الدرس في شرح مسائل الجاهلية 46، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كان أهل الجاهلية يطوفون عراة حول الكعبة معتقدين أن ثيابهم ملطخة بالمعاصي. استدل المؤلف على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾.
يتناول تحريم كشف العورة واستشهادًا بالآية القرآنية ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ويشرح حدود جواز كشف العورة في الشرع. يحذر من التشبه بأهل الجاهلية في كشف العورات.
يشرح حكم من يتعبد بفعل الفواحش مستندًا إلى أقوال شيخ الإسلام واستدلاله بالآيات القرآنية. يستفاد منه قاعدة تفسيرية حول ما يُنكر وما يُسكت عنه في النصوص الشرعية.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال. يختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة والثلاثون: التعبد بكشف العورات، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. ما حكاه المؤلف رحمه الله تعالى عن أهل الجاهلية بأنهم كانوا يتعبدون الله جل وعلا بكشف العورات. فقوله رحمه الله تعالى: التعبد بمعنى التقرب إلى الله، بماذا كان القوم يتقربون إلى الله جل وعلا به؟ قال: بكشف العورات. العورات جمع عورة، وهنا بمعنى السوءة. فقد كان أهل الجاهلية من تدينهم الذي يزعمونه أنه لله جل في علاه أنهم كانوا يتعبدون الله جل وعلا بكشف العورات وبكشف السوءة، وكان ذلك في حال الطواف. فمن اختراعات العرب وبدعهم التي ابتدعوها في مناسك الحج أنهم كانوا يعتقدون أن من جاء إلى مكة وأراد أن يطوف بالبيت ينبغي أن لا يطوف بثيابه التي هو عليها، لابد أن يتجرد من ثيابه. لما هذا التجرد؟ قالوا: إن هذه الثياب ملطخة بالمعاصي، ملطخة بالأوزار والذنوب والموبقات، فيها نجاسة هي نجاسة معنوية، لكن عاملوها بمعاملة النجاسة الحسية. فقالوا: هذه النجاسة، وهي الذنوب والمعاصي التي قد تلطخنا بها، وهي موجودة في ثيابنا، مانعة من إتمام أمر الطواف. فقالوا: إذن لابد أن نتجرد من هذه الثياب. هذا الأمر لا إشكال فيه، لكن ما هي الخيارات المتاحة لهم؟ هم بين أمور ثلاثة: إما أنهم يستعيروا أثوابًا من أهل قريش، لأن هذه المسألة -وهو التعر من الثياب والتجرد من الثياب- إنما هي تكون لأهل العرب، بخلاف قريش، أهل قريش يخرجون من هذا الحكم. لماذا؟ لأنهم أهل الحرم ولهم خاصية. فالقرشي هو الذي يطوف بالبيت بثيابه فقط، هو له هذه المزية عما سواه من سائر العرب. فإذا أراد الآفاقي -من جاء من بعيد وأراد أن يطوف بالبيت- يتجرد من ثيابه، فهو يلتمس ثوبًا من الأحمس، والأحمس هم أهل قريش. وكان العرب تسمي قريشًا بالأحمس والأحمسيين. لماذا؟ قالوا: لأن الأحمس بمعنى المتشدد، المتشدد لدينه. الأحمس مأخوذ من الحماسة، أن قريشًا كانت تتحمس لدينها، تتحمس لدينها، أي تتشدد لدينها. العرب كانوا يدينون لقريش بأن لها الوجاهة والصلة الدينية، فهي مرجع العرب، ومكة ومن كان من أهل مكة من أهل قريش، فكانت قريش لها مزية أنها هي التي لها أن تطوف بالبيت بثيابها. فإذا جاء العربي وأراد أن يطوف، عليه أولًا أن يتجرد من ثيابه، ثم يأتي بالخيارات. الخيار الأول: إن استطاع أن يستعير ثوبًا من أثواب أهل قريش، يلبس به