البقية عليهم إن شاء الله. "وإياك أن تلقاني غداً بما يضيق به صدري منك"، يعني لا أسمع عنك إلا خيراً، "اسمع عهدي ووصيتي، ولا تغيرن على دار سمعت فيها أذاناً". أين الخوارج من مثل هذه الوصايا، الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، تجده يفجر في بلد مسلم، بل يفجر من يقول لا إله الله، ومن ربما يقرأ القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول لخالدا: "لا تغيرن على دار سمعت فيها أذاناً، حتى تعلم ما هم عليه"، لأن هذا الأذان علامة على إسلامهم، وهو من الشعائر الظاهرة، لكن مع هذا تثبت: هل هم من أهل الردة فعلاً؟ هل هم ممن امتنع عن أداء زكاة أموالهم؟ نعم. "حتى تعلم ما هم عليه، واعلم أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك". انظر إلى هذه الوصايا العظيمة، يوصيه بمراقبة الله سبحانه وتعالى. قال: "واعلم أن رعيتك تعمل بما تراك تعمل"، أي كن قدوة لهم، أنت القائد، كن قدوة لهم في كل حركاتك وسكناتك، فلا يخالف قولك عملك، ولا عملك قولك. قال: "تعاهد جيشك، وانههم عما لا يصلح لهم"، يعني أمر بالمعروف وانهى عن المنكر. "فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم". إنها عبارة عظيمة، يعني لا تجعل المعاصي بين الجند، فإذا رأيت شيئاً يغضب الله فانهَ عن المنكر، "فانههم عما لا يصلح لهم، فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، لا بكثرة عددكم، ولا بكثرة عدتكم، ولا كذلك بقوتكم، وإنما تنصرون بطاعتكم لربكم، وبعدكم عن معصيته سبحانه وتعالى". فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، بإيمانكم، بقيامكم للليل، بصيامكم للنهار، وكذلك صدقاتكم، بتراحمكم، بتعاطفكم، بمحبتكم لله ورسوله، بهذه الأعمال الصالحة تنصرون على عدوكم. "فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، وبهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم، سر على بركة الله تعالى". هذه وصايا عظيمة نقلت في كتب السيرة عن أمير المؤمنين أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر.