الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 114، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
سار خالد بن الوليد إلى بزاخة برفقة عدي بن حاتم وألف من قومه، فخشي ارتداد بطن جديلة من طيء. تدخل مكنف بن زيد الخيل وكلام عدي بن حاتم فكسر عزيمتهم، فدعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا دون قتال.
دخلت قبيلة طيء في الإسلام طواعيةً وقبل خالد اعتذارهم دون تعنيف. نظم خالد الجيش بوضع المهاجرين والأنصار في المقدمة واستخدم العيون لمراقبة الصلاة حتى وصل إلى طليحة الأسد مدعي النبوة.
دعا خالد طليحة الأسدي إلى الإسلام فرفض، ولجأ طليحة لحيلة بإرسال عيون ليوهم أتباعه بعلم الغيب. بدأت المعركة بهجوم أربعين غلاماً أربكوا صفوف المسلمين، فثبت خالد وحمل على القوم فاختلطت الصفوف.
رفض خالد الاحتماء بالجبلين واقتحم صفوف العدو حتى قُتل الأربعون رجلاً. أُسر حبال بن أبي حبال وأبى الإرسال إلى أبي بكر فطلب ضرب عنقه فضُربت عنقه، وانتهى الدرس على أن يكمل لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فما زلنا في كتاب "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في ذكر أحداث أصحاب الردة التي وقعت في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقد وقفنا عند خروج أبي بكر بالجيش، وكذلك اعتراض الصحابة على أبي بكر في الخروج في هذه الحروب. فأمر أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "ذكر مسير خالد إلى بزاخة وغيرها". يعني بدأ خالد فيمن صحة تعبير تمشيط القرى والبلاد، كي ينظر المرتدين فيدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى القتال حتى يرجعوا إلى الإسلام. وقوله: "إلى بزاخة"، بزاخة هو اسم موضع فيه ماء في البحرين، في البحرين وهي جهة اليمامة وغيرها. وأصل هذه القصة التي سيذكرها في صحيح البخاري، لكن فيها زيادات، وفيها كذلك أحداث لم تصح بالسند الصحيح، بل هي مراسيل ومقطعات ونحو ذلك، ولكن يذكر ذلك أهل السير لأنهم تناقلوها في كتبهم، فنحذر من أخذها على عجرها وبجرها. قال: وَلَمَّا سَارَ خَالِدٌ إِلَى بُزَاخَةَ كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ مَعَهُ. وعدي بن حاتم كما تقدم معنا هو من أشراف طيء، فهو ابن حاتم من الطائي الكريم المعروف. قال: "كان عدي بن حاتم معه، وقد انضم إليه من طيء ألف، فنزلوا بزاخة". يعني هذا الموضع كي يقاتلوا مع المسلمين. قال: "وكانت جديلة معرضة عن الإسلام"، يعني عندها شيء من الردة، وهي بطن من طيء، بطن يقال له جديلة من طيء، عندها شيء من الردة والإعراض عن الإسلام. قال: "وكان عدي بن حاتم رضي الله عنه من الغوث"، ومعنى "من الغوث" يعني ممن ناصر المسلمين وأغاث المسلمين بالقتال معهم مع المسلمين. قال: "وقد همت جديلة أن ترتد، فجاءهم مكنف بن زيد الخيل"، يعني رجل منهم، فقال: "أتريدون أن تصيروا أو أن تصيروا سبة على قومكم؟ إذا ارتدتم وأعرضتم ستكونون محل سب وشتم من قبل قومكم". قال: "ولم يرجع رجل واحد من طيء"، وهذا وهذا عدي معه ألف رجل من طيء فكسرهم. يعني قال لهم هذا الرجل، لا يزال كلام مكنف بن زيد، قال لهؤلاء جديلة: قال لهم: "أتريدون أن تصيروا سبة أو سبة على قومكم؟" ولم يرجع رجل واحد من طيء، يعني أصحاب قبيلة طيء لم يرتدوا إلا أنتم، وهذا عدي معه ألف رجل من طيء، يعني عدي بن حاتم الطائي منهم لكن من بطن آخر. قال: "فكسرهم"، يعني بكلامه هذا قلل من عزمهم وهمهم بالارتداد، فكسرهم. قال: "فلما نزل خالد بزاخة قال لعدي: ألا نسير إلى جديلة؟" نذهب إلى هذا الفخذ وهذا البطن. قال: "يا أبا سليمان"، وهذه كنية خالد بن الوليد، يكنى بأبي سليمان. فقال: "يا أبا سليمان، أقاتل معك بيدين أحب إليك أم بيد واحدة؟ أقاتل معك بيدين أحب إليك أم بيد واحدة؟" يعني هل تريد أن أقاتل قتالاً كاملاً قتالاً شديداً بيدين، أو قتال شيء من القتال بيد واحدة؟ فلا شك أن خالد ماذا قال له؟ قال له: "بل يدين، تقاتل معي بيدين". قال: "أي عدي لخالد، فإن جذيلة إحدى يدي، يعني هم مني وأنا منهم، فكف عنهم"، يعني اجعل شأنهم، اجعل شأنهم لي، أنا سأتفاهم معهم دون قتال ودون هجوم عليهم. قال: "فكف عنهم"، فكف عنهم. قال: "فجاءهم عدي فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا دون قتال ولا كذلك"، يعني هجوم ولا شيء من ذلك. وهذا هو مقصد الإسلام: أسلم تسلم، يدعون أولاً إلى الإسلام، فإن قبل المدعو فالحمد لله، هذا هو مقصد أهل الإسلام أن يدخل الناس في دين الله، فإن دخلوا فهذا مبتغاهم وهذه غايتهم، وإن أبوا فالقتال، لم يكونوا من أهل الكتاب، وإن كانوا من أهل الكتاب فيدعونهم إلى دفع الجزية. قال: "فأسلموا، فحمد الله وسار بهم إلى خالد، فلما رآهم صاح في أصحابه: السلاح". يعني خاف خالد أن جذيلة جاءت محاربة. قال: "فلما جاءوا حلوا ناحية"، يعني نزلوا في جهة من الجيش. فجاءهم خالد ورحب بهم، عرف أنهم جاءوا طوعاً وجاءوا مسلمين. قال: "ورحب بهم، فاعتذروا إليه وقالوا: نحن لك حيث شئت، فجزاهم خيراً". يعني قال لهم: جزاكم الله خيراً. انظر إلى رحمة الإسلام، ما عاتبهم وما رد اعتذارهم. وهكذا من تاب ورجع، سواء كان من الكفر إلى الإسلام، أو من البدع والضلال إلى السنة والهداية، أو نحو ذلك، فأهل الحق يفرحون بمن يرجع إلى الحق والجادة، يفرحون فرحاً شديداً، ولا يردون تائباً، لأن الله عز وجل لا يرد تائباً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾. فأهل الحق يحبون ما يحب الله، فمن جاء تائباً قبل، فلا يُعنف ولا كذلك يُعاتب، وإنما يُقبل ويرحب به. فانظر إلى خالد لما اعتذروا إليه وقالوا: نحن لك حيث شئت، فجزاهم خيراً. فلم يرتد من طيء رجل واحد، كل أهل طيء على الإسلام. قال: "فسار خالد على تعبئته"، يعني على تعبئة الجيش والمضي إلى بقية القرى والقبائل، فمن أسلم فهذا هو الغاية التي أرادها المسلمون، وإن أبوا فالقتال. فسار خالد على تعبئته، وطلب إليه عدي أن يجعل قومه مقدمة أصحابه، يعني أن يجعل قبيلته قبيلة طيء المقدمة، مقدمة الجيش. ولا شك أن الخطورة تكون على أهل المقدمة، لما يكون المقاتل في الصفوف الأول من الجيش في المواجهة، لا شك أنه عرضة لهجوم العدو، فهذا أخطر ما يكون. انظر إلى تدافع الصحابة