ويطوف. الخيار الثاني: أنه يتجرد من ثيابه ويشتري ثوبًا جديدًا، لأن -كما قلنا- الحكمة عندهم في نزع الثياب أن هذه الثياب قد تلطخت بالمعاصي والذنوب، إذن لا ينبغي أن تلمس أو تماس هذه النجاسات ركن البيت. قالوا: تستبدلها بثياب جديدة ليس عليها وزر وليس عليها معصية، ثم تأخذ هذا الجديد وتطوف بالبيت، وبعد ذلك -بعدما تتم المناسك- عليك أن تلقي بهذا الثوب الجديد، يلقى حتى لا ينتفع به أحد. الصورة الثالثة: إن لم يتمكن من الاستعارة أو الشراء، فحينها يطوف وهو عريان. وكان ذلك العرب يفعلونه، ولغاية عندهم في ذلك، كانوا يطوفون وهم عراة، كما قال بعض العلماء يذكرون أنفسهم أنهم يطوفون كما ولدتهم أمهاتهم، عراة ليس عليهم شيء من أكسية ولا من أغطية. وهل هذا خاص في الرجال؟ لا، بل حتى النساء، النسوة كن على هذا المنوال، إذا أردن أن يطفن يطفن كذلك عراة، الرجال والنساء عراة. اللهم إلا أن المرأة إن أرادت أن تستر تستر موضع سوأتها، إما بوضع شيء خفيف، قال بعضهم: إن لم تجد فتكتفي بيدها، تضع يدها على سوأتها وتطوف مع الناس. إلا أن ذلك كان غالب ما يقع منهن في الليل، غالب ما يقع منهن في الليل. فإذا هذه الصورة التي كان العرب عليها، فكان هذا الطواف في حال العري هي عبادة يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: التعبد بكشف العورات، قال: كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. قال: وإذا فعلوا فاحشة، هنا الفاحشة في أصل الشرع هو كل ما تناهى فحشه، أي بلغ أمره أمرًا عظيمًا، يسمى فاحشة. كل ما تناهى فحشه يسمى فاحشة. فما المقصود بالفاحشة هنا؟ على قول أكثر المفسرين بأن الفاحشة هنا هي ما كان من حال المشركين من الطواف عراة، من الطواف عراة. إذن في قول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ أي ما كان من طوافهم حول البيت عراة، فسمى ربنا جل وعلا هذا الفعل والصنيع منهم بأنه فاحشة، بأنه فاحشة. وهذا -كما قلنا- قول كثير من العلماء. وذهب بعض العلماء إلى أن الفاحشة المقصودة بهذه الآية مطلق المعصية، مطلق المعصية، والأمر يشمل هذا وذاك، كما قال المحققون من العلماء. ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ أي أن أهل الكفر وأهل الجاهلية خاصة كانوا إذا فعلوا أمرًا منكرًا -كطوافهم بالبيت عراة، وما كان من أمثال ذلك من المعاصي والذنوب الغليظة والمستقبحة- كانوا يحتجون على ذلك بأمرين اثنين، بأمرين اثنين. أولاهما قولهم: قالوا وجدنا عليها آباءنا، أي أن هذا الفعل كان مما مضى عليه الآباء، فنحن نسير عليه التبعية لما كان عليه الآباء، لما كان عليه الأجداد والأسلاف. هذه أول حجة وأقواها، فلهذا بدأوا بها. الحجة الثانية قالوا: بأن الله قد أمرنا بها. وهذا هو العين الكذب والزور والبهتان على رب العالم، بأن الله أمرنا بأن نفعل هذا الفعل. فثم قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. ربنا جل وعلا تولى الرد على هؤلاء وعلى هذه الفرية بأن سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر باتباع الأنبياء واتباع الرسل والشرائع التي فيها الكمال للنفس البشرية. فإذا قول المؤلف: يترجح أن المؤلف رحمه الله تعالى باستدلاله بهذه الآية على هذه الفقرة، إذن المؤلف رحمه الله تعالى يميل إلى أن الفاحشة هنا المقصود بها ماذا؟ هي كشف العورات. كشف العورات. قال رحمه الله تعالى: التعبد بكشف العورات، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. هنا تأتي -إخواني في الله- عدة مسائل وفوائد مستفادة من هذه الفقرة. أولاها: أن نعلم ما كان عليه أهل الجاهلية من الفعل القبيح، ومن الكذب الواضح البين على رب العالمين. ونبينا عليه الصلاة والسلام خالف أهل الجاهلية بما هم عليه، خالفهم فأمر نبينا صلوات ربي وسلامه عليه بترك هذا الصنيع، وهو التعري عند الطواف. فقد ثبت في الصحيح أن نبينا عليه الصلاة والسلام أرسل الصديق رضي الله تعالى عنه، أرسله إلى مكة قبل أن يحج حجة الوداع، وذلك تمهيدًا لحجته عليه الصلاة والسلام، وأمره أن يؤذن بالناس ببعض الأمور، ومن ذلك: أن لا يطوف بالبيت عريان. خالف نبينا عليه الصلاة والسلام أهل الجاهلية في هذا المسلك، فأمر بعدم التلبس بحال الطواف بالعري. وهكذا في قول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. عند كل مسجد، قال العلماء: المقصود بها عند كل صلاة. فعند الصلاة عليك أن تأخذ الزينة، الزينة أدناها هو ستر العورة فما زاد. ستر العورة فما زاد. فهذه من أعظم المسائل التي تستفاد من هذا الحديث. ونعرف ما عليه أهل الجاهلية، وكيف أن الشرع خالفهم في ذلك. الفائدة الثانية: كذلك تستفاد من هذه الآية ومن هذه الفقرة: تحريم كشف العورة. تحريم كشف العورة. والسياق في الآية واضح بأن الله جل وعلا سماها فاحشة، فاحشة أن يأتي المرء فيكشف عورة للآخرين، هذه فاحشة. وكما قلنا: والفاحشة ما تناهى فحشه، وتستنكره الطباع والنفوس، ويدعى من محرمات التي جاءت النصوص بتحريمها. فلا يجوز لأحد أن يكشف العورة أبدًا، فلا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة. وقد ضيق الشرع هذا الباب، وجعل أن كشف العورات مطلقًا محرم، إلا في بعض الأمور الضرورية. يذكر العلماء من هذه المواطن: الطب، العلاج، إن كان العلاج ضروريًا لكشف العورة فلا بأس للحاجة والضرورة. وكذلك ما كان من نظر الزوجين بعضهما لبعض، وهذا مما أباحه الشرع، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك». فيجوز كشف العورة لأمثال هؤلاء مما رخص بهم الشرع. أما ما عدى هذه المواطن فلا يجوز، فهي محرمة من المحرمات. والأسف نجد أن بعض الناس -ولا فعل ذلك إلا من سفه نفسه من أهل الجهل ومن أهل الفسق- أنه لو ربما يجعل كشف العورة من صور الرجولة، يكشف العورة، وكشف العورة من صور الرجولة، يحتج بقوله: «إيش فيه؟ أنا رجل، وهو رجل، الذي عندي هو الذي عنده». أليس بهذا التفكير الساذج يا عبد الله؟ بل هذه محرمة مما حرمها ربنا جل وعلا، ويا لا يجوز إبداؤها إلا لمن أباح الشرع النظر فيها. أما أن تطلق مثل هذه العبارات ظانًا أنها فيها رجولة وبطولة، بل هذه -يا عبد الله- سفاهة، سفاهة. ولا يفعل ذلك إلا الحمقى من الناس. وكذلك من بعض الناس يتساهل في أمر العورة، وذلك عند قضاء الحاجة. فتجد أن بعض الناس ربما يقضي الحاجة أمام مجمع من الناس، عند مرورهم، وخاصة ما يقع في ساحل البحر، تجد ذلك يكشف عن عورته ويقضي حاجته أمام الناس، يراه القاصي والداني، هذا لا يجوز. فقد نبينا صلوات ربي والسلام عليه من حديثه ومن فعله أنه: «من أراد أن يقضي الحاجة، إن وجد شيئًا يستتر به استتر وجوبًا، وإلا فإنه عليه أن يذهب». ثبت عن مغيرة بن شعبة وعن جابر وعن جماعة من الصحابة أنه عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يقضي الحاجة أذهب المذهب، أذهب بعيدًا حتى لا يرى، حتى لا يرى. هذا الأدب النبوي أن لا تنكشف عورتك لأحد، إما أنك تتستر خلف شيء مما ينفع به التستر، أو أنك -يا عبد الله- تبتعد بمكان بحيث ماذا؟ لا يرى فيه العورة، لا ترى فيه العورة. أما ما نراه من بعض الناس يفعل ذلك من التساهل حتى يجد الناس عورته، فهذا من المحرمات، هذا من المحرمات. وأما في بلاد الغرب -يا عبد الله- فحدث ولا حرج. فإن كان أهل الجاهلية قديمًا هم على هذا المنوال من كشف العورات، فلا زال أهل الجاهلية في هذا الأزمان هم على هذا الحال. سأل -يا عبد الله- عن أماكن الحمامات وأماكن قضاء الحاجة هناك، لا ترى العجب. تجد الإسم: حمام، وإذا دخلت -وخاصة في الحمامات الجماعية كالمدارس والكليات والمعاهد- تجد أن حمامات ليس بينها فواصل، ليس بينها فواصل. يدخل من يدخل يتعرى، ثم يقضي حاجته، وذاك بجانبه، وذاك بجواره، وذاك بجواره، سواء كان في حق الرجال أو في حق النساء، كل ذلك تعري، كل ذلك تعري. فهذا سنة عند أهل الجاهلية قديمًا وحديثًا. فإياك -يا عبد الله- أن تتشبه بأمثال هؤلاء. فيستفاد من هذه الآية: تحريم كشف العورة إلا ما أباحه الشرع. كذلك يعبد الله في هذه الفائدة: أنه من تعبد الله جل وعلا بفعل الفواحش فإنه قد شابه الكفار، بل لربما ألحق كذلك بالكفار. أيضًا معنى ألحق؟ أي يكون كافرًا. فعل المعصية وفعل الفاحشة هي رزية وإثم تبتل به -عبد الله- حتى تتبين، لكن إذا كان مع فعلك لهذه المعصية أنك تتعبد الله جل وعلا بها -كما فعله أهل الجاهلية- وهو الذي عنون له المؤلف: التعبد بكشف العورات. التعبد بكشف العورات، كشف العورة هي خطيئة، لكن إذا قرنت بأنك تتعبد الله جل وعلا بهذا الكشف، فإنك تلحق -يا عبد الله- بأهل الكفر. لأن الكفار -كما قلنا- هذا فعلهم، كانوا يتعبدون الله جل وعلا بالفاحشة. فعلى قول من قال: أن الفاحشة هي المعصية، قال جماعة من أهل العلم: أن الذي يتعبد الله جل وعلا بفعل المعاصي فإنه يكفر، فإنه يكفر. وقد صرح بذلك جماعة من أهل العلم، ومثلوا بأمثلة. من أمثلتهم قالوا: لأن رجلًا مثلًا أراد أن يزني -والعياذ بالله- وعند الزنا قال: «بسم الله»، أو قال: «على بركة الله». ذهب طائفة من العلماء إلى أنه كافر، إلى أنه كافر. لماذا؟ لأنه بفعل هذا يستعين بالله جل وعلا على فعل معصية من المحرمات التي علمت حرمتها، ولا يجهلها أحد، وأنك تطلب البركة من الله جل وعلا على فعل معصية، فهذا يكفر. بل من العلماء من ادعى الإجماع على هذه الصورة، وإن كان في ادعاء الإجماع فيها نظر، لكن هي مسألة يذكرها العلماء. وقول جماعة منهم على تكفير كل من تعبد الله جل وعلا بفعل المعصية. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: نقلات كثيرة في مسألة تقارب هذه المسألة، وهي عندما تكلم عن النظر إلى المردان، والنظر إلى النساء وإلى وجوه الحسان. عبارات عنه رحمه الله تعالى: أن من فعل هذا الفعل -وهو أن ينظر إلى المردان وإلى وجوه الحسان- وهي من المعاصي، لأن المسلم أمر أن يكف النظر وأن يغض بصره. لكن من أطلق بصره فأخذ ينظر إلى وجوه هذا الحسان، ثم قال: إن ذلك من التعبد لله، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإنه كافر مرتد، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. كافر مرتد، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. لماذا؟ ثم استدل رحمه الله تعالى بهذه الآية، بهذه الآية: أن ذلك كان من فعل أهل الجاهلية، يتعبدون الله جل وعلا بفعل الفواحش، يتعبدون الله سبحانه وتعالى بفعل الفواحش. فهذا -إخواني في الله- مما يذكر كذلك مما يستفاد من هذه الفقرة -إخواني في الله- أن يدخل في هذا الحكم من كان أعظم من هؤلاء، أعظم من هؤلاء. وهذه فائدة كذلك ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب «الاستقامة» عندما تكلم عن بعض المبتدعة، ألمح إلى هذه الفائدة، وهو أراد أن يقارن بين هؤلاء الذين أنزل ربنا جل وعلا فيهم هذه الآيات، وبين ما يتحدث عنهم رحمه الله تعالى. فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن هذه الآيات تنزلت في حق من؟ قال: تنزلت في حق قوم كان منهم اختلاط وإدماج، قال: لكن في مكان عبادة، عند الطواف، قال: بحيث لم يمكنوا من فعل الفاحشة الكبرى، أي الفجور والزنا، ما يتمكنون، إنما على مرأى الناس، الطواف وهم في حال هذا الحال من اختلاط، أمام في مكان عبادة، لا يمكنهم إيقاع الفاحشة الكبرى. قال: وإضافة على ذلك أنهم لما تجردوا من الثياب، ما الذي أرادوا من التجرد؟ قد ذكرنا أنهم أرادوا التنزه من الذنوب والمعاصي، لهم مقصد حسن. قال: مع ذلك سمى الله جل وعلا هذا الفعل منهم فاحشة، هذا الفعل فاحشة. فقال شيخ الإسلام: فكيف بحال وهو أراد بذلك أن يمثل ببعض المبتدعة في زمنه، من بعض الفرق المتصوفة. قال: فكيف بالذي يجتمع الرجال والنساء في أماكن ليست أماكن تعبد، وإنما في البيوت وفي السراديب وخلف الكواليس، يجتمع الرجال والنساء في أماكن، قال: ومعهم المردان والوجوه الحسان، قال: ثم يطفأ عليهم الأنوار، ثم يطفأ عليهم الأنوار، قال: فما يدرى ما الذي يقع بهم. قال: هؤلاء أشر وأشد من أولئك، قال: بل هؤلاء يفتتحوا أبواب جهنم، هؤلاء افتتحوا أبواب جهنم. واستدل بهذه الآية. فإذن -إخواني في الله- فما يفعل بعض المبتدعة، وهذا يوجد سواء عند المكارمة، وكذلك بعض الفرق الباطنية، عندهم هذا، أنهم في بعض الأحيان، في بعض الأعياد عندهم، يجتمع الرجال والنساء. وقد ذكر ذلك بعض أصحاب الحلولية، كابن عربي والتلمساني، يذكرون هذا عن بعض أوليائهم، زعم أنهم تارة لربما يجتمع الرجال والنساء في موطن، ليس في أماكن تعبد، وإنما في البيوت، ثم يغلقون الأنوار عليهم، ثم يختلط الحابل بالنابل. فهؤلاء -على قول شيخ الإسلام- أعظم كفرًا وأشد كفرًا من أمثال هؤلاء. وهكذا -إخواني في الله- مما يستفاد من هذه الآية ومن هذا الموطن: قاعدة عظيمة، وينتفع أن تطرح في قواعد أصول التفسير، وكذلك لفهم مسألة الشريعة