شرح أصول في التفسير للعثيمين  9

شرح أصول في التفسير للعثيمين 9

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مراحل كتابة القرآن وجمعه في عهد النبي

درس يتناول موضوع كتابة القرآن وجمعه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قسم المؤلف المراحل إلى ثلاث مراحل وركز على المرحلة الأولى. كان الاعتماد على الحفظ أكثر من الكتابة لعدة أسباب.

تفاصيل جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

تناول المقطع جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يعتمد على الحفظ والكتابة على وسائل محدودة. اختلف العلماء في تفسير رواية أنس بن مالك حول عدد الصحابة الذين حفظوا القرآن.

مرحلة جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق وتفاصيلها

في عهد أبي بكر، بعد وقعة اليمامة، خشي الصحابة ضياع القرآن، فأمر بجمع القرآن وكُلف زيد بن ثابت بالمهمة، فجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال. أثنى المسلمون على أبي بكر لجهوده في جمع القرآن الكريم وحمايته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، وبعد ذي بدء نعتذر عن التغير في تحديد الدروس وفي وقاتها، لكن إن شاء الله سنكون على ما كنا عليه في السابق، ستكون دروس اللمعة وأصول التفسير في الظهر بإذن الله، نستمر على هذا إلى حين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «كتابة القرآن وجمعه»، وهذا التبويب -إخوانا في الله- من المؤلف العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في رسالته الموسومة بـ«أصول في التفسير» قد مرت معنا مباحث كثيرة أو بعض المباحث المتعلقة بهذا الفن، كقوله رحمه الله تعالى: «المكي والمدني»، وفي هذا ما يتعلق بالنزول، القرآن ابتدائي وسببي، إلى غير ذلك من المباحث. وهذا المبحث هو مبحث الخامس في هذه الرسالة الذي عنونه بهذه العنوان «كتابة القرآن وجمعه». قال رحمه الله تعالى: «لكتابة القرآن وجمعه ثلاث مراحل»، هنا بينا كتابة وجمع، وإلا الأصل أن لفظة «جمع القرآن» إذا ذكرت فإنها تحمل على معنيين اثنين، جمع القرآن تحمل على معنيين اثنين، جمع القرآن بمعنى الحفظ، بمعنى الحفظ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، جمعه أي بجمعه في صدرك يا محمد عليه الصلاة والسلام، وهنا الجمع بمعنى الحفظ. وقد وقع ذلك في عهد نبينا أن القرآن حفظ، وأيضا كذلك الجمع بمعنى الكتابة يأتي، فقول «جمع القرآن» هل هذا الأصل؟ جمع القرآن يدخل فيه حفظ القرآن ويدخل فيه كتابة القرآن، لكن تجد العلماء يفصلون مباشرة فيقولون: «كتابة القرآن وجمعه»، فيكون الجمع بمعنى الحفظ، والكتابة تبقى على بابها. قال رحمه الله تعالى: «لكتابة القرآن وجمعه ثلاث مراحل»، المرحلة الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثر من الاعتماد على الكتابة. إذن من خلال هذه الفقرة علمنا أن القرآن في عهد نبينا -وهي المرحلة الأولى- حفظ بحفظين اثنين: بالحفظ في الصدر، وكذلك بالكتابة، كل ذلك وقع في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، وإن كان الحفظ هو العمدة، الحفظ هو العمدة في تلك المرحلة. قال: «لقوة الذاكرة، وأن سيبين»، المؤلف لما كان الاعتماد على الحفظ أكثر من الكتابة قال: «لقوة الذاكرة وسرعة الحفظ وقلة الكاتبين ووسائل الكتابة»، هذه الأمور التي جعلت الصحابة في عهد نبينا يركنون إلى الحفظ أكثر من الكتابة، لقوة الذاكرة، فكان ذلك عندهم قد علم، فالذاكرة عندهم كانت تصل إلى مداها. تجد أن صحابيا مثلا قد يروي لك حديثا طويلا قد يكون من صفحتين، وهو لم يسمعه من نبينا إلا مرة واحدة، مرة واحدة يسمع الحديث ثم يذهب فيتلو لك الحديث من أوله إلى آخره، ولا ينسى منه حرفا واحدا، قوة ذاكرة وسرعة بديهة كانت عند أولئك القوم من الرعيل الأول رضي الله تعالى عنهم. قال: «لقوة الذاكرة وسرعة الحفظ وقلة الكاتبين»، كانوا الكتابة قلة في عهد نبينا، كانوا قلة ممن يكتب في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: «وقلة الكاتبين ووسائل الكتابة». وأيضا هناك مسألة ذكرها بعض العلماء كالزركشي رحمه الله تعالى: أن من أسباب اعتمادهم على الحفظ دون الكتابة أنهم كانوا يخشون التغير في القرآن، يعني كان هناك وقت التنزيل، فكان بعضهم -يعني من يكتب- لأنه يخشى إذا كتب شيئا أن تأتي آيات تنسخ هذه الآيات التي بين يديه، فيمحو ويكتب ويمحو ويكتب، فآثر بعضهم أن لا يكتب شيئا. إلا أن الرخصة قد جاءت، الرخصة قد جاءت في كتابة القرآن كما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تكتب عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحو»، لا تكتب عني شيئا إلا القرآن، فقد جاءت الرخصة في كتابة القرآن، لكن بعضهم ما أراد أن يكتب حتى لا يقع في هذا اللبس أنه يكتب في أثناء نزول الوحي فيكتب شيئا ثم يأتي ما ينسخه فيقع في إشكال، فآثر بعضهم أن يعتمد على حفظه ولا يعتمد على النسخة التي في الكتابة. فكان ذلك حجة للبعض في تركه من الكتابة، وأن يركنوا ويعتمدوا اعتمادا كليا على الحفظ. قال رحمه الله تعالى: «ولذلك لم يجمع في مصحف»، بل كان من سمع آية حفظها أو كتبها فيما تيسر له من عسب النخل، وعسب النخل: عسب جمع عسيب، وهو جريد النخل، فكانوا يكتبون فيه، وهذا دليل على قلة وسائل كتابة، ما كان عندهم المداد والورق والحبر ما كان ذلك متوفرا إلا قليلا جدا، فكان يكتبون في أوراق النخل أو في جريد النخل. قال: «ورقاع الجلود»، ورقاع جمع رقعة، وقد تكون هذه الرقعة من جلد، وقد تكون من ورق، قال: «ولخاف الحجارة»، لخاف جمع لخفة، وهي الحجر الأملس، ويكون كالصفيحة، يكتب عليه ينفع في الكتابة، وكان يكتبون عليه، قال: «وكسر الأكتاف»، والأكتاف جمع كتف، وخاصة الكتف الذي يكون للبعير والشاء يكون كبيرا، فكان يصلح ماذا؟ أن يكتب فيه. فلاحظوا -إخواني في الله- صعوبة الكتابة في تلكم الأزمان لقلة وسائلها، كان يكتبون إما على جريد النخل، أو على صخور، أو على حجارة، أو على أكتاف حيوان، أو جلد، أو عظم يأتون به فيكتبون عليه، فما كان عندهم مثل هذه الألواح أو الأوراق التي من الله على الأقوام من بعدهم، وكانت هذه شحة الإمكانيات، هذا الذي جعلهم يعتمدون على الحفظ، يعتمدون على الحفظ اعتمادا كثيرا. قال رحمه الله تعالى: «وكان القراء عددا كبيرا»، والقراء بمعنى الحفاظ، قال: «ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سبعين رجلا يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم: رعل وذكوان، عند بئر معونة فقتلوهم»، وفي الصحابة غيرهم كثير، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم. نعم، وقد تنوعت قواعد العلماء في تعداد الصحابة الذين حفظوا القرآن في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرهم الماوردي، وهكذا أبو عبيد والذهبي رحمه الله تعالى في ذكره لمراتب القراء، وأيضا السيوطي في «الإتقان» رحمه الله تعالى تنوع في ذكر الحفاظ الذين حفظوا القرآن. فهذه المرحلة الأولى، وهو أن القرآن حفظ في عهد نبينا، أو جمع في عهد نبينا إما حفظا في الصدور، وإما كتابة في الصحف، لكن الاعتماد على الحفظ أكثر، لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى للطرق التي واجهتهم. وبين المؤلف في آخر عبارته: «وكان القراء عددا كبيرا»، القراء بمعنى الحفاظ، لكن هذا يشكل مع ما ثبت عن أنس رضي الله تعالى عنه كما جاء ذلك في البخاري، إذ أنه قال رضي الله تعالى عنه: «لم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد»، فقول أنس: «لم يجمع القرآن غير أربعة»، أي في عهد نبينا، ما جمع القرآن، معنى جمع القرآن من المرة الأولى أي حفظ القرآن. فلم يحفظ القرآن على كلام أنس إلا أربعة فقط، والذي يشكل في كلام أنس أن أنس هنا استخدم أسلوب الحصر والقصر: «لم يجمع القرآن غير أربعة»، الاستثناء وهو مسبوق بالنفي، هذا من أقوى صور الحصر، يعني كأنه يثبت أنه ما حفظ القرآن إلا عند أربعة من الصحابة. وكيف المؤلفون رحمه الله تعالى قال: «وكان القراء عددا كبيرا»، كذلك استدلال المؤلف ببئر معونة، نعم كان سبعين من القراء من الحفاظ قتلوا، ومع ذلك من عداهم من القراء، بل كان هناك الحفاظ آخرون، إذا كان أكثر من سبعين، أكثر، أكثر بكثير. فكيف أنس لا يخبرنا بذلك في البخاري؟ في البخاري، بل جاء في الصحيحين أن قتادة سأل أنس: «من جمع القرآن في عهد رسول الله؟» قال: «أربعة»، قتادة يسأل أنسا: «من جمع القرآن في عهد رسول الله؟» قال أنس: «أربعة»، إذن أربعة جمعوا القرآن، وهذا كما يقال مشكل، كيف التوفيق بين ما هو واقع في عهد الصحابة من كثرة القراء والحفاظ، وبين ما يذكره أنس عن الصحابة أنهم ما حفظ القرآن سوى أربعة؟ فهنا أتى العلماء بالجمع، وإلى بعضهم ما جمع، وإنما طعن مباشرة، يعني طعن واستنكر الأثر بعضهم استنكر الأثر عن أنس، استنكر هذا الكلام، قال: «هذا لا يمكن لأنس أن يقول به»، هذا أولا. ومنهم من كان أرقى في الخطاب، فقال: «أنس إنما تكلم رضي الله تعالى عنه بما يعلمه، بما يعلمه سئل عن شيء الذي يعلمه أفتى به، ولا يستفاد من كلامه تطبيقه أنه لم يحفظ إلا عن طريق أربعة»، هذا بقى لا يمكن. لكن أنس إنما سئل عن سؤال فأفتى بما يعلم، أفتى بما يعلم، هذا قول بعضهم في هذا، بعضهم قال: «إنما أنس ذكر الذي قد تعلق بهم قد تعلق أمره وشخصه بهؤلاء الأربعة احتكاكا وطلبا وملازمة، فلما سئل عن حفاظ القرآن ذكر هؤلاء الذين هو قد تعلق بهم فذكرهم»، هكذا حمل علماء هذه المحامل. وذهب بعضهم، وهو أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى، بأنه يؤول هذا الأثر المروي عن أنس بتأويلات عدة، وتأويلات قوية جدا في هذا الباب، حتى نبقي الرواية على ما هي عليه مع إبقاء الواقع ما هو، الجمع ذكر أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى ذكر عدة أمور. الأمر الأول قال: «أن أثر