الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل حكمة وجود المتشابه في القرآن الكريم، حيث يختبر الله به عباده فيميز بين المؤمنين والمنافقين وأهل البدع. المؤمن إما يفهم المتشابه بإرجاعه للمحكم أو يسلم ويؤمن به.
ذكر المؤلف أن من الحكم المراد من وجود التشابه في القرآن الابتلاء والامتحان، وظهور فضل العالم على الجاهل، وحث العلماء على النظر في المتشابه، وفيه تدريب للعقل ورفع لدرجات العلماء.
يتناول هذا الفصل أهمية فهم التشابه في القرآن، حيث يبين أن العلماء ذكروا فوائد لوجود التشابه، منها تعزيز الإيمان بالغيب، وإظهار عجز العقل، وحث الناس على الإقبال على العلوم الشرعية، مع انتقاد آراء أهل البدع.
يختتم المتحدث المبحث بأهمية فهم التشابه في القرآن، ويطلب من الله أن ينفع بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه، وهذا المبحث -إخواني- من أهم المباحث التي يستكمل بها ما يتعلق بقضية المحكم والمتشابه. قد ذكرنا من مقصود بالمحكم ومن مقصود بالمتشابه، لكن قد يتساءل بعض: إذن ما الحكم من التشابه إذا كان المتشابه لم تتضح دلالته؟ بل هو الذي أوصل بعض الناس إلى الطعن في القرآن، بل حتى إلى توهم التنقص في حق الله جل وعلا، والطعن في الرسول، هذه أصبحت مآلات لبعض المتشابه من القرآن عند بعض الناس. فقد قلت: سائل يتساءل، إذن لما جعل ربنا سبحانه وتعالى المتشابه في كتابه، ولم يجعله محكمًا كله؟ قال رحمه الله تعالى: لو كان القرآن كله محكمًا، لو كان القرآن كله محكمًا لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقًا وعملًا. إذن سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن الحكمة العظمى من وجود المحكم والمتشابه في كتاب الله عز وجل هي الاختبار، هي الاختبار، يختبر ربنا سبحانه وتعالى أحوال الناس إزاء كتابه سبحانه وتعالى من محكمه ومتشابهه. قال: من الاختبار به تصديقًا وعملًا لظهور معناه وعدم المجال لتحريفه، والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ولو كان كله متشابهًا لفات كونه بيانًا وهدى للناس، ولا أمكن العمل به وبناء العقيدة السليمة عليه. ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات يرجع إليهن عند التشابه، وأخر متشابهات امتحانًا للعباد؛ ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ. فهذا الخلاصة في موضوع وجود التشابه في كتاب الله عز وجل، يتميز أهل الإيمان عن غيرهم من أهل النفاق، من أهل الشقاق والعناد، من أهل الأهواء. تجد أن المؤمن لربه سبحانه وتعالى والمذعن لشرع الله عز وجل، إذ أنه مع التشابه على أمرين لا ثالثة لهما: إما أن يكون عنده القدرة في إرجاع المتشابه إلى المحكم، فزال عنه اللبس، وهذا الذي أراده الشرع منه. وإما أنه لا يستطيع ولا يقدر على إرجاع المتشابه للمحكم، فهنا يأتي منه التسليم، ويأتي منه أنه يؤمن بالمتشابه ويقول: كل من عند ربنا. فتجد أن المؤمن -سواء في هذه الحالة أو في هذه الحالة- هو في خير، ما خرج عن الخيرية. إما أن يكون عند المسلم قدرة على إرجاع المحكم إلى المتشابه، زال عنه الإشكال وزال عنه اللبس. وإما أنه يجعل المتشابه مما لم تظهر علته ولم يظهر سببه ولم تظهر دلالته، فيقف عند ذلك ويقول: آمنت به، وآمنت بهذه الآية، كل من عند ربنا، ولا يسترسل بعد ذلك بالظنون والتخمينات. هذا إذا حصل، هذا هو عين الخير، وهذا عين الخير، ولا يصدر هذا إلا من مؤمن. لكن عند المنافق -وهو الصنف الثاني- إذا بلغ عند آيات التشابه، لربما استدل بالتشابه على الطعن في كتاب الله عز وجل، من أهل النفاق ومن أهل الزندقة. انظر لكتابك، انظر للقرآن، بل ربما يزداد سوءًا على سوء، ويزداد شكًا في شك، فأصبح هذا القرآن زاده خسارة، زاده خسرانًا وخسارة؛ لأنه كلما وقف عند التشابه، كلما قدح هذا في قلبه الشك والريب، فيدخل في دهاليز النفاق والكفر والشك والريب، هذا حال أهل النفاق. وهناك صنف ثالث، وهم أهل البدع، والذي إذا وقفوا عند المتشابه، إذ تجد أنهم يتمسكون بالمتشابه ويجعلون المحكم يقوم على هذا المتشابه، فيتابع المتشابه من القرآن، وهذا صنيع أهل الزيغ من أهل البدع والأهواء. فانظر يا عبد الله كيف تميز الناس إلى أصناف ثلاثة: إلى أهل إيمان، وإلى أهل نفاق، وإلى أهل بدع وأهواء، من أين جاءت؟ جاءت من نظرهم إلى المتشابه من كتاب الله عز وجل. فأصبح التشابه من أعظم أسباب وجوده أن الله جل وعلا يختبر به أحوال العباد، يختبر به أحوال العباد. فالمؤمن يزداد إيمانًا مع إيمانه، إما بإرجاع المحكم إلى المتشابه، أو أنه يفوض أمره إلى الله، آمن بالله. وأما المنافق فإنه يزداد شكًا وريبة في كتاب الله عز وجل، وفي دينه وشريعته. وأما المبتدع فإنه يعرض عن المحكم ويدخل في المتشابه ابتغاء التأويل، ويقع حينها في الفتنة، ويقع حينها في الضلالة. ولهذا تجد أن هذا من الحكم السامية المرادة من وجود المتشابه في كتابه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وأخر متشابهات امتحانًا للعباد؛ ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ. فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى، وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض، لقوله تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾. المؤمن ما يدخل قط شك في كتاب الله عز وجل، ما يعتليه يومًا من الدهر أو تتلبس عليه لحظة من اللحظات أن القرآن فيه تناقض، ما سيصل أبدًا إلى هذا الحال؛ لأنه إذا أغلق عليه فهم آية، فإنه سرعان ما يفوض علمها لله، متى ما استغلق هذا عليه، ما استطاع أن يرد المحكم، استغلق الباب عليه، فإنه يؤمن به، يؤمن بها، ولا يدخل في التخرصات التي لو ربما تؤديه إلى الطعن في كتاب الله أو الشك في شرع الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. قالوا: أما من في قلبه زيغ، فيتخذ من المتشابه سبيلًا إلى تحريف المحكم، هذا حال أهل الزيغ. وأما أهل النفاق -وهو الصنف الثالث- فإنما يزدادون خسارًا في كتاب الله عز وجل، للشك والريب. قال: سبيلًا إلى تحريف المحكم، واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار، والاستكبار عن الأحكام. ولهذا تجد كثيرًا من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة. وذكرنا ما ذكره الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات، عندما ذكر الطرق التي توصل إلى البدعة، والتي جرى عليها عمل أهل الأهواء، أن من أعظم طرقهم أنهم يأخذون بالمتشابه من كتاب الله عز وجل. ثم مثل رحمه الله تعالى حول استدلال الخوارج على آيات الوعيد، واستدلال المرجئة على آيات الرجاء، وهكذا القدرية، وهكذا الجبرية، كل مبتدع، بل كل مبطل استطاع أن ينزع آية من كتاب الله عز وجل