الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 19، ألقاها
يناقش مفهوم الموافقة والمخالفة في النصوص الشرعية، ويقسم المفهوم إلى قسمين مع شرح وأمثلة. يُوضح أقسام كل منهما وآراء الفقهاء والأصوليين.
يشرح مفهوم المخالفة في علم أصول الفقه، ويعدد أقسامها مع الأمثلة. يتطرق إلى أقسام مفهوم المخالفة مثل مفهوم الحصر والشرط والوصف.
يذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة، مثل تخصيص المنطوق للامتنان أو لموافقة الواقع، وعدم معرفة المتكلم بحكم المفهوم. يشرح حالات عدم دلالة المنطوق على المفهوم.
بسم الله الرحمن الرحيم ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم قال رحمه الله تعالى: أمن مفهوم وقسمان، أي أن المفهوم الذي يفهمه من النص هو على قسمين، إما أن يكون ذلك المفهوم موافقًا لدلالة ذلك النص على معنى، وإن لم يكن ملفوظًا، أو أن يكون ذلك المفهوم مأخوذًا من معنى مخالف لمعنى المنطوق. هذا يسمى مفهوم مخالفة. قال: أما مفهوم موافق فهو ما يكون فيه المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق، مع كون ذلك مفهومًا من لفظ المنطوق، وإن لم ينطق به؛ لأنه إذا نطق به سيكون من قبيل المنطوق. والكلام ها هنا على مذهب المفهوم. وذكر أن المفهوم ها هنا مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة. وسيأتي الكلام على ذلك. قال رحمه الله: وهو أربعة أقسام؛ لأن المسكوت عنه تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، فمثقال الجبل -المسكوت عنه- أولى بالحكم من مثقال الذرة. وهذا واضح؛ إذا كان من يعمل مثقال ذرة خيرًا يرى، فمن كان يعمل أعظم من ذلك فهو أولى وأولى. ففي الآية -أو في دلالة النص- ما يدل على دخول الذرة وما كان أعلى من الذرة من باب أولى. هل هذا نطق به النص؟ أو أنه مفهوم من النص؟ مفهوم من النص. هل هذا المفهوم موافق للنص أو مخالف للنص؟ موافق للنص. فمفهوم موافقة -كما ذكر- أقسام، أولها: أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى منه في المنطوق، مثل ما مثلها هنا. وهذا كذلك واضح. قال رحمه الله: وطارة يكون مساويًا، كإحراق مال اليتيم وإغراقه. هل مفهوم منعه من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾؟ كلا. الآيتان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾، أكل أموال اليتيم، وإحراقها، وإغراقها، كلها مشتركة في إتلاف مال اليتيم. فالنص دل على تحريم أكل مال اليتيم، ويدل كذلك على تحريم إتلاف مال اليتيم بأي نوع من أنواع الإتلاف، سواء كان بإحراق، أو بإغراق، أو غير ذلك مما يحصل به إتلاف لمال ذلك اليتيم. هذا الحكم -أي إحراق مال يتيم، إتلاف مال يتيم- هل نطق به النص؟ الجواب: ما نطق به، لكن هل دل عليه النص؟ الجواب: نعم دل عليه. فيفهم من قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾، يفهم منه تحريم إتلاف أموال اليتيم بأي نوع من أنواع الإتلاف، ومنها الإحراق أو الإغراق لها. فإذن المقصود بمفهوم موافق -المساوي- أن يكون الحكم في المسكوت عنه مساويًا للحكم في المنطوق به. هل يسمى مفهوم موافقة مساوي؟ مفهوم موافقة مساوي؛ لأن مفهوم موافقة إما أن يكون أولوي، وإما أن يكون مساويًا. والأمر ها هنا في الثاني. قال رحمه الله: وكلا هذين القسمين يكون ظنيًا وقطعيًا. فتكون الأقسام أربعة. يعني الأول -المنطوق- إما أن يكون قطعيًا، وإما أن يكون ظنيًا. فهم قسمان. كذلك المساوي -يعني الأولوي- إما أن يكون قطعيًا، وإما أن يكون ظنيًا. فهما قسمان. وكذلك المساوي إما أن تكون قطعية، وإما أن تكون ظنية. فهم كذلك أربعة. فالأقسام أربعة. قال رحمه الله: فالأقسام أربعة، وستأتي هذه المسألة بإيضاح إن شاء الله تعالى في القياس. وعلم أن مذهب الجمهور هو كون هذا النوع من المفهوم -وذهب جماعة منهم الشافعي- إلى أنه قياس، وهو المسمى عندهم بالقياس في معنى الأصل. فيكون الخلاف بين الشافعي والجمهور في التسمية. وذهب قوم إلى أنه مجاز من إطلاق البعض وإرادة الكل. وهذا كذلك الخلاف مع أصحاب هذا القول خلاف لفظي؛ فهم متفقون في المعنى، مختلفون في اللفظ: هل هو من قبيل المفهوم؟ أو ليس من قبيل المفهوم؟ فهو يقول: ذهب قوم إلى أنه مجاز من إطلاق البعض وإرادة الكل، أي أن النص يتناوله، لكن من باب إطلاق البعض وإرادة الكل، فهو ليس من باب المفهوم، ولا من باب القياس، ولكن من باب المجاز. قال رحمه الله: وأشار -يعني وذكر- هذه الأقوال من باب معرفة الأقوال في المسألة، وإلا الذي عليه العمل هو قول الجمهور. قال: وأشار إلى هذه الأقوال في المراق بقوله: «دلالة الوفاق للقياس، وهو الجلي، تعزى لدى أناسي، وقيل للفظ مع المجازي، وعزوها للنغل ذو يوازي». وأما مفهوم المخالفة، فهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق، كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «في الغنم السائمة الزكاة». فالمنطوق: السائمة، والمسكوت عنه: المعلوفة. والتقييد بالسوم يفهم منه عدم الزكاة في المعلوفة، ويسمى دليل الخطاب وتنبيه الخطاب، وهو ثمانية أقسام. قال: أما مفهوم المخالفة، فهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق به، كقوله صلى الله عليه وسلم: «في الغنم السائمة الزكاة» -كما في حديث أنس- في كتاب أبي بكر الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الزكاة. فنطبق هذا المثال على هذا التعريف: «في الغنم السائمة الزكاة». المنطوق ما هو؟ السائمة. المسكوت عنه ما هو؟ المعلوفة. أي: الغنم السائمة هذا المنطوق، والمسكوت عنه: الغنم المعلوفة. قال: والتقييد بالسوم يفهم منه عدم الزكاة في المعلوفة؛ لماذا؟ لأنه لو لا هذا لكان الكلام لغوًا، وكلام الشرع يتنزه عن هذا. ثم إن في ذكر هذا الوصف تقييد أو تخصيص لذلك العموم؛ لأن في قوله: «في الغنم» -الغنم- من الألفاظ العام أم لا؟ لفظ عام يدخل فيه الغنم السائمة وغير السائمة. فقوله: «في الغنم السائمة» تخصيص لذلك العموم. إذن هذه اللفظة لها مفهوم، وليس لا مفهوم؛ لماذا؟ لأنها خصت بها ذلك العموم. ولولاها لفهم أو دل النص على أن كل غنم فيه الزكاة. فقوله: «السائمة» دل على أن هذا الوسط مراد، وأن الزكاة إنما هو مخصوص مختص على الغنم السائمة. فخرج ما ليس بسائمة بدليل الخطاب. ما هو دليل الخطاب؟ هو هذا النص. لذا كما ذكر: أن هذا يسمى مفهوم مخالفة، ويسمى كذلك دليل الخطاب، ويسمى كذلك تنبيه الخطاب؛ لأن الحكم ترتب على ذلك الوصف. ما هو الوصف؟ السائمة. لو لم تكن سائمة هل يبقى الحكم أو يذهب الحكم؟ يذهب الحكم. إذن يسمى كما ذكر دليل الخطاب، ويسمى كذلك تنبيه الخطاب، ويسمى كذلك مفهوم المخالفة. قال رحمه الله: وهو ثمانية أقسام: مفهوم الحصر، وأقوى صيغ الحصر: النفي والإثبات، نحو: «لا إله إلا الله». فالأصوليون يقولون: منطوقها نفي الألوهية عن غيره جل وعلا، ومفهومها إثباتها له وحده جل وعلا. والبيانيون يعكسون؛ يجعلونها أصلًا في الإثبات -يعني منطوقًا في الإثبات- ومنفية في النفي -عكس الأصوليين-. قال رحمه الله: قلت: الحق الذي لا شك فيه أن النفي والإثبات كلاهما منطوق صريح؛ فلفظة «لا» صريحة في النفي، ولفظة «إلا» صريحة في الإثبات. وهذا هو الصواب كما ذكر رحمه الله؛ لأنها منطوقة. فقوله: «لا إله» منطوق في نفي استحقاق العبادة عن كل آلهة. وقوله: «إلا الله» إثباتها لله وحده لا شريك له. هذا منطوق أو مفهوم؟ هذا منطوق. قال رحمه الله: فعد مثل هذا من المفهوم غلط فيما يظهر لي. وقد نبه عليه صاحب نشر البنود. وإنما يكون للحصر مفهوم في الأدوات الأخرى، نحو: «إنما»، وتقديم المعمول، وتعريف الجزئين، ونحو ذلك. معنى هذا: أن مفهوم المخالفة يدخل -أو كما قاله- الثمانية أقسام، أولها مفهوم الحصر. مفهوم الحصر في غير النفي والإثبات؛ لأن ما كان باب النفي والإثبات فإنه من قبيل المنطوق، ليس من قبيل المفهوم. قال رحمه الله: مفهوم الغاية، نحو: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. «حتى» هنا غائية. لها مفهوم أم لا؟ الجواب: لها مفهوم. ما هو؟ سيأتي. قال: مفهوم أنها إن نكحت زوجًا غيره حلت له. قال رحمه الله: مفهوم الشرط، نحو: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ الآية. أي: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. ولو أكملت الآية لكان أولى؛ حتى يظهر المراد والمقصود. قال رحمه الله: يفهم منه أن غير الحوامل لا نفقة لهن؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. فمفهوم: أن غير الحوامل ليس لهن نفقة. ومفهوم الوصف، نحو: «في الغنم السائمة الزكاة». كما مر معنا مفهوم الوصف في «الغنم السائمة». مفهومه: أن في غير السائمة ليس زكاة. قال رحمه الله: مفهوم العدد، نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. يفهم منه أنه لا يجلد أكثر من ذلك. ومفهوم الزمان -كان أو مكانًا-، مثال الزمان: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾. يفهم منه أنه لا حج في غيرها. ومثال المكان: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. يفهم منه أنه لا اعتكاف في غير المسجد عند من يقول ذلك. قال رحمه الله: مفهوم العلة، نحو: أعطي السائل لحاجته. يفهم منه أنه لا يعطى غير المحتاج. ومفهوم اللقب -وهو أضعفها-. وضابط اللقب عند الأصوليين: هو كل اسم جامد، سواء كان اسم جنس، أو اسم جمع، أو اسم عين، لقبًا كان