الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش مفهوم التعارض في القرآن ويوضح استحالة التعارض الحقيقي بين آياته، مشيراً إلى أن دلالة القرآن تنحصر في الأخبار والأحكام.
يتناول كيفية التعامل مع الآيات التي قد تبدو متعارضة، موضحاً أن التعارض الحقيقي غير موجود ويقدم حلولاً مثل الجمع بين الآيات أو التوقف عن إبداء الرأي.
يشرح كيفية الجمع بين الآيات المتعارضة ظاهراً بفهم دقيق لمعانيها ومقاصدها، مشيراً إلى أن بعض الآيات قد تحمل معاني ظاهرية وباطنية.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى -وأعني به سماحة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى- في كتابه "أصول في التفسير": "موهم التعارض في القرآن". وهذا البحث من الأبحاث المهمة التي تذكر في علوم القرآن، مسألة التعارض في القرآن. وعنون له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله "موهم التعارض"، موهم التعارض في القرآن. فما معنى التعارض في القرآن؟ التعارض كما قال العلماء في تعريفها -مأخوذ من قولك عرض الشيء- أي كأن شيئًا عرض للآخر. واصطلاحًا عند العلماء: "تقابل الدليلين على سبيل الممانعة"، تقابل الدليلين على سبيل الممانعة. هذا الذي يقصده العلماء بمعنى التعارض، أن توجد أدلة تتقابل، هذا ممتنع، هذا يسمى التعارض. وقال العلماء في مسألة التعارض: إذا كانوا يظنون أن التعارض كلي، بحيث لا يمكن لآية أن تلتقي مع الآية الأخرى، هذا لا يوجد في كتاب الله. هذا لا يوجد في كتاب الله جل وعلا أن تجد التعارض الكلي، بحيث آية لا تتداخل مع آية، بل تتعارض، هذه تذهب شرقًا وتلك تذهب غربًا، هذا لا يقع في كتاب الله جل وعلا، التعارض الكلي؛ لأن التعارض الكلي بمعنى التناقض، وكتاب الله سبحانه وتعالى لا يتناقض. قال رحمه الله تعالى: "موهم التعارض في القرآن"، إذا، لكن هذا التعارض أين يحدث؟ إذا قلنا أن التعارض ممتنع في كتاب الله جل وعلا، لكن أين يحدث؟ يحدث من خلال الناظر، القارئ للقرآن. لربما من خلال قراءته لكتاب الله جل وعلا، لقصر نظره، لربما يظن أن هناك تعارضًا بين الآيات. أي الناظر هو الذي يبتل بهذا لقصر نظره، لربما يظن أن هذه الآية تتعارض مع هذه الآية. فإذا التعارض ليس موجودًا في كتاب الله، وإنما موجود في الذهن، في الناظر ممن قصر علمه وقصر نظره، لربما يتوهم المعارضة، والحقيقة أن لا معارضة في القرآن. وهذه قاعدة: لا توجد آيات تتعارض في كتاب الله سبحانه وتعالى. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. لو كان هذا الكتاب ليس من الله، لكان نعم فيه الاختلاف وفيه التفاوت وفيه التعارض وفيه التناقض. لكن لما كان من عند الله فهو محكم الدلالة، فلا هناك معارضة ولا ممانعة. قال رحمه الله تعالى: "التعارض في القرآن أن تتقابل آيتان بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبتة لشيء والأخرى نافية له". قال: "ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين". وهذا لا يمكن، هذا لا يمكن أن تتصور أن يصل بك الحال أن تعتقد أن آيات في كتاب الله سبحانه وتعالى لا تلتقي، وأن بينها تنافر وبينها ممانعة، فهذا لا يوجد البتة في كتاب الله سبحانه وتعالى. قال: "ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري؛ لأنه يلزم كون إحداهما كذبًا، وهو مستحيل في أخبار الله تعالى". قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي؛ لأن الأخيرة منهما ناسخة للأولى. قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. وإذا