أنس يثميه العلماء من أهل الأصول بمفهوم العدد أو بأسلوب العدد»، وعند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حصر له، أو أن أسلوب العدد لا مفهوم له، هكذا يقول هذا ما ذهب جمهور العلماء في هذا الباب، أسلوب العدد لا مفهوم له، أي لا يفهم، ليس له مفهوم، أي خلافه لا يفهم، أن أربع حفظوا، ما سواهم ما حفظ. وقال: «لا يحمل هذا على هذا أبدا»، وهذا يسمعون أسلوب العدد، وأسلوب العدد لا مفهوم له، هذا القول الأول. القول الثاني من المحامل الذي يحمل عليه أثر أنس رضي الله تعالى عنه في أنه «لم يجمع القرآن غير أربعة»، يحمل على أن الحفظ الذي أراده أنس أي الحفظ الذي كان بجميع أنواعه، بحفظ القرآن مع القراءات، مع القراءات، وهذا وجه، وهذا وجه يمكن، يعني أنس أراد، إنما قوله: «لم يجمع القرآن» أراد بحفظ القرآن مع كل صور الحفظ، أي حفظ القراءة التي بين أيديهم مع القراءات الموجودة من سبعة الأحرف، فكانوا أو لقد حازوها، وهذا يمكن، فهذا لا غبار عليه. أو قال علماء كما قال الباقلاني: «أو أراد أنس من قول لم يجمع القرآن غير أربعة أراد الجمع هنا الذي قد ذكرناه أن الجمع بمعنى الحفظ والكتابة، الحفظ والكتابة، أي أن أحدا لم يتسن له أنه يجمع القرآن حفظا في صدره وكتابة في ورق إلا لهؤلاء الأربعة»، وأما من عداهم فقد حفظوا القرآن في صدورهم، لكن ما تمكنوا من كتابته، هؤلاء الأربعة الذين عددهم منهم: أبي الدرداء، وابي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، الأربعة ذكرهم، هؤلاء استطاعوا أنهم يحفظوا القرآن، يجمعوا القرآن حفظا وكتابة. فإذا كان هذا كذلك لا غبار على هذا الجمع، وكذلك مما ذكره الباقلاني من قول أنس: «لم يجمع القرآن، غير أربعة»، يحمل أنهم هم الذين أفصحوا بأنهم حفظوا القرآن، هؤلاء قد أفصحوا، يعني هؤلاء قالوا لإخوانهم: «نحن حفظنا القرآن، نحن جمعنا القرآن في عهد رسول الله»، فأنس عندما سئل: «من جمع القرآن؟» فذكر الذي صرح بأنه حفظ القرآن: «فلان وفلان وفلان وفلان»، فذكر أربعة، وهؤلاء ذكرهم لأنهم قد صرحوا بأنهم جمعوا القرآن. فهذه أوجه وجيهة ذكرها الباقلاني رحمه الله تعالى في محامل أثر أنس، إذن عندنا المحامل الكثيرة، فإذن لا يشكل هذا على ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، فنبقى على الأصل أن القراء كانوا في عهد النبي عددا كبيرا، كثيرا. وأما ما جاء عن أنس بأن القرآن لم يجمع إلا في حق أربعة، وعددهم، فهذا يحمل على عدة معان، إما يحمل على أن أنس إنما حدث بما يعلم، أو أن أنس إنما تكلم عن من قد تعلق بهم، أو أن هذا الأثر من مفهوم العدد، ومفهوم العدد لا مفهوم له، أي لا مفهوم للحصر منه. وكذلك يحمل على أن أنس إنما أراد من جمع القرآن حفظا وكتابة، أو أن أنس أراد من جمع القرآن مع قراءته، أو أن أنس أراد من أفصح، ومن فصح أفصح بأنه قد حفظ القرآن في عهد نبينا، فهاتيك كثير، إذا ماذا؟ فكلام أنس يحمل على معنى خاص، كلام أنس رضي الله تعالى عنه يحمل على معنى خاص. ويبقى الأصل لأن القراء قد حفظوا القرآن، ومنهم عدد كثير. قال رحمه الله تعالى: «المرحلة الثانية في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه في السنة الثانية عشر من الهجرة»، وسببه أنه قتل في وقعة اليمامة عدد كبير من القراء، منهم سالم مولى أبي حذيفة، أحد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن منهم، فأمر أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجمعه لئلا يضيع. ففي صحيح البخاري: «أن عمر بن الخطاب أشار إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بجمع القرآن بعد وقعة اليمامة»، ولماذا بعد هذه الوقعة؟ قد جاء التعليل: «لأن في وقعة اليمامة قتل من قتل من القراء النفر الكثير»، فخشي الصحابة اندراس القرآن وذهاب القرآن بذهاب حملته، فمن باب الأخذ بالأسباب طلب عمر وأشار عمر لأبي بكر أن يسارع إلى كتابة المصحف حتى لا يضيع، لأن كان جله محفوظا في الصدور، فخشي بموت حملة القرآن أن يذهب الكثير من القرآن. قال: «أشار على أبي بكر بجمع القرآن بعد وقعة اليمامة، فتوقف»، ولما توقف الصديق توقف لأنه ما أراد أن يفعل أمرا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، كان ذلك تعظيما لمقام النبي عليه الصلاة واتباعا لسنته، فما أراد الصديق أن يستحدث أمرا ما كان على عهده، فتوقف لذلك. قال: «فلم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لذلك»، فكان عمر -وهو الصحابي الملهم- لا زال بالصديق يشاوره ويحثه إلى هذا الصنيع حتى شرح الله صدر الصديق لهذا الأمر، فكان ما كان، أي بجمع المصحف. قال: «فأرسل إلى زيد بن ثابت فأتاه وعنده عمر، فقال له أو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك»، وهذه صفات عظيمة هي التي خولت زيد بن ثابت لأن ينصب بهذا المنصب العظيم، أن يتولى جمع المصحف، فلم يكن اختيار الصديق عشوائيا، لا، إنما كان لأمور توفرت في زيد بن ثابت. قال رضي الله تعالى: «إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله»، وأيضا هناك سبب آخر في زيد بن ثابت، وهو أن زيد بن ثابت كان من آخر من عرض المصحف على النبي عليه الصلاة والسلام، كان من آخر من عرض المصحف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة. فكانت هذه الأمور قد توفرت في زيد، لم تتوفر في غيره من القراء، فلذلك اختاره الصديق رضي الله تعالى عنه، قال: «وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه»، قال: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال»، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما، رواه البخاري مطولا. إذن هذه المرحلة الثانية -أخواني في الله- من مراحل جمع القرآن، وهي ما كان في عهد الصديق رضي الله تعالى عنه، أن الاعتماد كان على الكتابة، وذلك لخوف ذهاب من حمل المصحف في صدره، فاستشار الصديق رضي الله تعالى عنه، وطلب من زيد بن ثابت أن يتحمل جمع المصحف، فتحمله رضي الله تعالى عنهم. قال: «وقد وافق المسلمون أبا بكر على ذلك وعدوه من حسناته»، حتى قال علي رضي الله تعالى عنهم: «أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر»، أعظم الناس أجرا في المصاحف لهذا الجهد العظيم الذي بذله رضي الله تعالى عنه في حماية ورعاية كتاب الله سبحانه وتعالى. قال: «رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله سبحانه وتعالى»، وإن شاء الله ستأتي معنا المرحلة الثالثة، وتؤخر -إن شاء الله- لطولها ولمسائلها. فإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا للمشاهدة.