أو كنية، أو اسمًا. فلو قلت: «جاء زيد»، لم يفهم منه عدم مجيء عمر. بل ربما كان اعتباره كفرًا؛ كما لو قيل: «محمد رسول الله». يفهم منه -من مفهوم لقبه أو غيره- لم يكن رسول الله: أن غيره -من مفهوم لقبه- أن غيره لم يكن رسول الله. يفهم من مفهوم لقبه: أن غيره -لو قيل بأن مفهوم اللقب صحيح وقوي- للازم من ذلك أن من قال أو في قوي الله جل وعلا: «محمد رسول الله»، يسمى مفهوم لقب: مفهوم أن غير محمد ليس برسول الله. فكل الرسل قبله ليسوا رسلًا لله على هذا القول. هل هذا القول صحيح؟ باطل. بل هو كفر واضح. قال رحمه الله: وأشار في المراق إلى أقسامه ومراتبه بقوله: «وهو ظرف علة وعدد، منه شرط غاية اعتمد، والحصر، والصفة مثل ما علم من غنم سامة، وسائم الغنم أضعفها اللقب، وهو ما أبي من دونه، نظم الكلام العربي». فالشرط، فالوصف الذي يناسب، فمطلق الوصف الذي يقارب، فعدد، ثم تقديم يلي، وهو حجة على النهج الجلي. وعلم أن أبا حنيفة رحمه الله لا يقول بمفهوم المخالفة من أصله. وأتقدم الكلام على هذا. قال رحمه الله: تنبيه: الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب: أن تخصيص الغنم بالسوم -مثلا- لو لم يكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكم لكان تطويلًا بلا فائدة. بخلاف «جاء زيد»، فإن تخصيصه بالذكر ليمكن إسناد المجيء إليه؛ إذ لا يصح الإسناد بدون مسند إليه. إذا علمت هذا، فعلم أن المؤلف رحمه الله لم يذكر دلالة الإشارة التي بيناها أصلًا. وإنما أطلق الإشارة على الإيماء الذي بيناه. وأطلق التنبيه على مفهوم الموافقة. ولا مشاحة في الاصطلاح. قال رحمه الله: وذكر لمفهوم المخالفة ست درجات. الأولى: مفهوم الحصر. وصيغ الحصر كثيرة: كالنفي والإثبات، و«إنما». والتحقيق: أنها أداة حصر كما يدل عليها جعلها في القرآن كثيرًا في موضع النفي والإثبات، نحو: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وهذا على قول جمهور، وهو الصواب: أن «إنما» من ألفاظ الحصر. وذهب بعضهم إلى أنها ليست من ألفاظ الحصر. وذهب بعضهم إلى أنها من ألفاظ الحصر، لكن على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة. والذي عليه الجمهور: أنها من ألفاظ أساليب الحصر، وهو الصواب كما ذكر العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى. وذكر أن الله جل وعلا يذكرها في مقام الحصر، كما في قول: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. هل يقول هذا -هل يقول إنسان- أن «لا» تفيد الحصر؟ وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. هل يقول إنسان أن «لا» تفيد الحصر؟ الجواب: لا. إلا أن دلالة على الحصر دون النفي والإثبات؛ لأن أقوى مراتب الحصر: النفي والإثبات. قال رحمه الله: وتقديم المعمول، وتعريف الجزئين، ونحو ذلك. أي: أنها كلها من ألفاظ الحصر -أو كلها دالة على الحصر- على الصحيح. قال رحمه الله: وهذه مباحث كلها من مباحث علم المعاني تذكر في كتب البلاغة والمعاني. قال: الثانية: الشرط. وقال: وأنكر مفهوم الشرط قوم. قلت: وممن أنكره الباقلاني. الثالثة: الوصف. وجعله المصنف درجتين: أحدهما: أن يذكر الوصف قيدًا للإسم العام. والثاني: أن يذكر قيدًا لغير العام -لا للفظ الشامل لجميعها-. الأولى أقوى من الثانية. يعني الأولى أقوى من الثانية: أي الرتبة التي يذكر الوصف قيدًا للإسم العام أقوى من أن يذكر قيدًا لغير العام. فتكون كم مراتب؟ مرتبتين. وعلى التقسيم السابق تكون كم؟ أربع مراتب. يعني هذه المراتب تكون: المرتبة الثالث عبارة عن كم مرتبة؟ عن مرتبتين. قال رحمه الله: مثال أولى: «في الغنم السائمة زكاة». هذه في الغنم السائمة زكاة. الغنم: لفظ عام، والسائمة: ماذا؟ خصصت ذلك العموم. فهو وصف ماذا؟ خصص. قيد ذلك العام. والثاني: «الثيب أحق بنفسها من وليها». هذا الثيب ليست بعام؛ فلا يدخل فيها البكر. فقوله: «الثيب أحق بنفسها من وليها» -كما ذكر- أن يذكر قيدًا لغير العام -لا للفظ الشامل لجميعها-. فهو كذلك من هذا الباب. فهو من أبواب ماذا؟ من مراتب المفهوم. قال رحمه الله: الفرق بين المسألتين: أن التلفظ باسم الغنم في الأولى تدخل فيه السائمة والمعلوفة. أي: فهو لفظ عام يدخل فيه الغنم السائمة والغنم المعلوفة. قال: فلا يمكن أن يكون غافلًا عن المعلوفة؛ لدخولها في لفظة الغنم. فيعلم أنه ما خص السائمة إلا لمخالفة حكمها لحكم المعلوفة. يعني: فيعلم إذن. بخلاف لفظ الثيب في التالية. يقول: فلا يمكن أن يكون غافلًا عن المعلوفة؛ لدخولها في لفظة الغنم. أي: أثناء التلفظ. الآن هو يتصور إنسان يتكلم، يقول: «في الغنم السائمة». عندما يقول: «الغنم» يدخل فيها ماذا؟ كل غنم. لما يقول: «السائمة» يكون فيه إيش؟ تخصيص لذلك الوصف أو تخصيص لذلك ماذا؟ الجنس بأنها ماذا؟ بأنها سائمة. فتخرج غير السائمة -وهي المعلوفة-. فالمتكلم عند الكلام -عند الكلام- يريد معنى، ويفهم من كلامه ماذا؟ معنى. ما هو الذي يستفد من كلامه؟ يستفد من كلامه: أن الزكاة في ماذا؟ في السائمة. ويفهم من كلامه: أن غير السائمة -أي المعلوفة- ليست فيها إيش؟ الزكاة. الحالة الثانية: قال: بخلاف لفظ الثيب في الثانية؛ فلا يتناول البكر. فيمكن أن يكون غافلًا عن البكر وقت التلفظ باسم الثيب في الثانية. يعني: في الحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها». نتخيل المتكلم: هل متكلم في قول «الثيب» قد يتصور في أثناء الكلام البكر؟ هيا يا جماعة. الجواب: لا. لماذا؟ لأن اللفظ لا يتناول البكر؛ فهو يقول رحمه الله: فيمكن أن يكون غافلًا عن ماذا؟ عن البكر. أي: أنه لما قال: «الثيب» كان غافلًا عن ماذا؟ عن البكر في هذا الحكم. فلو أدرجت البكر كذلك. يقال: هذا إدراج ماذا؟ قد يكون لم يخطر في بال ذلك المتكلم. بخلاف الحال الأولى: خطر ببالي أو لا؟ الغالب أنه خطر ببالي. فكان مفهوم الأول أقوى من مفهوم الثاني. قال رحمه الله: وكثير من الأصوليين لا يفرق بين المسألتين؛ الدرجة الخامسة: أن يجعلها رتبة واحدة. قال رحمه الله: الدرجة الخامسة: مفهوم العدد، كحديث: «لا تحرم المصة ولا المصتان». يفهم منه أن الثلاثة تحرم. هذا ظاهر. الحديث: «لا تحرم المصة ولا المصتان». فلو لم يكن معنا إلا هذا الحديث، لزم إيش؟ أن الثلاثة المصات يحرمن. وقال بهذا بعض الفقهاء. قال: ولكن جاء نص يخالف هذا المفهوم، وهو: «خمس رضاعات يحرمن». وقصة من عشر رضاعات يحرمن. فنسخ بخمس إلى آخره -معروفة في الفروع-. فدل على ماذا؟ على أن هذا المفهوم -مفهوم من هذا النص- وهو مفهوم ماذا؟ عدد. معتبر أو غير معتبر؟ معتبر. لكن ماذا؟ لكن جاء المنطوق الذي يبين ما المقصود بما فوق المصتين. قال رحمه الله: السادسة: مفهوم اللقب. وهو مراد المؤلف بقوله: «السادسة: أن يخص اسما بحكم، فيدل على أن ما عداه بخلافه» إلى آخره. وقد علمت أن الحق عدم اعتبار مفهوم اللقب. وأن فائدة ذكره: إمكان الإسناد إليه. قال المؤلف فيه: «وأنكره الأكثرون، وهو الصحيح». وهو كما قال: أنه لا يعتبر. لا تعتبر دلالته؛ لما يترتب على ذلك من آثار. على أن بعض أهل علم -كالإمام ابن قيم- رحمه الله تعالى يذكر أو ذكر في هذا المبحث: أن لمفهوم اللقب مراتب ثلاث. ذكره في كتاب «بدائع الفوائد». فليرجع إليها من شاء. قال رحمه الله: خاتمة: لم يذكر المؤلف رحمه الله موانع اعتبار مفهوم المخالفة. وله موانع تمنع اعتباره. ذكرها الأصوليون. منها أولًا: كما تقدم -الأصول- في مفهوم المخالفة: أنه معتبر، إلا مفهوم اللقب؛ فإنه غير معتبر. هذا هو الأصل. لكن هناك أمور -وكذلك أمكنه أو أدلة- لا يدخلها مفهوم المخالفة؛ أي تمنع أو يمنع فيها مفهوم المخالفة؛ لما يترتب على ذلك من ماذا؟ من أحكام. قال رحمه الله: لم يذكر المؤلف رحمه الله موانع اعتبار مفهوم المخالفة. وله موانع تمنع اعتباره. ذكرها الأصوليون. منها: أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر للامتنان، كقوله تعالى: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾. فلا يفهم منه منع قصة قديد الحوت. لماذا؟ لأن الله جل وعلا ذكرها -أو ذكر هذا- على سبيل ماذا؟ على سبيل الامتنان. قال علماء: وما كان على سبيل الامتنان، فإنه لا يفهم منه ماذا؟ مخالفة. لا يفهم منه ماذا؟ المخالفة. أي: في قول الله جل وعلا: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾. قال: فلا يفهم منه منع قديد الحوت؛ لماذا؟ لما تقدم معنا: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَةُ الْبَحْرِ﴾. فأما الميتة فما هما؟ الحوت والجراد. فالحوت إذا كان في البحر، وإن كان ميتًا يحل. إذن في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾. هذا على سبيل ماذا؟ خرج مخرج الامتنان. وما خرج مخرج الامتنان، فإنه لا مفهوم له. قال رحمه الله: ومنها: تخصيصه بالذكر لموافقة الواقع. فقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. فإنها نزلت لقوم والوا اليهود من دون المؤمنين. فجاءت الآية ناهية عن الحالة الواقعة من غير قصد التخصيص بها. أي: فلا يفهم فاهم من هذه الآية -فيقول الله جل وعلا- قال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أن يفهم منه: إذا أخذناهم مع المؤمنين لا بأس. هذا لا يفهم منه هذا المعنى؛ لأن الله جل وعلا ذكر هذه الآية على سبيل ما ذا؟ حكاية الواقع. وما كان كذلك، فإنه لا مفهوم له. قال رحمه الله: ومنها: تخصيصه بالذكر جريًا على الغالب، كقوله: «وربائبكم اللاتي في حجوركم». لأن الغالب في الربيبة كونها في حجر زوج أم أمها. طيب هذا كذلك تخصيصه بالذكر جريًا على الغالب -كما مثل-: «وربائبكم التي في حجوركم» من نسائكم. فذكر الحجر؛ لأنه الغالب في زوجي الأم: أن تكون البنت في حجرة. فلو أن رجلا تزوج امرأة وبنتها ليست في حجرة: هل تحرم عليه أم لا تحرم عليه؟ فيكون هذا القيد المذكور -أو الوصف المذكور- على ماذا؟ على سبيل الغالب. ولا مفهوم له. قال رحمه الله: ومنها: تخصيصه بالذكر لأجل التوكيد، كحديث: «لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر» إلى آخره. وهذا كذلك تخصيصه بالذكر لأجل التوكيد. أي: في قوله: «لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر». هل يفهم منه: أن المرأة التي لا تؤمن بالله واليوم الآخر يحل لها أن تسافر بغير محرم؟ الجواب: لا. لكن ذكر من أجل ماذا؟ توكيد المعنى. قال رحمه الله: ومنها: ورود الجواب على سؤال. فلو فرض أن سائلًا سأله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هل في الغنم السائمة الزكاة؟» فأجابه: «في الغنم السائمة الزكاة». لم يكن له مفهوم؛ لأن صفة السوم في الجواب لمطابقة السؤال. وهذا من مواطن منع حمل النص على ماذا؟ على مفهوم مخالفة؛ إذا كان الجواب مطابقًا للسؤال. واضح: أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال. هل لي أن أفعل كذا؟ يقول لك: أن تفعل كذا. لا يقول: يفهم منهم كذا وكذا. لماذا؟ لأن الجواب خرج مخرج مطابقة الجواب للسؤال. فلا يفهم منهم مفهومًا يخالف ذلك الظاهر. قال رحمه الله: ومنها: أن يكون المتكلم لا يعرف حكم المفهوم. فإذا كان المتكلم يعلم حكم السائمة، ويجهل حكم المعلوفة. فقال: «في السائمة الزكاة». يكون قوله لا مفهوم له؛ لأن تركه للمفهوم لعدم علمه بحكمه. وهذا من هذا الباب كذلك. لكن هذا قد يتصور في غير كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. واضح: أما في حقه -في كلام الله- وفي كلام رسوله ليس الأمر كذلك. قال رحمه الله: ومنها: الخوف. كأن يقول قريب العهد بالإسلام لعبده -بحضرة المسلمين-: «تصدق بهذا على المسلمين، تصدق بهذا، تصدق بهذا على المسلمين». فلا يعتبر مفهوم المسلمين؛ لتركه ذكر غيرهم خوفًا من أن يتهم بالنفاق. وهذا واضح؛ إذ أنه قال ما قال لا على سبيل الحاصر الذي له مفهوم، ولكن قال ما قال على سبيل ماذا؟ دفع التهمة. لذا لو أن غلامه أطعم غير المسلمين ما أنكر عليهم. واضح يا جماعة. قال رحمه الله: ومنها: أن يكون السائل يعلم حكم المفهوم، ويجهل حكم المنطوق. فلا يكون للمنطوق مفهوم؛ لأن تخصيصه بالذكر؛ لأن السائل لا يجهل إلا إياه. طيب: لأن السائل لا يجهل إلا إياه -كما تقدر- أن يكون السائل يعلم حكم المفهوم، ويجهل حكم المنطوق. فلا يكون للمنطوق مفهوم؛ لماذا؟ لأن تخصيصه بالذكر؛ لأن تخصيصه بالذكر؛ لأن السائل لا يجهل إلا إياه. أي: لأنه خصصه بالذكر؛ لأن السائل إنما يجهل ماذا؟ يجهل منطوق دون المفهوم. فإذا لا مفهوم له بهذا الاعتبار. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.