لنصرة هذا الدين، ما عندهم جبن ولا خور. فطلب عدي أن يجعل قومه مقدمة أصحابه في مقدمة الجيش. فقال أي خالد بن الوليد: "أخاف أن أقدمهم فإذا ألجمهم القتال انكشفوا"، يعني اشتد عليهم القتال، اشتد عليهم القتال انكشفوا، بمعنى لم يثبتوا ولم يجتمعوا وتفرقوا. قال: "فانكشف فانكشف من معنا"، لأن من كان في المقدمة هو كالحصن والمترس لبقية الجيش الذين خلفه. فقال: "فانكشف من معنا، ولكن دعني أقدم قوماً صبراً لهم سوابق". فقال عدي: "الرأي ما رأيت"، فقدم المهاجرين والأنصار، لأن المهاجرين والأنصار قد جربوا الحروب وصبروا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوات كثيرة في مواجهة العدو، فوصفهم خالد بأنهم قوم صبر، وصبراً بمعنى أهل صبر وتجلد، ولهم سوابق، يعني خاضوا معارك سابقة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فبينت الوقائع مدى صبرهم وتفانيهم وشدة بأسهم ونحو ذلك. قال: "فقال عدي: فلم يزل يقدم الطلائع منذ خرج من بقعاء". وبقعاء هي منطقة معروفة من بلاد طيء، تبعد من حائل مئة كيلو تقريباً، تبعد من حائل مئة كيلو تقريباً، يقال لها بقعاء. "فلما خرج من بقعاء حتى قدم اليمامة، وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا بهم عند مواقيت الصلاة بالأذان لها، فيكون ذلك دليلاً على إسلامهم". وقوله: "وأمر عيونه"، أي جواسيسه، فكان يبث الجواسيس لينظروا أي القرى وأي البلد التي تركت الإسلام ولم تبقى على تعاليمه وعلى شعائره وأركانه، وكانوا يعرفون ذلك عند مواقيت الصلاة، فإذا سمعوا الأذان فهذا دليل على إسلام أهل هذه البلد، وإن لم يسمعوا أذاناً فهذا دليل على ارتدادهم. قال: "فلما انتهوا إلى طليحة الأسد، وهو ممن ادعى النبوة، وكان له أنصاراً، كان له أنصار وأتباع". فلما جاءوا إليه وجدوه وقد ضربت له قبة، يعني خيمة، وأصحابه حوله، يعني عنده يحرسونه ويكونون معه. قال: "فضرب خالد خيام عسكره على ميل أو نحوه"، يعني مسافة ليس ببعيدة منه من طليحة، "وخرج يسير على فرس، خرج وحده ومعه نفر من الصحابة"، يعني عدد قليل من الصحابة، "فوقف قريباً من العسكر"، يعني من عسكر طليحة، "ودعا بطليحة، دعا نادى طليحة، فخرج إليه، فقال: إن من عهد خليفتنا إلينا، يعني أبا بكر، أن ندعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن تعود إلى ما خرجت منه"، يعني الإسلام، لأنه بادعائه النبوة قد خرج عن الإسلام، فمن ادعى النبوة أو صدق مدعياً للنبوة فقد كفر، لأنه لا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال: "فقال له: وأن تعود إلى ما خرجت منه"، فأبى طليحة، أبى وأصر على أنه نبي. قال: "وكان عيينة بن حصن قد قال له، أي قال لطليحة: لا أبى لك، هل أنت مرينا؟" يعني نبوتك، وهذا "لا أبى لك" كلمة جرت على لسان العرب تقال للمخاطب الذي يراد منه جواب، فيقال له: "لا أبى لك، هل أنت مرينا؟" يعني نبوتك، تدع عنك نبي، أرنا من معجزات الأنبياء ومن دلائل الأنبياء. قال: "فقد رأيت ورأينا ما كان يأتي محمداً"، يعني من الوحي، "فأنت أرنا ما عندك حتى نصدقك". قال: "نعم"، يعني سأريكم. قال: "فبعث عيوناً له"، يعني جواسيس، يعني طليحة أرسل عيوناً لما أقبل خالد إليهم، قبل أن يسمع الناس بإقباله، يعني قبل أن يسمع الناس بأن خالداً مقبل عليك. فقال: "إن بعث فارسين في فرسين أغرين محجلين من بني نصر بنقعين أتوكم من القوم بعين"، فبعث كذلك، فلقيا عيناً لخالد فأتوا به، فلقيا عيناً لخالد فأتوا به، فزادهم فتنة. يعني قال لهم: سيأتيكم اثنان على فارسين، وسيأتيان بعين لخالد، أي يمسكانه ويأسرانه، فكان الأمر كما قال طليحة، فزادهم ذلك فتنة، ظنوا أنه أوحي إليه وأنه علم الغيب، وهو لم يعلم الغيب، وإنما فعل ذلك قبل مجيء خالد وقبل قدوم خالد. قال: "قال: فلما أبى طليحة أن يجيب خالداً انصرف خالد إلى عسكره، فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل وعدي بن حاتم"، يعني يحرسانه. "فلما كان من السحر، يعني وقت السحر، نهض خالد فعبأ أصحابه"، يعني جهزهم ودعاهم إلى التجهيز، "ووضع ألويته مواضعها"، يعني قسم الجيش، ذاك في الميمنة وذاك في الميسرة وذاك في المقدمة وذاك في المؤخرة، وهكذا، "ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب فتقدم به"، يعني زيد تقدم باللواء، "وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار، وطلب الطيء لواء، فعقد لهم خالد لواء ودفعه إلى عدي". فلما سمع طليحة الحركة عبأ أصحابه، وسمع يعني من عيونه وأرسل عيوناً له، فلما علم بتحرك جيش المسلمين عبأ طليحة أصحابه، حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنى من طليحة، يعني حتى قرب من طليحة. قال: "قال: زحف بهم خالد حتى دنى من طليحة، فأخرج طليحة أربعين غلاماً جلدا"، يعني شاباً قوياً، "فأقامهم في الميمنة، وقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة"، فتضعضع الناس، يعني اضربوا الناس من المسلمين، ولم يقتل أحد، يعني هؤلاء الأربعون انقضوا على الميمنة ثم انقضوا على الميسرة، فصار هناك شيء من الاضطراب في صفوف المسلمين، لكن لم يقتل أحد، حتى أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، أي في أول الأمر، في أول الأمر. فقال خالد: "يا معشر المسلمين، الله الله"، يعني اثبتوا، "واقتحم وسط القوم، وكر معه أصحابه"، يعني دخل وسط القوم وجاء معه أصحابه، فاختلطت الصفوف، صفوف طليحة وصفوف المسلمين، ونادى منادٍ يومئذ من طيء، عندما حمل أولئك الأربعون، يعني في أول الأمر: "يا خالد، عليك بي سلمى وأجأ"، جبلي طيء، وهما جبلان متقابلان متوازيان في حائل، يعني احتمِ بهما، هكذا نادى هذا المناد. قال: "فقال: بل إلى الله الملتجأ"، يعني أبى خالد أن يحتمي بالجبلين، بل اقتحم الصفوف، ثم حمل فما رجع، أي حمل على العدو حتى لم يبقَ من الأربعين رجل واحد، أي قتل هؤلاء الأربعون جميعاً، وتراد الناس بعد الهزيمة، واشتد القتال، وأسر حيال بن أبي حيال أو حبال بن أبي حبال، فأراد أن يبعث به إلى أبي بكر، فقال: "اضربوا عنقي ولا تروني محمديكم هذا"، يعني أبا بكر، فضربوا عنقه. طيب، انتهاء الوقت، نكتفي بهذا، ونكمل بقية هذه القصة في قتال خالد لأهل الردة في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر