شرح الجوهرة الفريدة 21

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 21، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية الإيمان بالملائكة

الإيمان بالملائكة هو ركن أساسي من أركان الإيمان، ويشمل الإيمان بوجودهم وتفاصيلهم. يُعد الإيمان بهم جزءًا لا يتجزأ من الإيمان الصحيح.

تفاصيل وحدود الإيمان بالملائكة

يصح الإيمان بالملائكة بمجرد الإيمان بوجودهم، ولكن بعد معرفة التفاصيل يجب الإيمان بها. جحد أي من التفاصيل بعد العلم بها يعتبر كفرًا.

تحذير من عبادة الشيطان وعبادة غير الله

الشيطان وأعوانه يدعون لعبادة غير الله، والله حذر من ذلك. صرف العبادة لغير الله يعتبر من طاعة الشيطان.

عاقبة المعاندين للملائكة وخاتمة

المعاندون للملائكة يتعرضون للخسران في الدنيا والآخرة بسبب عداوتهم لملائكة الرحمن. النص ينتهي بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. ما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ الحكمي، ورحمه الله تعالى، في منظومته الجوهرة الفريدة: قال رحمه الله: باب الإيمان بالملائكة، قالوا بالملائكة الرسل الكرام، وبالملائكة الرسل الكرام عباد الله، نؤمن خابوا من لهم عبدوا من دون ربي تعالى، والتباب لمن كانوا له ولهم والمرسلين عدو، بل هم عباد كرام يعملون بأمر الله، ليس له ند ولا ولد، منهم أمين لوحي الله يبلغه لرسله، وهو جبريل به يفد، وللرياح وقطر والسحاب فميكال بذاك إليه الكيل والعدد، كذاك بالصور إسرافيل، وهو الآن منتظر أن يأذن الصمد، وحامل العرش مع من حولهم ذكروا، وزائروا بيته المعمور مفتقدون، والحافظون علينا الكاتبون لما نسعى، في الحشر إذ أتاهم شهدوا، وآخرون بحفظ العبد قد وكلوا، حتى إذا جاءه الموت لم يفدوا، والموت وكل حقا بالوفاة لرؤوس العباد قبضا، إذا منها خلص الجسد، ومنكر ونكير وكلا بسؤال العبد في القبر عما كان يعتقد، كذاك رضوان في أعوانه خزنوا لجنة الخلد، بشرى من بها وعدوا، كذا زبانية النيران يقدمهم في شأنها مالك بالغيظ يتقدوا، وآخرون فسياحون حيث أتوا مجالس الذكر حفوا من بها قعدوا، وغيرهم من جنود الله، ليس يعلمها إلا العليم الخبير الواحد الأحد. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأبيات ما يتعلق بالإيمان بالملائكة، فالإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يتم الإيمان إلا بالإيمان بها، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وقد دلت النصوص في كتابه والسنة على وجوب الإيمان بالملائكة. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾. وقال جل وعلا: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾. في حديث جبريل بصحيح الإمام مسلم رحمه الله، وجاء كذلك في البخاري حديث عمر المعروف، حين سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». فالإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان. والإيمان بالملائكة على نوعين: إيمان إجمالي وإيمان مفصل. الإيمان المجمل هو الذي يصح الإيمان به ابتداء، الذي يصح به الإيمان ابتداء ويقوم به الركن، وهو أن يعتقد العبد أن الملائكة خلق من خلق الله جل وعلا، هناك خلق من خلق الله جل وعلا يقال لهم الملائكة. فهذا لابد أن يعلم، لا يقوم الإيمان ولا يصح الإيمان إلا بالإيمان بهذا. فإذا آمن العبد بأن خلقا من خلق الله جل وعلا يقال لهم الملائكة، وجب عليه بعد ذلك أن يؤمن بكل ما جاء فيما يتعلق بهم تفصيلا. يُعذر في أول أمره بعدم معرفة التفاصيل، لأن الإيمان بالملائكة يتضمن تفاصيل ويتعلق به تفاصيل قد لا يعلمها الإنسان من أول مرة. فلا يشترط في صحة الإيمان أن يعلم العبد كل ما يتعلق بالملائكة في بداية إيمانه، بل يصح الإيمان منه بالملائكة إذا آمن بأن من خلق الله جل وعلا خلق يقال لهم الملائكة، فيؤمن بوجودهم. وبعض العلم كذلك يقول: أن يؤمن بأن من الملائكة جبريل الموكل بالوحي من الله جل وعلا. فإذا آمن بهذا في أول أمره صح الإيمان، وقام عنده هذا الركن. وبعد ذلك وجب عليه أن يؤمن بكل ما جاء من تفاصيل تتعلق بهذا الركن. فإذا جحد شيئا قد بلغه العلم من الكتاب والسنة الصحيحة، فرده ولم يؤمن به، فقد كفر. ولم ينفعه ذلك الإيمان الذي آمن به، مثلا آمن بوجود الملائكة وأنهم خلق من خلق الله عز وجل، ثم قيل له: من الملائكة من يقال له إسرافيل، إسرافيل ملك من ملائكة الله، عليك أن تؤمن بذلك لأن ذلك قد جاء في الشرع. وهكذا يقال له: هناك ميكائيل ملك من الملائكة، وغير ذلك. فحينئذ لابد أن يؤمن، إذا قال: لا، أنا ما أؤمن بملك يقال له إسرافيل، ولا أؤمن بملك يقال له ميكائيل، نقول: قد كفرت، لم تؤمن بالملائكة. لأن الإيمان بالملائكة الإيمان بما جاء في ذكرهم في