التعليق على الجواب الكافي 99

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم الذنوب وتكفيرها بالأعمال الصالحة

تناول المؤلف تقسيم الذنوب إلى كبار وصغائر مستنداً إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة، وأوضح أن الأعمال الصالحة تكفر الذنوب بدرجات متفاوتة. واختلف العلماء في تكفير الكبائر بين التوبة والأعمال الجليلة.

تعريف الكبائر وعددها وذكر أمثلتها

اختلف العلماء في عدد الكبائر، فمنهم من قال إن لها عدد معين يحصرها، ومنهم من قال إنها لا تحصر بعدد معين. وقد ذكر بعض العلماء أمثلة للكبائر منها الإشراك بالله والزنا والقتل وأكل الربا.

تعريف الكبائر والمؤلفات فيها

عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية الكبائر بأنها كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة. وقد ألف العلماء كتبا في الكبائر منها كتاب الذهبي وكتاب ابن النحاس "تنبيه الغافلين".

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبعه. فصل: الذنوب كبار وصغائر. وذكر المؤلف رحمه الله أن القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة على أن الذنوب كبار وصغائر. وذكر قول الله جل وعلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، فذكر الكبائر، وذكر سيئات، ومراد بها الصغائر. وقال: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». ثم ذكر الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: أحداها أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها، بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. أن هذه المكفرات تقتصر على الصغائر لضعفها، مثل الصلوات وغيرها. والأمر الثاني: أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر، مع أن تكفر الصغائر كلها، تقاومهم، ليس كالمرتبة الأولى تضعف عن بعضها. والدرجة الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر وتفيض فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. وهذا الذي ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله يتوافق مع المنقول. كما هو معلوم أن السلف والخلف حصل بينهم خلاف في مسألة تكفير الكبائر. فالجمهور عندهم أن الكبائر ما تكفرها إلا التوبة. لكن ذهب بعض العلماء إلى أن الكبائر لا تكفر بالتوبة فقط، بل هناك أعمال جليلة وعظيمة تكفر هذه الذنوب. وهذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا الذي ذهب إليه الإمام ابن القيم، على أن هناك أعمالا مكفرة لجميع الذنوب، وتقوى حتى أن تكفر الكبائر. ومن ذلك الحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وهذا لا يقال في الصغائر فقط، بل بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرجع بلا ذنوب مثل الطفل الذي يولد من بطن أمه. قال: «فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة». قالوا: في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور». وهذا الحديث حديث أبي بكرة، رواه عنه ابنه عبد الرحمن، ورواه عن عبد الرحمن جماعة من الرواة. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أكبر الكبائر، ومعنى ذلك أن هناك كبائر، وهناك أكبر الكبائر. قال: ورواه في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات». قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». هذا أخرجه الإمام البخاري في كتاب الوصايا، في باب قول الله عز وجل: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الحديث، عن أبي هريرة. وفيه أيضا: أن هناك من الكبائر ما هو موبقات مهلكات، «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندا وهو خلقك». قيل: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قيل: ثم أي؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك». وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من طرق، عن عبد الله بن مسعود. فدلت هذه الأحاديث على أن هناك كبائر موبقات، وكبائر من أكبر الكبائر، وهناك من أكبر الذنوب. ودل على أن الكبائر تتفاوت، وكذلك أيضا هناك صغائر. وهذه كبائر مهلكات، وهناك أيضا ما هو دونها من الصغائر. والكبائر أيضا تتفاوت. قال رحمه الله: بعد ذكر الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ الآية. قال: واختلف الناس في الكبائر: هل لها عدد يحصرها؟ على قولين. ثم الذين قالوا: يحصرها، اختلفوا في عددها. فهناك في هذه المسألة اختلف العلماء على قولين: هل الكبائر لها عدد معين يحصر هذه الكبائر أم لا؟ فعلى قولين: أي القول الأول أنها لها عدد يحصرها، والقول الثاني أنها ليس لها حصر. ثم قال: ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا في عددها. فقال عبد الله بن مسعود: هي أربع، وقال عبد الله بن عمر: هي سبع، مثل ما جاء في حديث به رضي الله عنه. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي تسع، وقال غيره: هي إحدى عشرة، قال آخرون: هي سبعون. وقال أبو طالب المكي، صاحب كتاب «القوت»: جمعتها من أقوال الصحابة، فوجدتها أربعة في القلب، وهي: الإشراك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وأربعة في اللسان، وهي: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر. وثلاثة في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. واثنتان في الفرج: الزنا واللواطة. واثنتان في اليدين: القتل والسرقة. وواحدة في الرجلين: الفرار من الزحف. وواحدة تتعلق بجميع الجسد: وهي عقوق الوالدين. قالوا: الذين لم يحصروها بعدد، منهم من قال: كل ما نهى الله عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو صغيرة. وهذا تفريق بعيد، لأنه لا فرق بين القرآن والسنة. قالوا: قال الطائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما لم يقترن به من ذلك شيء فهو صغيرة. وقيل: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة، وما لم يترتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة. وهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وابن عيينة. وكذلك جماعة من السلف، ومنهم الإمام ابن عباس. وهو قول ابن عباس أيضا، ثبت عنه بسنن صحيحة. فلهذا رجح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، ودلل عليه. وعلى أن الأقوال التي تقدمت فيها ما يطعن فيها من ناحية العلة والواقع. وأما هذا فهو من أفضلها: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا - من الحدود التي قدرها الشرع - أو وعيد في الآخرة، ويدخل فيه أيضا ما كان فيه لعن أو غضب أو عقوبة، فهو كبيرة. يعني: يدخل فيه هذا الذي قبله، ما كان فيه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة في الآخرة أو في الدنيا، فهذا أيضا يعتبر كبيرة. وما لم يكن فيه شيء من ذلك، فهو يعتبر صغيرا. فلهذا في الأدلة التي فيها وعيد أو غضب أو عقوبة - ومن العقوبات مثلا أيضا أن يجعل هذا تشبها بالشيطان أو تشبها بالكفار - فيدخل أيضا كذلك في الكبائر. قال رحمه الله: وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. وهذا بعيد جدا، لأنه هناك من الكبائر أو من الأمور العظيمة التي لم تكن محرمة في شرائع سابقة. قد ألف العلماء في الكبائر. ألف الخطيب البغدادي جزءا في الكبائر. وألف أيضا العلامة الكبير أبو بكر البرقي كتابا في الكبائر. أو ما روى النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر. ألف جزءا سماه: «ما روى الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر». قد ألحقه مشهور بن حسن في كتاب «الكبائر» للذهبي. وكذلك منظومة الشيخ العلامة الحجاوي الفقيه، صاحب كتاب «منتهى الإرادات» أوله في فقه الحنابلة، له منظومة في الكبائر. وكذلك أيضا لابن القيم له كتاب ذكره بعضهم في الكبائر. قد ذكر في «إعلام الموقعين» أكثر من مئة كبيرة. وكذلك الإمام الذهبي اشتهر كتابه «الكبائر»، لكن الكبائر المتداول الذي تداوله كثير من الناس، الظاهر أنه غير صحيح، أو أنه نفسه، لكن بعضهم زاد عليه، لأنه قد ذكرت فيه أحاديث موضوعة وباطلة، قد بينها الذهبي نفسه في «الميزان». فالظاهر أن إنسانا أدخل في كتاب «الكبائر» للذهبي هذه الموضوعات. ولهذا صار بين الناس وانتشر بين الناس أنه للذهبي. لكن أول من نشر الكتاب الصحيح الذي للذهبي - وإن كان فيه بعض الأحاديث الضعيفة - لكن ليست فيه أحاديث موضوعة. وكذلك مسألة العزو في كتاب «الكبائر» للذهبي الصحيح، فيه عزو للأحاديث. وأما هذا الذي هو متداول فليس فيه عزو للأحاديث. ولهذا أول من نشر الكتاب الصحيح «الكبائر» للذهبي هو شيخ محي الدين بن عبد الحميد، صاحب «تحفة السنية». نشر كتاب «الكبائر» الصحيح للذهبي. ومن ثم اعتنى به مشهور حسن وأخرجه وحققه، وهو من أفضل ما ألف في الكبائر. وألف ابن النحاس «تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين» وأبدع فيه في تقسيمه، لكنه ذكر فيه أحاديث موضوعة وقصصا لا تثبت. والله تعالى أعلم.