ويلوح بها على مذهبه. لكن إذا تمعنت في هذه الآية الذي أخذها، لوجدتها من الآيات المتشابه من كتاب الله عز وجل، وهي الآيات التي أخبر ربنا جل وعلا بضرورة إرجاعها إلى المحكم، لا أن تعمل بها وهي في حال تشابهها. قال رحمه الله تعالى: يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة. إذن خلاصة هذه المسألة أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أن من الحكم المراد من وجود التشابه في كتاب الله عز وجل أن الله أراد بذلك الابتلاء، وأراد بذلك الامتحان واختبار أحوال الناس، كما سمعنا في كلام المؤلف رحمه الله تعالى. وأيضًا أضاف جماعة من العلماء حكمًا أخرى تبرز في قضية وجود التشابه في كتاب الله عز وجل. ومن أعظم الحكم المستفادة من وجود التشابه في كتاب الله سبحانه وتعالى أن يظهر فضل العالم على الجاهل. يظهر فضل العالم على الجاهل، تجد أن الذي يعرف حكم المتشابه وإرجاع المتشابه، هذا ما يتسنى إلا لمن أوتي علمًا وأوتي معرفة. ولهذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما قرأ هذه الآيات: ﴿هن أم الكتاب وأخرى متشابهات﴾، ثم قال في آخر هذه الآية: ﴿وأنا ممن يعلم تأويله﴾، وأشار بنفسه رضي الله تعالى عنه، فهو ماذا؟ فإن إذن بعلمه، فهو رجل قد دعا له نبينا: اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل، فهو حبر القرآن. إذن استطاع ابن عباس أن يعرف تأويل كل آية من كتاب الله عز وجل، كيف استطاع؟ بما آتاه ربنا جل وعلا من علم. لكن الذي قل علمه، هذا الذي تنبسط عليه بعض الآيات أحيانًا، هذا يلتبس عليه، وذاك يلتبس عليه. لهذا قال العلماء -كالسعدي رحمه الله تعالى- أن هذا التشابه ما وقع إلا عند ناقص العلم وناقص المعرفة، التشابه لا يقع إلا عند من كان عنده نقص في العلم ونقص في المعرفة. إذن من خلال وجود التشابه تعرف من العالم من الجاهل، بل ربما حتى في هذه المسألة تعرف قدرات العلماء، وأن العلماء يتفاوتون في العلم، من خلال ماذا؟ من خلال المتشابه. قد مر معنا قريبًا في قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾، أن هذه الآية مما التبس أمرها على بعض الناس، بل حتى على بعض المذاهب كالوعيدية من الخوارج والمعتزلة. فقام أهل السنة والجماعة بجعل هذه الآية في حيز المحكم، لكن كانت لهم عدة أنظار، عدة أفكار، أو قل عدة مخارج لهذه الآية. وتجد أن هذه المخارج ليست على حد سواء، هذه المخارج إخراج المتشابه إلى المحكم كانت عن طرق، هذه الطرق ليست متساوية، بل بعضها أوضح، سلمت من الاعتراضات، وبعضها ممن يستنكر، حتى سمعنا أن الإمام أحمد استنكر بعض هذه الطرق. إذن هذه أقوال، ونقولات موجودة من العلماء، ويظهر تفاوت العلماء، يظهر تفاوت العلماء في إخراج المتشابه إلى حيز المحكم. فهذا إذن يعطيك فائدة على أن من أعظم الأشياء المستفادة من المتشابه في كتاب الله أن يتميز العالم عن غيره. فمن كان على علم والاطلاع بكتاب الله عز وجل، فإنه يقرأ القرآن من أوله إلى آخره ولا يستشكل عليه شيء. لكن لو ربما الذي قل علمه، لو ربما يقف عنده بعض الآيات ولا يدري عن حقيقتها، وهذا إنما أوتي من قبل نقص في علم ونقص في المعرفة. وكذلك في وجود التشابه من القرآن من الفوائد: حث العلماء على النظر فيه. حث العلماء على النظر؛ لأن المتشابه قد يقع فيه لبس، ولهذا ينتظر من العلماء التدقيق والنظر، ومعرفة أوجه الدلالة، وكيفية الاستنباط من هذه الآية حتى يجعلها في حيز المحكم. كل هذا يجعله ماذا؟ يبحث، يجعله يدقق النظر، يجعله يعرف الطريق للاستنباط. وهذا كما يقول: علماء فيه تدريب للعقل. فيه تدريب للعقل، العالم إذا جاءته مسائل من الآيات المتشابهة يفكر فيها مليًا حتى يعرف أوجه الشبه، وما هو الطريق الذي يرجع هذا المتشابه إلى هذه الآية المحكمة. زد على أنه تدريب لعقولهم، ففيه كذلك رفع لدرجاتهم. والقاعدة أن المشقة في العمل، كلما كان فيه مشقة، كلما ازداد فيه الأجر وازدادت فيه المثوبة، وذلك من فضل الله سبحانه وتعالى على أهل العلم. كذلك في هذه المسألة: فيها المعنى التعبدي، فيها المعنى التعبدي، وهو الإيمان بالغيب، وهو الإيمان بالغيب. أنت تلاحظ أن الآيات المتشابهة التي يقع التشابه فيها عند بعض الناس، وقد ذكرنا أن التشابه نسبي، ليس هناك آيات خاصة هي متشابهة، وإنما التشابه نسبي عند بعض الناس. تجد أن الآيات التي تلتبس عند الناس، والتي عرج عليها العلماء ومثلوا عليها، أنها مما اشتبهت اشتباهًا على الناس، تجد أنها من المسائل العقدية التي لا يستلزم من ورائها عمل. انتبه: الآيات والتي يمثل بها العلماء في المسائل في باب المشبهات، مما اشتبه أمرها على جماعة من الناس، تجد أن هذه الآيات هي في حيز المسائل العقدية التي ما استوجبت عمل. والمسائل العقدية ماذا أمرها؟ أمرها التسليم لله سبحانه وتعالى، وقلنا: وهذا في حق من استغلق عليه. إذن تجد أن في ذلك تعزيز لأمر الإيمان بالغيب. آية أشكلت عليك، ما استطعت أن ترجعها إلى المحكم، فإنك تؤمن بها، تقول: كل من عند ربنا، كيف ذاك؟ لاستسلامك وإيمانك بالغيب، فإنك ترجع ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا مما فيه زيادة لإيمان العبد بالله سبحانه وتعالى. كذلك قال علماء: أن في ذلك وجود التشابه يضطر الناظر فيه إلى تحصيل العلوم، إلى تحصيل العلوم. كما قلنا: لا يتأتى معرفة المتشابه ورده إلى المحكم إلا لمن كان عنده علم، وهذا العلم لا يحتاج إلى ماذا؟ إلى عدة أدوات من العلوم. فتجد أن العلماء الذي ينبرون لإرجاع المتشابه إلى المحكم؛ لكي يزول أثر المتشابه، تجد أنهم يحتاجون إلى علوم شتى. تجد أنه ملم باللغة، وبعلم البيان، بعلم التصاريف، وبعلم البلاغة، وهكذا في أصول الفقه، تجد عنده أدوات كثيرة حتى يزيل هذا اللبس. لهذا تجد في بعض الجموع أو في بعض الآيات التي سعى العلماء إلى إزالة التشابه فيها، تجد أنهم أحيانًا يقولون: إن هذه فيها نكتة بلاغية، أو يقولون: وهذه أحيانًا في لغة العرب تحمل على كذا، والخلود يحمل على طول المكث، وهذا وارد في لغة العربية. إذن تجد أن الناظر في المتشابه لكي يخرجه إلى حيز الجلاء وحيز الإحكام، تجد أنه يحتاج إلى علوم شتى، إلى علوم شتى. وهذا مما يكون فيه ماذا؟ حث الناس على الإقبال على العلوم الشرعية؛ حتى يعرفوا المراد من هذه الآيات مما تشتبه على الناس. وهكذا -يا إخواني في الله- قال علماء: من فوائد وجود التشابه في القرآن: إظهار عجز العقل، وأن العقل عاجز، وأنه ليس هو مصدر التشريع كما يدعي بعض العقلانيين في هذه الأزمان، وهكذا قديمًا من أسلاف من المعتزلة، ممن يقدسون العقل. العقل ما يستطيع لوحده، فأنظر لهذه الآيات المتشابهة، من وجد آية قد تشابهت عليه، بماذا أمر ربنا عز وجل؟ الآية من المتشابه، هل تدخل في عقلك؟ هل تضغط كما قال: أخماس في أسداس؟ هل تستخدم القياس العقلي أو الرأي المجرد؟ ما يمكنك. أمرك ربنا جل وعلا عند التشابه أن ترده إلى المحكم، وما هو المحكم؟ هو آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى. أينما حل العقل؟ ليس هناك عقل، العقل ليس هو مصدر التشريع، العقل نعم يفيدك في باب الاستنباط، في بيان الدلالة، في باب التلاقي، ينفعك عقلك في هذا الباب. أما أن العقل يشرع لوحده، العقل المجرد يعطيك معنى هذه المتشابه، لا يمكنك. ولهذا فإن الله أمر أهل الإيمان والإسلام أنهم إذا وقفوا عند المتشابه من كتاب الله أن يردوه لا إلى عقولهم، وإنما يردونه إلى شرعه، وهو المحكم من كتابه سبحانه وتعالى. فدل على أن الشرع هو أولًا وآخرًا هو الذي يتحاكم إليه العباد. وهكذا -أخواني في الله- حكم كثيرة يذكرها العلماء في هذا الباب، تدلك على أن التشابه إنما أوجده ربنا سبحانه وتعالى لحكم عظيمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. أما أهل البدع وأهل الزيغ، فإنهم يضيقون ذرعًا بالمتشابه من كتاب الله سبحانه وتعالى. وهكذا أنبهنا على مسألة: وهو أن بعض العلماء أو من ينتسب للعلم، ومن أهل البدع، من ربما يأتي ببعض الحكم من المتشابه من القرآن، وهي ليست حكمة، بل هذا من أبطل الباطل. هذه الأشياء التي سمعناها، هذه بما ذكرها أهل السنة، ذكرها العلماء في كتبهم، وهي مخارج سليمة، مخارج سليمة تتوافق مع الشرع. أن الحكم من التشابه كذا وكذا وكذا، أمور لا غبار عليها. لكن تجد أن من الناس من ربما يأتيك بحكمة من وجود المتشابه من القرآن، فأنت إذا نظرت في هذه الحكمة، هذه ليست حكمة، بل هذا مطعم في كتاب الله عز وجل، أو مطعم في تشريع الله سبحانه وتعالى. من ذلك ما يذكر عن بعض أهل البدع -مثل أمثال الرازي- إذ أنه أشار أن من الحكمة في المتشابه من القرآن أن الله أراد أن يراعي أفهام الناس، كيف يراعي أفهام الناس؟ أي أن الله سبحانه وتعالى ما أراد أن يخاطب العباد بأمر لو ربما العقول ما تقبله. فربنا جل وعلا يأتي لهم بآيات، هذه الآيات -هم يتوهمونها الناس على فهم- وهذه الآية فيها إشارة لبعض الحق، لكن وجدها ربنا للناس لعامة الناس، ذكر العوام لعامة الناس، أن هذه الآيات أراد الله أن يخاطب بها العوام، فأوهمهم شيء، وهذا الوهم فيه إشارة لبعض الحق. فلما اعتنقوا هذه الفكرة بعد ذلك، أبان لهم ربنا سبحانه وتعالى الحق الذي أراده جل في علاه. يقول: هذه الحكمة من وجود المتشابه، هذا ليس بالصحيح، هذا الوهم، هل من حكمة القرآن أنه يوهِم الناس؟ هل القرآن أصبح كتاب وهم وإيهام ومغالطة للناس؟ ثم بعد ذلك يظهر ربنا الحق الذي أراده سبحانه وتعالى؟ هذا ليس بحكمة، بل هذا من أبطل الباطل. ومع ذلك تجد أن من المبتدعة يجعل أن هذا الإيهام هي حكمة من وجود المتشابه، لا -يا عبد الله- هذا ليس من حكمة في المتشابه، بل هذا كذلك طعم في شرعة الله عز وجل. فربنا لا يضل عباده، هذا هو معنى الإضلال بعينه، ربنا لا يضل عباده سبحانه وتعالى، بل أنزل القرآن لكي يبين لهم أحكامه ودينه وشرعه. هذا -يا إخوان في الله- ما يتعلق بهذا المبحث المهم من المباحث الذي ينبغي أن يتأمل فيها الناس، ويعرفوا ما المراد وما المغزى من وجود التشابه في كتابه سبحانه وتعالى. فأسأل المولى جل وعالى أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.