الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد هذا المحور انطلاق النبي صلى الله عليه وسلم على البراق واستصعابه ثم تهدئة جبريل له، ومروره بمشاهد ترمز للدنيا وإبليس، حتى وصوله إلى بيت المقدس حيث رُفع له المسجد وعرف أوصافه، ولقاؤه بالأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى وترحيبهم به.
يتناول هذا المحور تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين أوعية من الخمر والماء واللبن في بيت المقدس، فاختار اللبن فأقره جبريل على الفطرة، ثم أمّ الأنبياء جميعاً في الصلاة تلك الليلة، ولقاؤه بمالك خازن النار.
يخصص هذا المحور لدراسة أسانيد روايات الإسراء، مبيناً ضعف بعضها كرواية الوساوسي ورواية عبد العزيز بن عمران بن مقلاص في تفصيل رؤية الأنبياء والعجوز وإبليس، ومقارنتها بالصحيح كرواية مسلم عن أبي هريرة، مع تأكيد تصديق أبي بكر الصديق للحدث.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة الذهبي رحمه الله: وقال يونس عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أُدِيَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به إلى إيلياء، وإيلياء معناه فلسطين في بيت المقدس. قُدِّمَ له قدحان: قدح من خمر وقدح من لبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غوت أمتك. متفق عليه. هذا، والصحيح أنه جيء له بقدحين من خمر ولبن، وليس كما تقدم في بعض الروايات أنه عسل ولبن. قال رحمه الله: قرأت على القاضي سليمان بن حمد، وقال: أخبركم محمد بن عبد الواحد الحافظ وهو المقدسي، قال: أخبرنا الفضل بن حسين، قال: أنبأنا علي بن حسن الموازيني، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، قال: أنبأنا يوسف القاضي، قال: أنبأنا أبو يعلى التميمي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الوساوسي. والوساوسي هذا منكر الحديث، فيه ضعف، وهو شامي. قال: حدثنا ضمرة وابن حبيب عن يحيى بن أبي عمر الشيباني، إنما هو السيناني، يحيى بن عمر السيناني، عن أبي صالح مولى أم هاني عن أم هاني قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم بغلس، أم هاني بنت أبي طالب، قالت: وأنا على فراشي، فقال: شعرت أني نمت الليلة في المسجد الحرام، فأتى جبريل فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض فوق الحمار، فهي هنا جعل أنها بيضاء اللون، دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، مضطرب الأذنين، فركبته، وكان يضرع فره مد بصره. ثم ذكر حديثا فيه نكار، أشياخه منكرة، قال: وهو حديث غريب، الوساوسي الضعيف تفرد به هذا السياق، تفرد به الوساوسي وهو ضعيف، فهو حديث منكر. وقال مسلم: حدثنا محمد بن رافع القشيري، قال: حدثنا حجين بن المثنى، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة وهو الماجشون، قال: عن عبد الله بن فضل الهاشمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي. وقد جاء في السيرة، في سيرة ابن إسحاق، ويسناده لا بأس، أن أبا جهل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ما معك يا محمد؟ فقال: قد أسري بي. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قال: وأصبحت عندنا وبين أظهرنا؟ فقال: بلى. قال: إني سأخبر أهل النادي. قال: أخبرهم. فلما أخبرهم جاءوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الحجر، فكان يسألونه عن أشياء من بيت المقدس فكان يجيبهم، ثم أنه سألوا عن أشياء لم تكن معه أو نسيها، قال: فكربت كربا ما كربت مثله قط، فأصاب النبي صلى الله عليه وسلم مخافة أن يكذبوه هؤلاء الكفار، قال: فرفعه الله لي، أي رفع المسجد، أنظر إليه، ما يسألون عن شيء إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد، أن الضرب أي خفيف اللحم، معناه أنه ليس بالسمين، إنما هو خفيف، جعد أي شعر، كأنه من رجال شنوءة، شنوءة رجال شنوءة هم من الأزد، من الأزد من اليمن. قال: وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي. وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه، أي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال لي: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام. وقد رواه مسلم أيضا عن جابر مختصرا، وهذا الحديث كما ذكر في مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى هؤلاء الأنبياء الذين سماهم، بل وهناك من الملائكة من حضر، ومنهم مالك صاحب النار. قال: حدثنا عن عقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة، قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه. سرّجاه، وعن أن أبا سلمة حدث بهذا الحديث عن جابر مختصرا، وعن أبي هريرة مطولا. وقال إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: يقول إن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم وموسى وعيسى، ثم أخبر أنه أسري به، فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه، وذكر الحديث. هذا مرسل، لكن قد تقدم أنه صحيح أنه لقي إبراهيم وموسى وعيسى. وقال محمد بن كثير المصيصي وهو الثقفي، قال: حدثنا معمر بن راشد، أبو عروة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن آمن، أنا بسبب هذه الشبهة، يقولون: انظروا كيف يقول أنه ذهب إلى الشام ورجع، فارتد بعض الناس، وسعوا إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: وقال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: وتصدقه؟ قال: إني لأصدق بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. قال: فلذلك سُمّي يا أبا بكر الصديق. وهذا الإسناد إسناد صحيح، وإن كان محمد بن كثير العبد أو المصيصي العبد المصيصي قيل فيه شيء، لكنه ثقة في الجملة، وقد أخرج هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله وقال: صحيح الإسناد، لم يخرجاه. قال رحمه الله: قال معتمر بن سليمان التيمي عن نبيه أنه سمع أنساً يقول: حدثني بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي عليه الصلاة والسلام ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره، وذكر الحديث. وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في الصحيح. وقال عبد العزيز بن عمران بن مقلاص الفقيه ويونس وغيرهما: قال حدثنا ابن وهب، أي عبد الله بن وهب، قال: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن نبيه، يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن نبيه وهو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: عن عبد الرحمن بن الحارث بن عتبة بن أبي وقاص عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فكأنها أمرت ذنبها، فقال لها جبريل: مه، ما هي براق، والله إن ركبك مثله على ما أحد، ركبك مثل رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وقد صح كما تقدم معنا أنها استصعبت على رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم في ركوبها. وذكر الذهبي أو ذكر بعض أهل السير بعض الأسباب التي جعلت البراق يستصعب. قال: وسار رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: الدنيا يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق، قل: هلما يا محمد، فقال جبريل: سر يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقيه خلق من الخلق، فقالوا: السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فرد السلام. فانتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فتناول اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك. قال: ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمهم رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم تلك الليلة. ثم قال له جبريل: أما العجوز فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى. وهذا الحديث فيه نكارة، فعبد العزيز بن عمران بن مقلاص فيه شيء في حفظه، ولكن أكثره قد مر، معنى رؤية الأنبياء صحيحة، رؤية الأنبياء صحيحة، أما ما ذكر من العجوز ومن إبليس فهذا ما ذكر في هذه الرواية، والله أعلم. إن شاء الله نكتفي بهذا.