شرح مختصر سيرة الرسول 115

شرح مختصر سيرة الرسول 115

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 115، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معركة خالد بن الوليد ضد طليحة الأسدي وكشف ادعاء النبوة

في قتال الردة حاصر خالد بن الوليد طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة، وبينما كان طليحة مغطى بكساء ينتظر الوحي سخر منه عيينة بن حصن وجذبه بشدة. أدى هذا الموقف إلى كشف كذب طليحة وانهيار معنويات جيشه المرتد.

هزيمة طليحة الأسدي وفراره إلى الشام واستشهاد عكاشة وثابت

اكتشف عيينة بن حصن كذب طليحة فانسحبت قبيلة فزارة وأُسر عيينة، بينما فر طليحة إلى الشام بعد انهيار أتباعه. لاحق الصحابيان عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليحة فقتلا شهيدين، وأمر خالد جيشه بالشدّة في ملاحقة فلول المرتدين.

واقعة بزاخة ومناقشة رواية حرق خالد للأسارى

يسرد المقطع أحداث معركة بزاخة مع طليحة الأسدي، ويذكر رواية تفيد بأن خالد بن الوليد أحرق أسارى من المرتدين في حظائر نار. ثم يناقش ضعف هذه الرواية لرواتها كالواقدي، ويستشهد بالحديث النبوي الناهي عن التعذيب بالنار، ويختتم برواية ابن عمر عن الغنائم في تلك الغزوة.