كتاب الله، فالله جل وعلا هو الذي أخبر عنهم في كتابه، أو رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته. عذرت في أول أمرك بعدم علمك بأن هؤلاء من الملائكة، فعذرت في أول أمرك، لكن لا عذر لك بعد العلم، لا عذر لك بعد بلوغ العلم إليك من الكتاب أو السنة الصحيحة مما ذكر من أسمائهم أو مما أوكل به من أعمال، وهذا مما ذكر في تفاصيلهم، فكل ذلك وجب الإيمان به. وهذا معنى الإيمان التفصيلي بالملائكة، وهو وجوب الإيمان بذلك تفصيلا بعد بلوغ العلم. والمؤلف رحمه الله تعالى هنا ذكر في هذه الأبيات ما يتعلق بالإيمان بالملائكة، وهم الرسل الكرام الذين هم عباد الله، فليس هم لهم مشاركة مع الله جل وعلا في خلق شيء، ولا في تدبير شيء. بل هم خلقوا من خلق الله جل وعلا، خلقهم الله وخلقوا من نور، كما جاء في صحيح مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «خلقت الجان من مارج من نار، وخلقت الملائكة من نور، وخلق آدم مما وصف لكم». أي من تراب. فالملائكة خلقوا من خلق الله جل وعلا، خلقوا من نور، فإذا من عبدهم فقد أشرك بالله جل وعلا، لأنهم لا يستحقون شيئا من العبادة، بل هم عباد لله سبحانه وتعالى، وهم خلق من خلق الله جل وعلا. ولذلك قال رحمه الله: «خابوا من لهم عبدوا من دون ربي تعالى، والتباب لمن كانوا له ولهم والمرسلين عدو». وقد عبد الملائكة طوائف من الناس، عبدوا الملائكة وصرفوا لها العبادة. ولذلك الملائكة تتبرأ يوم القيامة من هؤلاء الذين عبدوهم. ويقولون: «إنما كانت عبادتهم للجن، نحن ما أمرناهم بعبادتنا، ولا نرضى بذلك، بل عبدوا الجن، الجن هم الذين دعوهم وزينوا لهم عبادة الملائكة وعبادة الصالحين». فالشيطان إبليس وأعوانه هم الذين يدعون الناس إلى عبادة غير الله، سواء إلى عبادة الملائكة أو كان ذلك بعبادة الصالحين، وغير ذلك. ولذلك الله جل وعلا حذر ونهى عن عبادة الشيطان، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ألا تعبدوا الشيطان﴾، فنهى عن عبادة الشيطان. وليس معناه وليس معنى النهي أن تسجد للشيطان أو تنذر له أو تذبح له تقربا تعظيما، لا، وإنما المعنى أعم من ذلك. معناه: لا تصرفوا شيئا من العبادة لغير الله، فإن صرف أي عبادة لغير الله فهي من عبادة الشيطان. لماذا؟ لأن الذي أمر بها الشيطان، الذي أمرك بهذه العبادة بأن تعبد صالحا أو تعبد جنيا أو تعبد وليا أو تعبد نبيا، الذي أمرك بذلك هو الشيطان. فإذا أطعته بذلك عبدته، عبدت الشيطان. فلذلك الله جل وعلا نهى عن عبادة الشيطان، وعبادة الشيطان تكون بصرف العبادة لغير الله جل وعلا. فطوائف عبدوا الملائكة، وطوائف كذلك عبدوا غير الله جل وعلا من الصالحين والأنبياء، ومن الناس من عبد الشمس، ومنهم من عبد القمر، إلى آخر ما عبد من دون الله جل وعلا. ولذلك الله جل وعلا أخبر عنهم في كتابه الكريم: «بل كانوا يعبدون الجن»، هكذا تقول الملائكة يوم القيامة حين تسأل: هل هم أمروا هؤلاء بعبادتهم؟ يقول: لا، ما يقولون أنهم إنهم أمروهم في عبادتهم، بل كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون. يعني آمنوا بالجن وعبدوا الجن. فصارت العبادة المصروفة للملائكة في الحقيقة هي عبادة مصروفة للجن، لأنها كانت بأمر الشيطان إبليس وأعوانه من شياطين الإنس، الذين زينوا عبادة غير الله جل وعلا، وأمروا الناس بالشرك بالله جل وعلا. وهناك طوائف قالت: الملائكة هم بنات الله، فجعلوا الملائكة بنات للرب سبحانه وتعالى، تعالى الله جل وعلا عن قولهم علوا كبيرا. فهو جل وعلا الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوة أحد. مع أنهم لا يرضون بذلك إذا نسب إليهم البنات، تضجروا من ذلك وتأففوا من ذلك، واستقبحوا ذلك. ومع هذا نسبوا إلى الله جل وعلا البنات، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾. هم لا يرغبون في نسبة البنات إليهم، بل إذا رزقوا بالبنات دفنوا البنات، ودفنوا هذه الموؤودة، وإذا الموؤودة سئلت، وهذا البنت المدفونة ظلما وعدوانا كانوا يدفنونها لأنهم يرون ذلك عارا عليهم. ومع هذا نسبوا إلى الله جل وعلا البنات، سبحان الله، نزهوا أنفسهم عن نسبة هذا الأمر إليهم، مع أنه لا استقباح في حقهم، ونسبة البنات إليهم ليس فيه شيء من العار، ولا غير ذلك. ومع هذا جعلوه عارا، ونسبوا إلى الله جل وعلا البنات. فقالوا: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. ولذلك قال رحمه الله تعالى: «خابوا من لهم عبدوا من دون ربي تعالى، والتباب لمن كانوا له ولهم والمرسلين عدو». أي أنهم خسروا في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من عداوة ملائكة الرحمن جل وعلا. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. نكتفي بهذا القدر.