الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 18، ألقاها
يشرح المقطع الأول معنى الفحوى والإشارة والمفهوم في علم أصول الفقه، ويفرق بين المفهوم والمنطوق. يبين أن المفهوم هو ما يُفهم من الألفاظ من معناها وإشاراتها.
يناقش المقطع الثاني دلالة المنطوق والمفهوم في اللغة العربية، ويشرح أنواع الدلالات المختلفة مثل دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء. يبين أن المنطوق هو الدلالة الواضحة للفظ على معنى معين.
يناقش المقطع الثالث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء في النصوص الشرعية، ويشرح أن دلالة الاقتضاء تعتمد على تقدير مقصود محذوف. يبين أيضًا دلالة الإشارة والإيماء والتنبيه.
يتناول المقطع الرابع دلالة الألفاظ، ويختلف في كونها دلالات لفظية أو عقلية. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «باب في الفحوى والإشارة»، الفحوى: فحوى القول، معناه ولحنه، يقال: فحوى القول وفحوى الخطاب، أي معناه وما يُفهم منه. قال رحمه الله: اعلم أن مراده بالفحوى والإشارة المفهوم، وعرف المفهوم بأنه ما يُختبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغتها. الإمام ابن قدامى رحمه الله تعالى ختم الكلام في هذا الفصل وفي هذا المبحث، أي في مباحث الكلام ودلائل الألفاظ، بهذا الباب في الفحوى والإشارة، أو قول: دلالة المفهوم، مفهوم اللفظ، ويدخل في مفهوم اللفظ، كما ذكر رحمه الله تعالى، الفحوى والإشارة. عرف المفهوم بأنه ما يُختبس من الألفاظ، ما يُختبس أي ما يُفهم، ما يستنبط من الألفاظ من فحوها، أي من معناها وإشاراتها، لا من صيغتها، لأن ما كان من صيغتها يسمى منطوقًا. فالمفهوم يقابله المنطوق، المنطوق: دلالة اللفظ على معنى، المفهوم: ما يُفهم من اللفظ. يقول: إنسان يتكلم بكلام، يُفهم من كلامه كذا وكذا، هذا يُسمى مفهومًا، سواء كان مفهوم موافقة أو كان مفهوم مخالفة، وسواء كانت دلالة الخطاب بالإيماء أو بالإشارة أو بالاقتضاء أو باللزوم أو بتضمن، إلى غير ذلك، فهذا يُسمى كله مفهومًا. أما إذا دل اللفظ على نص لا يُفهم، وسواه يُسمى منطوقًا، يعني: «وأقيموا الصلاة» منطوق، في وجوب إقامة الصلاة، و«آتوا الزكاة» منطوق، وهكذا، هذا منطوق واضح. فالمفهوم ما يُفهم من المعنى، من معنى الخطاب، سواء كان ذلك الفهم بالدلالات العقلية أو كان ذلك الفهم بدلالة نفس ذلك اللفظ. قال رحمه الله: قلت، وتعريفها المشهور عند أهل الأصول هو أن المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي في محل النطق، أي نطق بذلك المعنى، «أقم الصلاة» منطوق، «لا تضرب زيدًا» منطوق، «أطعم مسكينًا» منطوق واضح. النطق دل على معنى واضح. قال: هو المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي لا في محل النطق، ولكن يُفهم من ذلك النطق واضح جدًا. فالفرق بين المنطوق والمفهوم ما هو؟ المنطوق دلالة اللفظ على معنى، لا تقول: يُفهم، لكن تقول: دل الخطاب على كذا وكذا. مثل: «أقيموا الصلاة» منطوق في إقامة الصلاة، واضح، مثلا «ولا تقل لهما أفٍّ» في حق الوالدين، منطوق في النهي عن التأفف له، مفهومة: أنك لا يجوز لك أذية الوالدين بأي نوع من الأذية، هذا الحكم استفدنا من الآية بمنطوقها أم بمفهومها؟ بمفهومها. قال رحمه الله: وعرف في المراق المنطوق بقوله: معنى له في القصد قد تعصر، وهو الذي لفه به يستعمل. وعرف المفهوم بقوله: وغير منطوق هو المفهوم منه الموافقة قل معلوم. وحاصل تحرير المقام في هذه المسألة أن لها واسطة وطرفين، أن لها واسطة وطرفين، طرف المنطوق بلا خلاف، وطرف مفهوم بلا خلاف، وواسطة مختلف فيها، هل هي من المنطوق غير الصريح أو من المفهوم؟ فالمجمع على أنه منطوق: دلالة الألفاظ على مسمياتها، يعني دلالة الألفاظ على مسمياتها، مثل: «أقيموا الصلاة» هذا منطوق، «أطعم زيدًا» هذا منطوق واضح. والطرف المتفق على أنه مفهوم: كمفهوم المخالفة الآتي ذكره، مفهوم المخالفة الآتي ذكره، كما مثلنا: «لا تضرب زيدًا ما دام قائمًا»، مفهوم: اضربه إذا كان غير قائم، «لا تطعم إلا مسكينًا»، مفهوم: لا تطعم غير المسكين، وهكذا، هذا يُسمى مفهومًا، مفهوم مخالفة. قال رحمه الله: الواسطة المختلف فيها، هل هي من المنطوق غير الصريح ومن المفهوم؟ هي دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه، وجزم المؤلف بأنها من المفهوم. فأجرى غيره فيها الخلاف الذي ذكرنا، أي: هل هي من المنطوق الصريح؟ وهذا بناء على تقسيم المنطوق إلى قسمين: إلى منطوق صريح وإلى منطوق غير صريح. فالمنطوق غير الصريح يدخل فيه دلالة الموافقة، مفهوم موافقة يدخل فيه، مفهوم الموافقة، ويدخل فيه كذلك ما دخل ضمن هذا المفهوم من دلالة الإيماء، دلالة الاقتضاء، دلالة الإشارة، ودلالة اللزوم، وما شابه ذلك. قال رحمه الله: اعلم أن دلالة الاقتضاء لا تكون أبدًا إلا على محذوف دل المقام عليه، وتقديره لا بد منه، لأن الكلام لا يستقيم لتوقف الصحة لتوقف الصدق أو الصحة عليه. قال رحمه الله: فمثال توقف الصدق عليه: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، لو قدر ثبوته، لأنه إن لم يقدر محذوف، أي المؤاخذة بالخطأ، كان الكلام كذبًا لعدم رفع ذات الخطأ، لأنه كثيرًا ما يقع الخطأ من الناس. إذن دلالة الاقتضاء هو المحذوف المقدر، ما هو؟ المؤاخذة، يعني التقدير: رفع عن أمتي المؤاخذة بالخطأ والنسيان، لفظ المؤاخذة موجودة في الجملة غير موجودة، هل يستقيم الكلام بدونها؟ لا يستقيم الكلام بدونها. قال رحمه الله: وكقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لذي اليدين كل ذلك لم يكن»، أي في ظني، لأنه دون ذلك المحذوف يكون كذبًا، لأنه قد وقع بالفعل واحد منهما. قال رحمه الله: مثال توقف الصحة شرعًا عليه: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾، أي فحلق شعره. قال رحمه الله: فاتضح أن دلالة الاقتضاء إنما هي على مقصود محذوف، لا بد من تقديره لتوقف الصدق أو الصحة عليه. هذا هو خلاصة دلالة الاقتضاء، أن دلالة الاقتضاء إنما هي على مقصود محذوف، مقصود من اللفظ، مقصود ولكنه مذكور أو محذوف، محذوف لكن دل عليه الخطاب، ولو لا ذلك المقدر لما صح ذلك الخطاب. قال رحمه الله: وإيضاح دلالة الإشارة: أنها دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود، فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل. قال رحمه الله: كدلالتي ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ على صحة صوم من أصبح جنبًا، لأن إباحة الجماعة في الجزء الأخير من الليل الذي ليس بعده ما يتسع للاغتسال من الليل يلزم إصباحه جنبًا. قال رحمه الله: وكدلالة قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَفَلَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر. قال رحمه الله: وأما دلالة الإيماء والتنبيه: فهي لا تدل إلا على علة الحكم خاصة، وضابطها: أن يذكر وصف مقترن بحكم في نص من نصوص الشرع، على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيبًا. قال رحمه الله: ومثاله قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للأعرابي الذي قال له: هلكت، وقعت أهلي في نهار رمضان، اعتق رقبة، فلو لم يكن ذلك الوقاع علة لذلك العتق كان الكلام معيبًا. قال رحمه الله: وكل هذه الثلاثة من دلالة الالتزام، والحق أنها من المفهوم. قال رحمه الله: ودلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على معنى خارج لازم للمنطوق به. وقد يقال: ما دل عليه اللفظ لا بصريح صيغته ووضعه. والعلماء مختلفون في دلالة اللزوم: هل هي دلالة لفظية أو دلالة عقلية؟ والأظهر والله أعلى وأعلم أنها من الدلالات، الأصل فيها أنها من الدلالات العقلية، وقد تكون في بعض المواطن دلالتها دلالة لفظية على معاني. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.