نتائج حروب الردة وانتصار معسكر الإسلام

أيد الله المسلمين فانتصروا في حروب الردة، فعاد بعض المرتدين إلى الإسلام بينما قُتل من أصر على ردته وكفره. كان هذا الانتصار حاسماً في تثبيت دعائم الدولة الإسلامية الناشئة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فلا نزال في قتال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في قتال أهل الردة. وآخر ما أخذنا مسيرته رضي الله عنه إلى بزاخة وغيرها، فانتهينا إلى قتال خالد لطليحة الأسدي المدعي للنبوة، وما صار بين معسكري الإسلام ومعسكر الردة من قتال. وقفنا عند قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "ولما اشتد القتال" أي: بين المسلمين وأصحاب طليحة، تزمل طليحة بكساء له، يعني: تغطى والتفى بثوب، وهم ينتظرون أن ينزل عليه الوحي؛ لأنه ادعى النبوة، فهو على هذا الوصف يوحى إليه. فلما طال ذلك على أصحابه، يعني: ما أنزل إليه شيء؛ لأنه دجال كذاب، وهدتهم الحرب، يعني: اشتدت عليهم، جعل عيينة يقاتل ويذمر الناس، يعني: يقاتل مع طليحة ويأس الناس أو يحطم الناس عن القتال. حتى إذا ألح المسلمون عليهم السيف، أي: اشتد الضرب على قوم طليحة، أتى طليحةَ أيُّ عيينةَ، وهو في كساءه، ما زال مسكينًا منتظر الوحي مغطى بهذا الثوب. فقال: "لا أبى لك، هل أتاك جبريل بعد؟" يعني: إلى متى وأنت متغطى؟ هل جاء إليك جبريل بشيء من الوحي؟ قال: "لا والله، ما فيه، إنه كذب". قال: "تبًا لك سائر اليوم". ثم رجع عيينة فقاتل، وجعل يحضن أصحابه على القتال، يعني: شجعهم عليه، وقد ضجوا من وقع السيوف، يعني: صاحوا من كثرة ضرب المسلمين عليهم. قال: "فلما طال ذلك عليهم جاء إلى طليحة وهو متلفف بكساء، لا يزال هو في الكساء منتظر الوحي، قال: فجبذه جبذة شديدة جلس منها". فجبذه، أي: جذبه جذبة شديدة حتى جلس طليحة، وقال: "قبح الله هذه من نبوة، ما قيل لك بعد شيء إلى الآن، ما أنزل إليك شيء". قال: "بلى، قد قيل لي". عيينة: "إن ذلك رحًا كرحًا وأمرًا لن تنساه". فاستغرب عيينة من هذا القول، وعلم أنه من رأسه وليس من الوحي، فقال عيينة: "أظن أن قد علم الله أنه سيكون لك حديث لن تنساه يا بني فزارة". هكذا، وأشار تحت الشمس: "انصرفوا، هذا والله كذاب". عرف كذبه وأنه لا يوحى إليه، وليس هو بنبي ولا شيء من ذلك. قال: "ما بورك لنا ولا له فيما يطلب"، أي: النبوة. فانصرفت فزارة، وذهب عيينة وأخوه في آثارهما، يعني: ذهب الناس يتتبعون عيينة وأخاه، وأدرك عيينة فأسر، يعني: أدركه المسلمون فأسره، وأفلت أخوه، أي: هرب. ولما رأت ليحة ما فعل أصحابه خرج منهزمًا، فجعل أصحابه يقولون: "ماذا تأمرنا؟" يريدون المشورة أو يريدون التصرف من هذا الدجال. "فماذا تأمرنا؟" وقد كان أعد فرسه، يعني: جهز فرسه، وهي أمرأته، فوثب على فرسه، أي: ركب عليه، وحمل امرأته وراءه، ثم ولّى هاربًا. هرب طليحة وقال: "من استطاع منكم أن يفعل هكذا فليفعل"، يعني: من استطاع منكم أن يهرب فليهرب. ثم هرب حتى قدم الشام. وذكر هذا كله الله أعلم، يعني: أصل القصة صحيحة، لكن هذه التفاصيل جاءت بمراسيل ومقطعات، الله أعلم بها. قال: "وذكر" ولذلك جاء هنا، أو ذكر شيخ الإسلام ما سيأتي بصيغة التمريض بقوله: "وُذكر"، المشعرة بالتضعيف. قال: "وُذكر أنه قال لأصحابه لما رأى انهزامهم: ويلكم، ما يهزمكم؟" فقال له رجل: "أنا أخبرك، إنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن صاحبه يموت قبله"، يعني: أنهم يتسابقون إلى الموت من أجله. "وإن نلقى قومًا كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه"، يعنون: الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: "وَلَمَّا وَلَّى طُلَيْحَةُ هَارِبَةُ تَبِعَهُ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصِنِ وَثَابِتِ بْنُ أَقْرَمُ، وَكَانَ طُلَيْحَةُ قَدْ أَعْطَى عَهْدًا أَنْ لَا يَسْأَلَهُ أَحَدٌ أَنْ نُّزُولُ إِلَّا فَعَلْ، فَلَمَّا أَدْبَرَ نَادَاهُ عُكَاشَةُ بْنُ مُحْصِنِ: يَا طُلَيْحَةُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ"، يعني: رجع إليه، فقتل عكاشةَ طليحةُ، ثم أدركه ثابت فقتله أيضًا طليحةُ. ثم لحق المسلمون أصحاب طليحة فقتلوا وأسروا، وصاح خالد: "لا يطبخن رجل قدرًا ولا يسخن ماء إلا وأذفيته رأس رجل". الأثافي: هي الأحجار التي تنصب عليها أو ينصب عليها القدر. تعرفون القدر، لما يراد التسخين تحته توضع أحجار حتى يستقل فوقها ويستقر فوقها، والنار تكون تحت. فمعنى كلام خالد: أنكم اقتلوا هؤلاء وجزوا رؤوسهم، فاجعلوها بدلًا من الحصى، الحصى الذي يوضع تحت القدور. قال: "وتلطف رجل من بني أسد حتى وثب على عجز راحلة خالد، يعني: مؤخرة راحلة خالد، فقال: أنشيدك الله أن لا يكون هلاك مضر على يدك يا خالد، حكمك في بني أسد"، يعني: ترفق بهم. فنادى خالد: "من قام فهو آمن". فقام الناس كلهم، وسمعت بذلك بنو عامر فأعلنوا الإسلام. وأمر خالد بالحظائر أن تبنى، ثم أوقد فيها النار. وقلنا: هذا التفصيل الله أعلم به، ويستبعد أن يفعل ذلك خالد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يعذب بالنار إلا رب النار». وهكذا، إن وقع منه ذلك، فيحمل على أنه لم يبلغه ذلك الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الأول هو أقرب؛ لأن هذا التفصيل لم يرد بأسانيد ثابتة صحيحة. قال: "ثم أوقد فيها النار، ثم أمر بالأسارى فألقيت فيها، وألقي فيها يومئذ حامي ابن سبيع الذي استعمله رسول الله على صدقات قومه، وأخذت أم طليحة فعرض عليها الإسلام، فوثبت وأخذت فحمة من النار وهي تقول: يا موت عم صباحا كافحته كفاحا إذ لم أجد براحا يعني: أسجعت وأبت الإسلام. وذكر الواقدي أن خالدًا جمع الأسارى في الحفائر ثم أضرمها، والواقدي متكلم فيه، بل بعضهم اتهمه بالكذب. قال: وذكر الواقدي أن خالدًا جمع الأسارى في الحضائر ثم أضرمها عليهم فاحترقوا أحياء، ولم يحرق أحدًا من فزارة. وهذا الله أعلم به، والأقرب أنه لا يصح. قيل لبعض أهل العلم: لما حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ فقال: بلغته عنهم مقالة سيئة، وثبتوا على ردتهم. وهذه المقالة السيئة قيل: إنه ادعاء النبوة وسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعاملهم هذه المعاملة. وعن ابن عمر قال: شهدت بزاخة هذا القتال مع هذه القبيلة مع خالد، فأظفَرنا الله على طليحة، وكنا كلما أغرنا على قوم سبينا الذراري واقتسمنا الأموال، فهذه هي الغنيمة في حرب أولئك. فنصر الله معسكر الإسلام، ورجع من رجع من أهل الردة، وقتل من قتل ممن أصر وأبى على ردته وكفره. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر