الدرس في التعليق على الجواب الكافي 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الأبرار في نعيم في الدنيا والآخرة بسبب سلامة القلب ومعرفة الله، بينما الفجار في جحيم وضيق بسبب الشرك والغل والحسد. نعيم الأبرار يأتي من محبة الله ومعرفته.
الصراط المستقيم يتطلب علوما وإرادات وأعمالا وتروكا، والسلامة من الشرك والبدعة والشهوة. العبد يحتاج إلى سؤال الله الهداية إليه بفضله ورحمته.
الصراط في الدنيا هو الطريق المستقيم الذي يدعو إليه الله، وفي الآخرة هو الجسر على جهنم. قوة الإيمان والطاعة في الدنيا تحدد سرعة المرور عليه يوم القيامة.
الدنيا مزرعة للآخرة، ومصير الناس في الآخرة يتحدد بإيمانهم وأعمالهم في الدنيا. الخروج عن الصراط المستقيم عقوبته عظيمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلاة السلام، وصلاة السلام. وبعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: بعدما ذكر ما يكتم على القلوب، وما أيضا العقوبات التي تكون على القلب، ذكر منها المعيشة الضنكة، وأن الإنسان إذا خرج من هذه المعيشة الضنكة صار في جنة في الدنيا والآخرة. قال رحمه الله: ولا تظن أن قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة -يعني دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة-، وأولئك في الجحيم في دار الدنيا بسبب الضيق الذي يجدونه في صدورهم. ولهذا تجد أن الانتحار عند الكفار كثيرا ينتحرون، وبعض المسلمين مثلا الذي يجد الضيق بسبب المعاصي والذنوب، فبعضهم الذي يقل إيمانه أو قد يكون مرتدا غالبا يفعل هذا. وإلا غالبا من أهل الإسلام من يكون قلبه فيه طمأنينة، فيه شيء وهو الرجوع إلى الله جل وعلا، يعلم أن هذا لا يجوز أن يقتل نفسه، وأن الله عز وجل رحيم سبحانه وتعالى به وكريم به، فلهذا تجد أنه يقل الانتحار عند المسلمين ويكثر عند الكفار بسبب ما يجدونه من الضيق في صدورهم. ولهذا يبحثون عن لذات ويتنوعون في لذات الدنيا حتى يتحصلوا على شيء من هذا النعيم أو من الطمأنينة والراحة في قلوبهم. قال رحمه الله: وإي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته. وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ ولهذا كما قال الله عز وجل: ﴿أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾. قال شيخ الإسلام: أن هذه الآية المراد بها حياة القلب وظلمته وموته. أو من كان ميتا فأحييناه، أي أحيا الله عز وجل قلبه، فالحياة الحقيقية هي حياة القلب. قال رحمه الله: قد أثنى الله سبحانه وتعالى على خليله عليه السلام بسلامة القلب، فقال: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾، وقال حاكيا عنه أنه قال: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. قال: والقلب السليم هو الذي سليم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسليم من كل آفة تبعده عن الله. يعني هذه أعظم الآفات، الشرك بالله أعظمها، ثم الغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، هذه الأشياء ما منها من شيء يقع في قلب العبد إلا ويصرفه عن الله ويبعده عن الله. قال: فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره -أي تعارض أمر الله جل وعلا-، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله. فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة البرزخ، وفي جنة يوم المعاد، فهو سليم في الدور الثلاث. ومعنى ذلك أنه يجد هذه الجنة في الدور الثلاث. قال: ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص. ومعنى هذه الخمسة حجوب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادا لا تنحصر. الشرك والبدعة والشهوة والغفلة والهوى، هذه مضلات أو أصول الضلال. فإن سلم منها العبد فهو في خير عظيم. قال: ولذلك اشتد حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله عز وجل أن يهديه الصراط المستقيم. فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع منها. فإن الصراط المستقيم يتضمن علوما وإرادات وأعمالا وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت. فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها. عن الصراط المستقيم هناك أشياء تكون عليه وأعمال وتروك، فيصف هذه الأشياء بمثل أنه لا يقع في شيء من هذه الخمس الأشياء. فمن وفى بذلك فهو على الصراط المستقيم، ودخوله في شيء من هذه الأشياء فبحسبه. إلا الشرك بالله جل وعلا فإنه يخرجه تماما عن الصراط المستقيم. قال: وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه -أي في دخوله في الصراط المستقيم مما ينبغي عليه أن يفعله-. قال: وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه. أو قال: قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه وهو على الصراط المستقيم، وإن عجز عنه. وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده كسلا وتهاونا أو لقيام مانع وغير ذلك. وهذا هو السائر في الطريق، لكنه تأتي هذه العوارض وتعترض أمامه. وحيانا يكون الجهل أيضا بما يصلح لهذه الطريق وما يتزود به في هذه الطريق. قال: وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله. وما يفعله قد يقوم بشروط الإخلاص فيه وقد لا يقوم. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم. وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه. وهذا كله واقع، سار في الحق فمستقل ومستكثر. فهذا حاصل وبحسب علم الناس وأعمالهم. قال: وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك كله، بل متى وكل إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك كله. عن أبيه، قال: وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم، فأعادهم إلى طباعهم وما جبلت عليه نفوسهم من الجهل والظلم والغى. والله تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره وأمره ونهيه، فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته، ويجعل الهداية حيث تصلح، ويصرف من يشاء عن صراط مستقيم بعدله وحكمته. لأن أفعال الله عز وجل كلها حكمة، فهو يضل بعدله جل وعلا وحكمته سبحانه وتعالى، بعدما أرسل الرسل وأنزل الكتب. فكما جاء في الحديث: «لا أحد أحب إليه العذر من الله». ولهذا أرسل الرسل، حب العذر أي أن يقيم الحجة على عباده وعلى خلقه. قال رحمه الله: وذلك موجب الصراط المستقيم الذي هو عليه. فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إليه، فهو على صراط مستقيم. فالصراط الأول الصراط المعنوي، والصراط الثاني هو الصراط الحسي الذي يكون يوم القيامة، ينصبه الله عز وجل على شفير جهنم. ونصب لعباده من أمره صراطا مستقيما من دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا. قال: وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا. ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه. قال: فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقام عليه في الدنيا. فأراد أن يبين الإمام ابن القيم أن من مشى في هذا الصراط على مشي صحيح فهو سيمشي في ذلك الصراط مشيا صحيحا. ومن التوى في هذا الصراط وذهب يمينا وشمالا فإنه لا يستطيع أن يمر في ذلك الصراط الذي ينصب على جهنم. قال: وجعل نور المؤمنين به وبرسوله وبما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورا ظاهرا لهم يسعى بين أيديهم. هذا النور الذي يكون على الصراط هو إيمانهم وطاعتهم في الدنيا. ولهذا المنافقون لما كان في قلبهم إسلام دخلوا الإسلام لكن نافقوا، فيعطيهم الله عز وجل نورا ثم يطفأ، فيلتمسون نورا فلا يجدون شيئا. يأتون إلى أهل الإيمان ويقولون: «ألم نكن معكم؟» قالوا: «بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، وغركم بالله الغرور». وقال الله عز وجل: ﴿قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾. فكما قال ابن مسعود وابن عباس: يرجعون إلى المكان الذي أخذوا منه النور فلا يجدون شيئا. معهم يدخلون الصراط بلا نور، ولا شك أن الصراط في ظلمة، وكذلك مزلق، وفي كلاليب. فكيف يستطيعون أن يمشوا في ذلك الصراط وهم بلا نور؟ قال: كما حفظ عليهم الإيمان به حتى لقوه، وأطفئ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه كما أطفئ من قلوبهم في الدنيا. قال: وقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كالكلاليب وحسكا تخطفهم كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليهم. فهذه الأعراض وهذه الأهواء كما أنها خطفت الناس في الدنيا، فهي كلاليب يوم القيامة وحسكا تخطفهم كذلك بما تركوا من هذه الأعمال وبما انحرفوا عن الصراط. قال: وجعل قوة سيرهم وسرعتهم عليه على قدر سيرهم وسرعتهم إليه في الدنيا. قال: ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا، وحرم من الشرب منه هناك من حرم نفسه من الشرب من شرعه ودينه ها هنا. وهذا تمثيل عظيم يمثل به الإمام ابن القيم أمر الآخرة وأنه موجود في الدنيا. قال: فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين، تعلم حينئذ علما يقينا لا شك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها، وأن موذجها، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما. فمن أعظم عقوبات الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة. وبالله التوفيق.