بشكل عام، وهو أنك تنظر الآية، في قول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. هم احتجوا بحجتين اثنتين، احتجوا بحجتين اثنتين، في تبرير فعلهم من التعري عند الطواف، وهو ما كانوا عليه. ما وجدوا عليه الآباء، وهو التقليد والتبعية، والأمر الثاني: أن الله جل وعلا أمرهم بها. الآية التي أتبعت ذلك الآيات أن الله جل وعلا رد عليهم. فما بقى ربنا جل وعلا في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ إذن عندنا هنا هذه الحجج: اتباع الأمة والملة، وأن الله أمر بها. ولكن في الرد، ما الذي رد ربنا عليه؟ رد على هذه المسألة الثانية، وهو أن الله لم يأمر بالفحشاء. أما الأمر الأول، وهو التبعية للكفار، للآباء والأجداد، ربنا لم يرد عليه. لماذا؟ قال العلماء: لأنه حق. ما معنى حق؟ أي أن هذه حجة صحيحة. هم حجة نعم، الكفار عندما طافوا بالبيت عراة، ما حجتهم؟ قالوا: بأن الله قد أمرنا بهذا، وأننا قد وجدنا آباءنا على ذلك. فما هو الحقيقي من هذا الأقوال؟ الحقيقي صحيح أنهم نعم وجدوا آباءهم على هذه الحال، أما ما كان من زعمهم بأن الله قد أمر بذلك، فهذا كذب. ولهذا ربنا جل وعلا قد تكفل بالرد على هذا الكذب، وهذا البهتان على الله سبحانه وتعالى. وأما الأمر الأول، وما ذكروه عن أنفسهم بأنهم قد وجدوا الآباء والأجداد على هذا الحال، فإن الله لم يرد عليهم. قال علماء: فدل ذلك بأن هذا حق. ومهما استفاد العلماء قاعدة: وما ذاك يقول العلماء؟ إذا جاء في النصوص -إذا جاء في النصوص، النصوص الشرعية، الكتاب والسنة- ذكر أشياء عدة، أشياء، فأنكر بعضها وسكت عن بعض، أي أن الشريعة ذكرت أشياء فأنكرت الشريعة بعض الأشياء وسكتت عن بعضها. قال علماء: دل على أن ما لم ينكر فهو حق. دل على أن ما لم ينكر فهو حق. ومثل علماء بهذه الآية. فالكفار احتجوا بحجتين اثنتين: بأنهم وجدوا الآباء على ذلك، وأن الله قد أمرهم بهذا. فربنا رد على أن الله أمرهم، كذبهم: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. وسكت عن الثاني. دل على أن ما ذكره نعم حق، فإنما فعلوا ذلك اتباعًا لآبائهم وأجدادهم. وهكذا في قول ربنا جل وعلا في قصة أصحاب الكهف: ﴿فَسَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. إذن قال علماء: عندي هنا ماذا؟ ثلاثة وأربعة، عندي خمسة وستة، عندي سبعة وثمانية، أيهم الصواب؟ قال علماء: السبعة وثمانية هو الصواب، هذه عدتهم، هذه عدتهم. لماذا؟ لهذه القاعدة. لأن الله جل وعلا لما ذكر الثلاث والأربع والخمس وستة، قال: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، أنكر ربنا جل وعلا على هذه الأعداد بأنها رجم الغيب. ثم لما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لم يحرج ربنا سبحانه وتعالى على هذا العدد. فقال علماء: هذا يقول كثير من العلماء: على أن صحيحنا في عدة أهل الكهف أنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. لهذه القاعدة، وهي كما قلنا: قاعدة استقرائية، يذكرها العلماء، وتنفع كذلك في مسألة أصول التفسير. فهذه -أخواني في الله- مسائل سريعة متعلقة بهذه الفقرة. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.