ثبت النسخ، كان حكم الأولى غير قائم، ولا معارض للأخيرة. خلاصة هذا المبحث، وهو الرد العام، لنعرف كيف أن التعارض لا يوجد في كتاب الله سبحانه وتعالى، أن نعلم إخواني في الله أن دلالة القرآن، دلالة القرآن إما لأمر خبري، وإما لأمر حكمي. فالقرآن عبارة عن أخبار أو أحكام. القرآن دلالته لا تخرج عن قوله: إما خبري أخبار، أو عن كوني حكمي أحكام. وبهذا ربنا سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بقوله جل في علاه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام. فمدلول القرآن يأول إلى هذين الأمرين: الأخبار والأحكام. وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام. إذن نحصر دلالة القرآن في الأخبار والأحكام، والتعارض في الأخبار والأحكام ممتنع، لا يمكن أبدًا. ننظر في الأحكام وننظر في الأخبار، هل يمكن أن تتصور أن يثبت الله سبحانه وتعالى خبرًا في كتابه، ثم يأتي في موطن آخر وينفي هذا الخبر؟ هذا لا يمكن؛ لأن هذا الفعل لو صدر من عند الناس، لو جاءك أحد أثبت شيء، ووقع حادث فلاني، وجاء آخر قال: لا، لم يقع الحادث الفلاني، إذن هناك كذب في الرواية، أحدهم قد كذب فيها، أخطأ فيها. خبر واحد، أحد يثبت وآخر ينفي، هذا لا يخرج عن كون الكذب حاصل. وهل هذا متوقع في كتاب الله سبحانه وتعالى؟ هذا مستحيل، هذا مستحيل أن يكون هناك معارضة في الأخبار، أن تأتي إلى خبر مثبت وهو ينفى في موضع آخر بنفس الدلالة، هذا لا يقع في كتاب الله، مستحيل. وإن جئنا إلى الأحكام، وهي الأحكام الشرعية، قد يقول قائل: إن هناك تعارضًا في الأحكام. لا، ما عندنا تعارض في الأحكام. لكن لو سلمنا لك أن هناك آية تأمر بشيء، حكم شرعي، وجاءت آية أخرى تلغي الحكم الشرعي، هنا ماذا يأتينا؟ ما عندنا ما يسمى التعارض، عندنا ما يسمى الناسخ والمنسوخ. فالآية المتأخرة إذا -على فرض قولك أن هذا هنا تعارض- حكم شرعي، حكم شرعي أمر بعبادة، أمر بمسألة من الواجبات، ثم جاء حكم شرعي آخر يخالف هذا الحكم الشرعي، ما نقول هنا تعارض، لا، عندنا هنا وجه الجمع، عندنا ناسخ ومنسوخ. فالآية الأخيرة تنسخ الحكم الأول، ولا نسمي هذا تعارضًا. قال: "وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك، فحاول الجمع بينهما". إذن لا بد أن تبدأ بالجمع. وإياك يا عبد الله أن تقفز عن الجمع، ثم تأتي وتعمل بأحد الآيات وتلغي الأخرى، هذا لا يجوز لك. أنك تلغي وتعوض وتعطي الحكم لآية، مدلول آية على حساب آية أخرى، لا، هذا ليس لك. ولا يصل الأمر إلى هذا الحد، بل عليك أن تعمل بجميع القرآن، فتأتي بهذه الآية وتأتي بهذه الآية، فتجمع بينهما. وحينها في مسألة الجمع، العلماء يتفاوتون. فهناك ما يكون جمعه حسن، وهناك ما يكون جمعه فيه تكلف. لكن ينبغي أن تصير إلى مسألة الجمع. والقاعدة عند العلماء: "إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما". إعمال الدليلين تعمل بهذا وتعمل بهذا معًا. إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فلا ينبغي أن تهمل الآية من كتاب الله. قال رحمه الله تعالى: "وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك، فحاول الجمع بينهما". تجمع بينهما. قال: "فإن لم يتبين لك، وجب عليك التوقف، وتكل الأمر إلى عالمه". أحيانًا بعض الناس لا يستطيع، لا يهتدي في كيفية الجمع بين هاتين الآيتين. حاول هنا وحاول هنا، وذهنه ما ساعده في ذكر وجه الجمع. ما الذي تفعل حينها؟ تقف، تقول: الله أعلم، الله أعلم كيف الجمع بين هذه الآية وهذه الآية؟ مع الاعتقاد أن لا تعارض في القرآن، لكن وقع التعارض في ذهنك. وأن الجمع كان من التقصير في حقك، أنت الذي قصرت في موضوع الجمع. فتقف، يصل الأمر إلى حد التوقف. وهل هذا يقع؟ نعم يقع، بل وجد هذا عن بعض السلف، بل وجد عن بعض العلماء، حتى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: "قد ذكر العلماء رحمهم الله أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وبينوا الجمع في ذلك". ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع: كتاب "دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب" لشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى. وهذا كتاب مطبوع وموجود ومتداول، تعرض فيه الشنقيطي رحمه الله تعالى إلى بعض الآيات التي يقع فيها اللبس عند الناس، والتي في ظاهرها فيه شيء من التعارض، فقام رحمه الله تعالى بذكر هذه الآيات، وجمع بينها بجمع حسن، من غير تكلف ولا تعسف. قال رحمه الله تعالى: "فمن ذلك قول الله تعالى في القرآن: ﴿هَدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وصف ربنا القرآن بأنه هداية لأهل التقوى، هدًى للمتقين. وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية، هدًى للناس". قال: "فجعل هداية القرآن في الأولى خاصة بالمتقين، وفي الثانية عام للناس". والجمع بينهما: أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، فالقرآن ينتفع به أهل التقوى. والهداية في الثانية هداية التبيين والإرشاد، التبيين والإرشاد. وهذه من أنواع الهدايات. هناك هداية التبيين وإرشاد، القرآن ينتفع بهذه الدلالة، أن القرآن يبين ويرشد جميع الناس، يحتاجون إلى هذه الهداية. قال رحمه الله تعالى: "ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى في الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾". فالأولى هداية التوفيق، والثانية هداية التبيين. نفس ما ذكر في مسألة الهداية في القرآن. قال: "من أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، وقال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، وقول: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾". ففي الآيتين الأوليين: نفي الألوهية عما سوى الله تعالى. وفي الأخريين: إثبات الألوهية لغيره. وجه التعارض أو موهم التعارض في هذه الآيات: أن الآيات الأولى نفى ربنا سبحانه وتعالى أن يوجد إله، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، أي: لا إله سوى الله جل وعلا. فهذه آيات واضحة، نفي الألوهية عما سوى الله عز وجل. لكن الآيات الأخرى كأن الله أثبت وجود آلهة معه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، وفي الآية الثانية: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، إذن أثبت ربنا أن لهم آلهة. قال الشيخ: "والجمع بين ذلك: أن الألوهية الخاصة بالله عز وجل هي الألوهية الحقة، وأن المثبت لغيره هي الألوهية الباطلة". فأوجه رفع الإشكال: أن ما أثبته ربنا لنفسه من أنه هو الإله، بمعنى أنه هو الإله الحق. وأنه كون وصف تلك الأرباب والمدعوات الدعيت من دونه سماها آلهة، بمعنى أنها آلهة بباطل، أُلِّهَت بباطل، ليست بحق. قال: لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. إذن يُرفع الإشكال من هذه الآيات. فما من آية فيها إثبات أن الله أثبت الألوهية لنفسه جل في علاه بمعنى الألوهية الحق، هو الذي سبحانه وتعالى تفرد بذلك. والآيات التي فيها أن الله وصف بعض المعبودات بأنها آلهة، فهذه على أنها آلهة، لكنه عُبِدت بباطل، عُبِدت بباطل. بهذا تعفى لا إشكال بين هذه الآيات. قال رحمه الله تعالى: "ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾". ففي الآية الأولى: نفي أن يأمر الله تعالى بالفحشاء. وظاهر الثانية: أن الله تعالى يأمر بما هو فسق. وجه الشاهد: الآية الأولى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، ربنا جل في علاه لا يأمر بالفحشاء. لكن الآية الثانية لو نظرت فيها: قال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾، كأن الله سبحانه وتعالى في الآية الثانية أمر بما فيه فسق، أمر بما فيه فسق. فكيف الجمع؟ قال: "والجمع بينهما: أن الأمر في الآية الأولى هو الأمر الشرعي، والله تعالى لا يأمر شرعًا بالفحشاء". والأوامر الشرعية مقتضاها قائمة على المحبة والرضا. قائمة على المحبة والرضا. فربنا شرعًا يمنع من حصول ومن وقوع الفحشاء من عباده الذين أمرهم باتباع دينه، فلا يفعلن أحد منكم الفحشاء. فهذا من حيث من خلال الخطاب الشرعي. قال: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. "والأمر في الآية الثانية هو الأمر الكوني". والله تعالى يأمر كونًا بما شاء، حسب ما تقتضي حكمته. فربنا سبحانه وتعالى قد يقضي بالشيء ولا يحبه سبحانه وتعالى، كما تقع في الأحكام الكونية. يأمر الله سبحانه وتعالى بأشياء وإن كان جل وعلا لا يحبها ولا يرضاها شرعًا، لكن لحكمة. وقد مر ذلك معنى مثل خلق الشيطان، ومثل وجود الكفار، ومثل كذبه، ظهور المعاصي والشركيات والبدع والضلالات، هذه الأشياء لا يحبها ربنا سبحانه وتعالى، مع أنها ما وقعت إلا بقضاء من الله وقدره. لماذا تقع وربنا لا يحبها؟ قال العلماء: "إنما ذلك لحكم عظيمة أرادها الله سبحانه وتعالى". حكم كثيرة تتضح بها. قال رحمه الله تعالى: "والأمر في الآية الثانية هو الأمر الكوني، والله تعالى يأمر كونًا بما شاء، حسب ما تقتضي حكمته". وكل ذلك لحكمة أرادها الله عز وجل، عليمها من عليمها، وجهلها من جهلها. قال: لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: "ومن رام زيادة أمثلة، فليرجع إلى كتاب الشيخ الشنقيطي المشار إليه آنفًا". وهكذا ومما يحال إليه في مثل هذه المواضيع: كتاب الإمام السعدي رحمه الله تعالى، المسمى "القواعد الحسان في تفسير القرآن". "القواعد الحسان في تفسير القرآن". إذا السعدي رحمه الله تعالى ذكر قواعد كثيرة جدًا حول كيف تستطيع أن تفهم القرآن، وأن تفسر القرآن على ظل قواعد ذكرها. فكان من قواعده قاعدة ذكرها حول التعارض، قاعدة ذكرها حول التعارض، وكيف تستطيع أن تجمع بين الآيات التي توهم التعارض. فهو كتاب نفيس، يرجع إليه كذلك في مثل هذا المبحث. فخلاصة الكلام إخواني في الله: أن نعلم أن التعارض في القرآن منفي، فلا يعدنا تعارض أبدًا في كتاب الله؛ لأن كتاب الله هو محكم. وإن وقع التعارض، فإنما يقع التعارض عند الناظر للأدلة الشرعية. وأن التعارض متى ما حصل، فأنت يا عبد الله بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن تحاول أن تجمع بين الأدلة بجمع حسن، لا كلف فيه ولا تعسف. فإن لم تستطع لذلك سبيلًا، فلا حرج يا عبد الله بعد ذلك أن تتوقف؛ لأنك لا تستطيع أن تخوض في دين الله ما ليس لك به علم، ولا تستطيع كذلك أن تأخذ بمدلول آية على حساب أن تلغي آية أخرى، فهذا ليس لك، وإنما حقك أن تتوقف. وقد سمعنا أن كان من العلماء من وقف، أو وصل به الحال إلى التوقف. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.