الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 142، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بعد معركة صفين خرج الخوارج على علي رضي الله عنه، فندب ابن عباس لمناظرتهم وكشف جهلهم بالسنة رغم شدة عبادتهم، مبيناً أنهم حدثاء أسنان لا علماء فيهم، مستدلاً بذلك على ضلال الفرق الحديثة المشابهة.
اعترض الخوارج على علي بثلاث شبه: تحكيم الرجال، قتال دون سبي، ومحو لقب أمير المؤمنين، فرد ابن عباس بالدليل القرآني والقياس المنطقي مستدلاً بتحكيم الله في الصيد والإصلاح، وباستحالة سبي أم المؤمنين، فانقطع بعضهم وأصر آخرون.
ألزم ابن عباس الخوارج الحجة فرجع منهم ألوف، وقاتل علي الباقين في النهروان، وعثر على المخدج ذي الثدية كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فسجد شكراً لله، وهو من دلائل النبوة.
توفي في هذه السنة خباب بن الأرت، وخزيمة ذو الشهادتين، وسفينة مولى رسول الله، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، رضي الله عنهم، وختم الحديث بالاكتفاء بهذا القدر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: عرفنا شيئاً من أحداث هذه الغزوة، وأمر الحكم بين الفريقين: فريق أهل الشام وقائدهم معاوية رضي الله تعالى عنه، وكذلك علي ومن معه الطائفة الأخرى. فانتهى الأمر برفع شعار الصلح، واختار كلا الفريقين حكماً لهما، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، واختار علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أبا موسى الأشعري. ولكن لم يتفق الحكمان على شيء، وانتهت الحرب بينهما، وانصرف علي رضي الله عنه إلى العراق، ومعاوية رضي الله تعالى عنه إلى الشام، وكل واحد منهما ولي على من هو فيه من البلد: العراق لعلي، والشام لمعاوية، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. فلما وصل علي الكوفة خرجت عليه الخوارج، فكفروه، أي كفروا علياً، وخرجوا عليه بالسيف والسنان، وأبوا الانضمام تحت ولايته بحجة أنه أمير الكافرين وليس بأمير المؤمنين. واجتمعوا بحروراء، وهو اسم موضع في العراق، ولذلك سموا بالحرورية. فأرسل علي رضي الله تعالى عنه إليهم عبد الله بن عباس. وفي الحقيقة كما جاء في هذا الحديث، حديث مناظرة ابن عباس للخوارج، ابن عباس صحابي جليل من علماء الصحابة، هو الذي رأى مناظرة هؤلاء، وقيام الحجة عليهم، ووضّح شبههم ووضّح شبههم. فذهب إليهم وهم في مكانهم، حتى تخوف عليه علي بن أبي طالب، وقال: إني أخافهم عليك، يعني أخاف أن يفعلوا بك شيئاً. ولكن ابن عباس وثق بالله عز وجل وتوكل على الله، وذهب إليهم ليناظرهم ويعرف ما عندهم من الشبه، ما عندهم من الشبه. فأتاهم بعدما تجمل ولبس أحسن زينة وأفضل ثياب. فلما رأوه أنكروا عليه ذلك، قالوا له: ما هذا اللباس يا ابن عم رسول الله؟ فقال لهم: تأخذون علي ذلك، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبس الحلة الحمراء، أي بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، يلبس أحسن الثياب عند اجتماعه بالوفود، وفي العيد كذلك. وما ننكر عليه إلا لجهلهم بالسنة، إلا لجهلهم بالسنة. المهم: جاءهم ابن عباس، فقالوا له: من أين جئت يا ابن عباس، وما الذي جاء بك؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عند المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم رسول الله وصهره علي بن أبي طالب، لأنظر ما عندكم، لأنظر ما عندكم. قال ابن عباس لما رآهم، كما قال المؤلف: فأرسل علي إليهم عبد الله بن عباس، فأتاهم وقال: فلم أرى قوماً أشد اجتهاداً منهم ولا أكثر عبادة. وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، قول ذلك الرجل الخارجي: ما أريد بهذه القسمة وجه الله، أو وجه الله. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، وغضب الصحابة، ومنهم عمر، وأراد أن يقع به عمر رضي الله عنه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: دعه، فإنه يخرج من ضئض هذا أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم. إذن هم أهل عبادة، هم أهل عبادة، فلا يغتر المسلم بشخص عنده من العبادة، وعنده من الطاعة، من الصيام، من القيام، لكنه على غير السبيل وعلى غير السنة، لا يغتر به. فها هم الخوارج كانوا أهل عبادة كما وصفهم النبي عليه الصلاة، وكما رآهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فلم أرى قوماً أشد اجتهاداً منهم ولا أكثر عبادة. لكنهم قد مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية. نعم. فقال لهم ابن عباس: ما تنقمون؟ لماذا كفرتم علياً ومن معه؟ ماذا تنقمون منهم؟ وقبل هذا قال لهم أيضاً بعد ما ذكر الصحابة: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، ومن ابن عمي رسول الله وصهره علي، وليس فيكم منهم أحد. يعني ليس في هؤلاء الخوارج، وكانوا ستة آلاف، كانوا ستة آلاف خارجي اجتمعوا على هذا الفكر الخبيث، وعلى هذا التكفير. فقال لهم: مع أن الصحابة متوافرون، الصحابة في زمن علي كثير، بل ومنهم من هو من أكابر الصحابة، ومع هذا لم يكن من الخوارج أحد من الصحابة أبداً، وليس فيكم منهم أحد. وهذا فيه أن من علامة أهل الباطل أنهم حدثاء الأسنان، حدثاء الأسنان، ليسوا من العلماء، وليسوا من الفقهاء، وليسوا من ذوي العلم، بل هم جهال وسفهاء الأحلام، وكذلك صغار السن. والعلم هذا من صفات الخوارج، من صفات الخوارج. لذلك أنبه ابن عباس إلى هذا الأمر المهم، وهو الرجوع إلى أهل العلم، والاستئناس في دعوتك بموافقة أهل العلم، بموافقة أهل العلم. فأي طائفة أو فرقة أو جماعة تدعي أنها على الصواب وليس فيها علماء، فهذا من دلالة ضلال هذه الجماعة أو هذه الطائفة. انظر مثلاً في الساحة الدعوية اليوم، لو نظرت إلى جماعة الإخوان المسلمين، من من العلماء المحققين المؤلفين المفتين في جماعتهم؟ ما تجد، ما تجد عالماً راسخاً من علماء الأمة مما شهد له بغزارة العلم وصحة المعتقد، وكذلك صحة السير والسلوك والمنهج مع هؤلاء الإخوان المسلمين. هذا يكفي في بطلان دعوتهم. وهكذا انظر إلى جماعة التبليغ، من معهم من العلماء؟ بل هم ينفرون من العلماء، ولا يحبون خروج العلماء معهم، وأن للعلماء أن يخرجوا معهم، لأنهم على ضلال وعلى انحراف. وهكذا لو نظرت إلى التكفيريين الخوارج في زماننا هذا، جماعة السرورية ومن نحا نحوهم، من من العلماء في دعوتهم؟ من من العلماء على طريقتهم؟ ما تجد، ما تجد عالماً معروفاً راسخاً يوافقهم على ما هم عليه وهو على طريقتهم. وهكذا غيرها من الجماعات والفرق التي خرجت عن السنة، تجد أن أهلها سفهاء الأحلام وحدثاء الأسنان، حدثاء الأسنان، ليس فيهم عالم. فهذا ملحظ مهم في السير إلى الله عز وجل، أن تنظر إلى العلماء، وسير العلماء، ونهج العلماء، وسلوك العلماء في مثل هذه الفتن الحادثة. فمن اتبع علماء الأمة بما يحل بالأمة فهو المعصوم بعصمة الله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. ثم قال لهم ابن عباس: ما تنقمون؟ يعني ما هي شبهكم، وما هي الأمور التي بها خرجتم وفارقتم الجماعة؟ قالوا: ثلاث، ثلاث مسائل عندهم. إحداهن: أنه حكم الرجال في أمر الله، أي علي رضي الله عنه، وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. ويعنون ما وافق عليه علي من أمر الصلح بينه وبين معاوية، أن جعل أبا موسى الأشعري حكماً له، وجعل معاوية عمرو بن العاص حكماً له. فقالوا: إذن علي رضي الله عنه حكم الرجال، والله عز وجل يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. انظر: يعني أهل البدع قد يستدلون بالآية القرآنية أو الحديث النبوي الصحيح، لكن يضعونه في غير موضعه، ويفهمونه بغير فهمه الصحيح. فهم استدلوا بهذه الآية، وسيأتي رد ابن عباس لقولهم هذا، والاستدلال هم هذا. قالوا: والثاني: أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم. فإن كانوا مؤمنين فما حل لنا قتالهم، وإن كانوا كافرين فقد حلت لنا أموالهم وسبيهم. قالوا: هو قاتل في الجمل، وقاتل في صفين، لكنه لم يسب ولم يغنم، ما أخذ النساء بل فكهن وردهن، ولم يغنم ويأخذ أموال من قاتلهم من الصحابة. فإن كانوا مؤمنين هؤلاء الذين قاتلهم، فلماذا يقاتلهم؟ ما حل لنا قتالهم. وإن كانوا كافرين فقد حلت لنا أموالهم وسبيهم. هذه شبهتهم، وسيأتي رد ابن عباس لها. وفي هذا: أن المناظر أولاً يستمع لشبه الخصم، وشبه الجاهل، ولا يعترضه، ولا كذلك يقاطعه. هذا من آداب الحوار والمناقشة والمناظر: تستمع ما عند القوم، ثم ترد على ما ذكروه. شبه، شبه، شبه، شبه. هذه الثانية. قالوا: الثالثة: أنه محا نفسه من أمير المؤمنين، يعني ما كتب "أمير المؤمنين" في ورقة الصلح الذي بينه وبين معاوية. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. لماذا ما يكتب أمير المؤمنين؟ إذن مادام أنه ما كتب أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. هذه الحجة أو الشبهة الثالثة. فقال لهم ابن عباس رداً على هذه الشبه الثلاث، شبه، شبه: قال لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله الحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم ما لا تنكرون، أترجعون؟ وهذا من فطنة ابن عباس، وينبغي هكذا أن يكون المناظر: إذا أقنعتكم وأتيت لكم ما ينقض، أو ما ينقض هذه الشبه، هل أنتم ترجعون، أو أنكم أهل هواء؟ وهذا فيه: أن المناظر، المناظر ينبغي له إن دعي إلى المناظرة أن ينظر إلى المصلحة، أن ينظر إلى المصلحة. لذلك حذر العلماء من مناظرة أهل البدع، لماذا؟ لأن الغالب أنهم أهل أهواء، يضعون، يضعون الشبه لتعلق في قلوب الجهلة، ولا يرجعون. فإذا ما الفائدة من مناظرتهم؟ ففي هذا: جواز مناظرة أهل البدع، لكن بشرط أن تكون هناك مصلحة من رجوع هؤلاء أو بعضهم، أو من رجوع بعض العام الذين ربما تعلقوا بهذه الشبه، أو نعتوا ذلك. فقال لهم ابن عباس: لو حدثكم، قرأت عليكم من كتاب الله، ومن سنة النبي عليه الصلاة، ما ينقض هذه الشبه، هل أنتم ترجعون؟ فقالوا: نعم نرجع. وبعضهم صادق، وبعضهم غير صادق، لأنه سيأتي معنى أن الذي رجع منهم ألفان، وبقي أربعة آلاف. قال: فقلت: أما قولكم إنه حكم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾. أنشدكم الله: أفتحكيم الرجال في إصلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم وأموالهم، أحق، أم في أرنب ثمنها ربع دينار، أو ثمنها ربع درهم، أو بضع امرأة؟ فقالوا: فقالوا: اللهم بلى، في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم. فقلت: أخرجتم من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. فإذا الله عز وجل حكم الرجال في أشياء دون بكثير من هذه المسألة التي حكم فيها علي الرجال، وهي حقن الدماء وإصلاح ذات البين. فمن قتل الصيد وهو حرم، يحكم اثنان من أهل العدل، من أهل العدل، على هذا المعتدي بقيمة ما قتله، هم يقدرون ذلك، ماذا يساوي هذا الذي قتله؟ هذا معروف في أحكام قتل المحرم للصيد. فإذا الله عز وجل حكم الرجال في هذا الأمر الشرعي، في هذا الأمر الشرعي، في أرنب ثمنها ربع درهم، أي ما يساويها وما يوازيها من الحيوان. وكذلك حكم الرجال في الخصومة بين الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. فهذا حكم في بضع امرأة، يعني بسبب هذا الحكم قد يحل هذا الفرج، وقد يحرم، قد يوفق الله المصلحين أو الفريقين، فترجع هذه المرأة لزوجها فيحل لها بضعها فيجامعها وهي زوجة له، وقد لا يوفق إلى ذلك، أو لا يوفق إلى ذلك، فتطلق من زوجها فيحرم عليه بضعها. هذا حكم فيه الرجال، وهو في بضع امرأة. أيهم أعظم؟ حقن الدماء والصلح بين المسلمين أحق تحكيم الرجال، وهذه المسائل الذي جاء في القرآن تحكيم الرجال فيها. فخصموا، ولم يستطيعوا أن يردوا بشيء، أن يردوا بشيء. قال: وأما قولكم إنه قاتل ولم يسبي ولم يغنم، أفتسبون أمكم؟ لأن كان في الجمل عائشة رضي الله تعالى عنها، فتسبون أمكم وتستحلون منها ما تستحلونه من غيرها من النساء؟ فإن قلتم نعم فقد كفرتم، لأن الله عز وجل حرم على المؤمنين أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. فكيف لو سبيت أم المؤمنين، ستكون أمه لمن كانت نصيبه في السبي؟ وهذا لا يجوز، فهذا كفر، ومعارض للقرآن. وإن زعمتم أنها ليست لكم بأم، مثل غيرها من النساء، فقد كفرتم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، فهي أم لكم. فمن يسبي أمه؟ أحد يسبي أمه؟ لا. فإن كنتم تترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيتهما ما شئتم، كما يقال: أحلاهما مر. إما أنكم تستحلون من أمكم ما تستحلون من غيرها من النساء، وإما أنها ليست بأم لكم. هل يستطيعون يختارون إحدى هاتين الضلالتين؟ لا يستطيعون. خصمهم. فقال لهم: فاختاروا أيتهما، فاختاروا أيتهما شئتم. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأما قولكم إنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أراد أن يكتب بينه وبين قريش في الصلح، فقال لعلي: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. امح يا علي، واكتب: محمد بن عبد الله. فقال: والله لا أمحوك أبداً. قال: فأرني موضعها، فأراه ذلك، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، لما في ذلك من المصلحة. وهذا الصلح ليس مع مؤمنين، بل مع كفار. وهذا المحو ليس لأمير المؤمنين، بل لنبي الأمة عليه الصلاة والسلام. فأيهما أعظم محواً؟ محو النبوة، أو محو أمير المؤمنين؟ أعظمها محو النبوة. ومع هذا محى النبي عليه الصلاة والسلام هذا اللفظ، محاه عليه الصلاة والسلام، أي الرسالة. نعم، محو لفظ الرسالة في صلح الحديبية، لما رأى من ذلك من مصلحة. وهكذا علي رضي الله تعالى عنه هو أمير المؤمنين، وإنما محا اسمه، أو محا "أمير المؤمنين"، لما رأى من مصلحة، لما رأى من مصلحة. فلذا قال لهم: فوالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي، وهو محى لفظ الرسالة، فكيف تنقمون على علي رضي الله تعالى عنه أنه محا لفظ أمير المؤمنين؟ فهذا إلزام لا يستطيع هؤلاء رده. فقال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم أربعة آلاف في بعض الأحاديث. وهذا الحديث كما تقدم، حديث مناظرة ابن عباس الخوارج، أخرجه النسائي في سننه، والحاكم، والبيهقي، وكثير من أهل المسانيد، وذكرها شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين"، وصحح هذا الحديث وهذه المناظرة. لكن في تلك الألفاظ أنه رجع منهم ألفان، لكن هنا ذكر المؤلف أنه رجع منهم أربعة آلاف. فالظاهر والله أعلم أن الذي رجع ألفان، وبقي أربعة آلاف، وكانوا ستة آلاف، هذا الذي جاء في الحديث الصحيح. ومن أحب أن يزيد بحثاً ومطالعة لطرق هذا الحديث، هل ورد في بعض الروايات أن الذي رجع أربعة آلاف، إن شاء الله تبحثون عن ذلك. قال: وخرج عليه باقيهم، وهم أربعة آلاف. قال: عندي مراجع الحوار بين ابن عباس والخوارج، فمن أراد المراجع فليبشر. إذن أن تسبق إن شاء الله، مدام عندك المراجع تراجع لنا إن شاء الله طرق هذا الحديث. فنريد غداً إن شاء الله توافينا: كم عدد هؤلاء الخوارج الذين انحازوا إلى حروراء، وبعد انتهاء المناظرة كم رجع منهم؟ أهم أربعة آلاف أو ألفان؟ نعم تفضل. المكتبة هي كاملة، هم سيراجعون، حتى من الشبكة، من المكتبة الشاملة: النسائي، انظروا سنن النسائي، ومستدرك الحاكم، انظروا نسخة الشيخ مقبل، مستدرك الحاكم، انظروا صحيح المسند ما ليس في الصحيحين، كم ذكر الشيخ الرواية بالأربعة آلاف وبالألفين، انظروا هذا إن شاء الله. قال: وخرج عليه باقيهم فقاتلوه، فقتل منهم مقتلة عظيمة. نعم، الصحابة قاتلوا هؤلاء الذين أبوا وأصروا على ضلالهم وتكفيرهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكانت هذه المقتلة كذلك تذكر أنها في النهروان. نعم، وقتال الخوارج. قال: وأمر بالتماس المخدج ذي الثدية، فلما وجده، أي علي، سجد لله شكراً، لأن آية الخوارج أن هذا الرجل معهم، وفي صفهم، وفي صفهم. وهذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، في حديث ذلك الرجل الخارجي الذي طعن في النبي عليه الصلاة والسلام في قسمه، قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فذكر أنه سيخرج من ضئض هذا أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتكم، إلى آخر الحديث. ثم قال في آخره: وآيتهم رجل، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: وآيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة، أو مثل البضعة تدردر، أي تضطرب. يعني عضده هذا بدون عظام ولا ساق، وإنما مثل الثدي فقط، مثل الثدي تضطرب هكذا، وهو أسود. رجل أسود، هذا الرجل سيكون في صفوف الخوارج. فلما انتهت المعركة، بحث عليه علي بن أبي طالب، حتى يطمئن، من باب: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ومن باب كذلك الوقوف عند دلائل النبوة. وهذا مما يزيد المسلم إيماناً، عندما ترى شيئاً تحقق، وقد أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام سابقاً، فهذا مما يزيد من إيمان المؤمن، وأيضاً يطمئن قلبه. فقال: آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، أي تضطرب، يخرجون على حين فرقة من الناس. وهذا الرجل ذكر الشراح، شراح الحديث، اسمه، وأن اسمه حرقوص بن زهير البجلي، حرقوص بن زهير البجلي. فلما رآه علي مقتولاً في صفوف الخوارج، فرح فرحاً شديداً، وعلم الناس جميعاً ضلال هؤلاء الخوارج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بعلامات يتصفون بها، ومن تلك العلامات وجود هذا الرجل بينهم. آيتهم، يعني علامتهم، علامتهم. وكما فرح علي رضي الله تعالى عنه لما قتل عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في صفه، قتله معسكر معاوية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تقتل عمار الفئة الباغية. لذلك ذكر شيخ الإسلام بن تيمية عليه رحمة الله أن المحق من الطائفتين، بما وقع بين علي ومعاوية، هو علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لهذا الحديث: تقتل عمار الفئة الباغية، وقتل عمار معسكر معاوية، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. فمثل هذه لا شك أنه يزيد أهل الحق ثباتاً وطمأنينة، وطمأنينة. وهكذا هذه العلامة في الخوارج، فرح الصحابة وفرح علي رضي الله تعالى عنه، حتى سجد لله شكراً. وفي هذا مشروعية سجود الشكر عند إحداث نعمة متجددة، كنصر، أو قتل عدو لهذا الدين، أو ظهور آية لأهل الحق، أو نحو ذلك، فلا بأس من هذا السجود، وقد ذكر في كتب الفقه. قال: وفي هذه السنة مات خباب بن الأرت، وخزيمة ذو الشهادتين، وسفينة مولى رسول الله، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، رضي الله عنهم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا الله تعالى.