الدرس في شرح تائية الألبيري 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يجب فهم الكتاب والسنة بمنهج السلف الصالح كما صحح النبي ﷺ فهم الصحابة، محذراً من تقديم العقول على فهم السلف. الكسل في طلب العلم يورث الجهل ويذهب الهيبة كما ظهر في موقف أبي حنيفة مع السائل الجاهل.
العلم يرفع مكانة صاحبه في الدنيا والآخرة بينما الجهل يجعل الإنسان كالمفقود. من ينتفع بالنصائح يُذكر بالخير ومن يهملها طلباً للدنيا يندم كما في قصة ابن عباس مع الفتى الأنصاري.
ضرب الشيخ مثلاً بابن عباس في صبره وجدّه بطلب العلم حتى بلغ المنزلة العالية بينما ندم المتثاقل. حذر من الكسل والفتور والانشغال بالمال مؤكداً أن العلم الحقيقي هو المال النافع الموصل للجنة.
المال وديعة من الله يختبر بها العباد كما في حديث النبي ﷺ عن حلاوة الدنيا وخضرتها. حذر من فتنة النساء كأول فتنة لبني إسرائيل مختتماً الدروس على أن تكمل لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول أبو إسحاق الألبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية الوعظية الزهدية، وفي سياق نصحه ووعظه وتذكيره: «وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمت». أي: لو أنك اشتغلت بالعلم وحصلت منه شيئاً من النصيب، ثم دخلت في فهمك مداخل معوجة، وأخذت تفهم من نصوص الكتاب والسنة فهماً خاطئاً، فليتك ثم ليتك ما فهمت. يعني: لو أنك ما فهمت، لكان هذا خيراً لك من أن تفهم هذه الفهوم الخاطئة. ولذلك ننبه هنا على أصل عظيم من أصول دعوة أهل السنة والجماعة، وهو: أن يكون فهم الطالب وفهم السائر في طريق العلم على فهم السلف الصالح، كتاباً وسنة على فهم سلفنا الصالح؛ لأن فهمهم هو الفهم الصائب، وهو الفهم الصحيح، لأنهم من عايش التنزيل، ومن فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم. وإن أشكل على أحدهم فهم خاطئ، عرضه على النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا أمثلة كثيرة، كقول الله عز وجل: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: 82]، ففهموا الظلم بمعنى ظلم العبد لنفسه، فقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم الفهم الصحيح لمعنى الظلم في هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس كما تقولون، ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ أي: بشرك». فبين لهم المعنى الصحيح. ولذلك أمرنا ربنا عز وجل أن نسلك سبيلهم، وأن كذلك ننهج نهجهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: 115]، غير فهم وطريق المؤمنين. ومن هم المؤمنون الذين نزلت عليهم هذه الآية؟ إنهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ [النساء: 115]. ولذلك يقول الإمام أحمد: «لا تقل في المسألة قولاً ليس لك فيه إمام، لم يقل بهذه المسألة إمام». لا تفهماً يخالف فهماً السلف الصالح، فلا بد مع تحصيل الأدلة والنصوص والعلم من فهم السلف الصالح. وهذه ميزة اختص بها أهل السنة، بها أهل السنة: كتاب وسنة على فهم سلف الأمة رحمهم الله تعالى. وأوضح ذلك بمثال، وهو ما وقع فيه أهل البدع والضلال كالمعتزلة والجهمية والأشاعرة والفلاسفة، فأتوا من قبل فهومهم الخاطئة، كتأويلهم وتحريفهم لآيات الصفات، وتقديم عقولهم على ما جاء عن سلف الأمة، كالإمام أحمد والإمام مالك وغيرهما من علماء الأمة، فوقعوا فيما وقعوا فيه من هذه الضلالات والبدع والمحدثات. فإذا لا بد أن يكون فهمك يا طالب العلم على فهم السلف الصالح، لا تخرج عن فهمهم. نعم، ثم قال: «ستجني من ثمار العجز جهلاً، وتصغر في العيون إذا كبرت». يعني: إذا مضى الإنسان في هذه الحياة بالعجز والكسل والفتور والتواني، قيل له: اطلب العلم، قال: إن شاء الله، الآن ما في همة، إن شاء الله بعد شهر أو بعد سنة نطلب العلم. شارك في هذه الدورة هذه السنة، ما في رغبة، ننظر إن شاء الله السنة الثانية. هكذا عنده عجز وعنده كسل في طلب العلم، فما ثمرة هذا الكسل؟ الجهل، سيبقى على جهله. «ستجني من ثمار العجز جهلاً»، هذه هي العاقبة. ﴿وقل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: 9]، فلا يرتفع الجهل إلا بالجد والاجتهاد في طلب العلم النافع. ثم قالوا: «وتصغر في العيون إذا كبرت». هذه آفة أخرى من آفات الكسل والفتور والتواني في طلب العلم، أنك إذا صرت كبيراً تصغر في عيون الناس، ليس لك حظ من العلم، ولو شابت لحيتك، ولو انحنى ظهرك، ولو بلغت من العمر عتياً. فتكون صغيراً لا قيمة لك في المجتمع، ولا هيبة لك بين الناس. يروا أن رجلاً ذا هيبة حسنة وذا لحية طويلة أتى مجلس أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة ممداً رجليه، فلما رآه هابه وضم رجليه. جاء هذا الرجل وسأل أبا حنيفة سؤالاً، قال له: «أرأيت إن كانت علي جنابة ثم اغتسلت في نهر، هل ترتفع هذه الجنابة؟» فمد أبو حنيفة رجليه، وقال: «أنا لأبي حنيفة أن يمد رجليه». علم أن هذا الرجل ليس كما ظن، ما عنده علم، أسئلته تدل على جهله، تدل على جهله. فالعلم هو الذي يجعل الهيبة على صاحبه. فلربما الصغير العالم تكون له من الهيبة، وتكون له من المنزلة والمكانة أعظم وأكثر من ذاك الذي كبر سنه لكنه جاهل لا علم عنده. وهذا معنى «وتصغر في العيون إذا كبرت». ثم قال: «وتفقد إن جهلت وأنت باقٍ، وتوجد إن علمت ولو فقدت». هذا أيضاً من ثمار الجهل والكسل والعجز عن طلب العلم: تفقد إن كنت جاهلاً وأنت باقٍ، موجود بجسدك، لكن حكمك بين الناس كحكم المفقود الغائب، كحكم المفقود الغائب لا أثر له ولا نفع منه. ولكن لو كنت عالماً، توجد ولو فقدت. والفقدان يكون بأمرين: الأمر الأول: إن لم تكن حاضراً في ذلك المجلس، وأنت تعيش في بيتك، يذكرك الناس: فلان أفادنا البارحة فائدة، ذكرنا بموعظة طيبة، تذكر وأنت في بيتك بالجميل، وتذكر بالأعمال الحسنة. وكذلك يكون الفقد بالموت، ربما تكون في قبرك ولا يزال الناس يذكرونك بما بثثت ونشرت من العلم ومن النفع. قد مر معنا نحو ذلك في بعض الأبيات المتقدمة، وذكرنا قول القائل: «قد مات قوم وهم في الناس أحياء، وعاش قوم وهم في الناس أموات». نعم، مات قوم وهم في الناس أحياء، دائماً يذكرون: قال فلان رحمه الله، قال الإمام البخاري، قال الإمام مالك، قال الإمام مسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، قال الإمام الوادعي، قال العلامة الألباني، قال العلامة ابن باز. سبحان الله، أفتى العالم الفلاني بكذا وكذا، قد ماتوا منذ لربما مئات السنين أو عشرات السنين، وهم يذكرون بين الناس كأنهم موجودون بين الناس. «وتوجد إن علمت وإن فقدت». ثم قال: «له وتذكر قولي لك بعد حين، إذا حقاً بها يوماً عملت». هذا البيت فيه حث من المؤلف على الأخذ بهذه الوصايا والاعتناء بها، فيقول له: إذا أخذت بما أقول لك من تلك النصائح المتقدمة، فإنك ستنتفع بها نفعاً عظيماً، وستذكر جميلي وحسن نصحي لك. وهذا فيه أن العالم والداعي لله عز وجل عليه النصح والبيان، أما أخذ النصيحة والانتفاع بها فهذا إلى الله عز وجل: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: 56]. وقد شبه بعض العلماء نصيحة الناصح بالبذرة التي تبذر في الأرض، فقد تموت وتذهب لا ينتفع بها أحد، وقد تنمو مباشرة فينتفع بها الناس في أسرع وقت، وقد تتأخر هذه البذرة فتنبت وتنمو بعد حين. وهكذا النصيحة، أنت ما عليك إلا أن تلقي نصيحتك وتلقي موعظتك، وما يدريك لعل الله عز وجل يفتح لها قلوب أناس في العاجل أو في الآجل، في العاجل أو في الآجل. «إذا حقاً بها يوماً عملت»: أي إذا عملت بما نصحتك به، فإنك ستنتفع بهذه النصائح انتفاعاً عظيماً لما حوت من الفضائل ومن المآثر. ثم قال: «له وإن أهملتها ونبذت نصحي، ومِلتَ إلى حطام قد جمعت، فسوف تعض من ندم عليها، وما تغني الندامة إن ندمت». يقول له: إذا أهملت هذه النصائح ونبذتها، بمعنى رميتها، نبذ فلان النواة أي رمى بها. فإذا أهملت هذه النصائح ورميتها ولم تأخذ بها، وسبب عدم أخذك لهذه النصائح الميل إلى حطام هذه الدنيا، إن شغلت بهذه الدنيا جمعاً لها وانكباباً عليها، فسوف تعض من ندم عليها، سوف تندم حين لا ينفع الندم، وتعض أصابع الندم وتتحسر على ما فرط وعلى ما تركت من هذه النصائح. فالندامة لا تفيد، الندم لا يفيد، لا يفيد شيئاً. ومن الندم ما سيأتي في البيت الذي بعد، حيث قال: «إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت». يعني: ستندم حينما ترى من هو في سنك وفي درجتك ممن كانوا معك، ممن أخذوا بهذه النصائح وعملوا بها، فرفعهم العلم، وصاروا ممن يشار إليهم بالبنان، وممن يتصدر المجالس ويحتفى حولهم، حينئذ ستندم ولا ساعة مندم. ومما يدل على هذا أثر ابن عباس، حين أتى إلى ذلك الفتى الأنصاري في سنه وفي كذلك درجته في صغره، فيقال: قال ابن عباس لهذا الأنصاري الفتى: «قم بنا نطلب العلم عند العلماء من الصحابة». فقال: يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إلينا وإليك وفيهم كبار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ انظر هذا التثبيط، ثبت ابن عباس عن طلب العلم. لكن ابن عباس كان فتى عاقلاً، لم يلتفت إلى هذا التثبيط، ولم يلق له بالاً، فذهب ابن عباس وشق طريقه في طلب العلم، وذهب عند كبار الصحابة يتعلم ويصبر، حتى يأتي عند باب أحد العلماء من الصحابة كزيد بن ثابت وغيره، فيقول له: الشيخ نائم، قال: فأتوسد التراب، يتوسد الأرض ينتظر الشيخ، فتأتي الريح فتسفي فيه التراب وهو صابر، فإذا خرج العالم تعلم منه، ولازمه حتى صار ابن عباس عالماً مبرزاً، يجتمع له ويؤخذ من علمه. فلما رأى ذلكم الفتى الأنصاري ما لابن عباس من المنزلة والمكانة، قال: هذا الفتى لابن عباس، والله إن هذا الفتى كان عقلاً مني. تندم، تندم على ما وقع منه من التواني والكسل في طلب العلم، لما رأى ابن عباس قد بلغ منزلة عظيمة من الشرف ومن الرفعة ومن العلم. فهكذا: «إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت». اسأل نفسك مثلاً: كم من طلاب الذين كانوا معك في طلب العلم، كان عند شيخنا الوادعي ربما آلاف الطلاب، هذا يأتي وهذا يذهب، هذا يصبر وهذا ما يصبر، هذا يكسل وهذا يجتهد. فالناجحون المجتهدون والمستمرون في طلب العلم هم الذين برزوا، وهم الذين صارت لهم المكانة بين أهل السنة وبين الناس في تعليمهم وفي شهادهم ونصحهم والرجوع إليهم ونحو ذلك. أما أهل الكسل وأهل السفريات وأهل التواني، فصاروا من عامة الناس، صاروا من عامة الناس لا علم عندهم. فإذا صار حالك كذلك، أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت، فتدارك نفسك، طالما أنك تستطيع أن تجد وتجتهد ولو كبر سنك. فراجعها، راجع هذا النفس، ودع عنك الهوينة، فما بالبطء تدرك ما طلبت. أي: راجع نفسك، وزن أعمالك، ودع عنك الهوينة، والهوينة هو التراخي والفتور والتواني والكسل. نعم، هذه هي الهوينة: التراخي والفتور والتواني والكسل. «فما بالبطء تدرك ما طلبت». ليس بالكسل، البطء هنا المراد به التواني والكسل في طلب العلم، ما عندك مسارقة، ما عندك مسابقة في طلب العلم. فإذا كنت بطيئاً في طاعة الله في طلب العلم، فإنك ما ستدرك ما طلبت، ما ستدرك ما طلبت من الانتفاع بالعلم وحفظ العلم وإتقان العلم. فإن العلم إنما يدرك بالجد والاجتهاد والمسابقة والمسارعة والصبر والصبر عليه. «قل لطالب العلم يتخذن عليه من حديد»، هكذا كان يقول السلف. وقال الآخر: «لا ينال العلم براحة الجسد». الذي يحب الراحة ويحب النوم الكثير ويحب اللهو ويحب كذلك الأكل الكثير الطيب، هذا لا يدرك من العلم إلا نتفاً وشيئاً يسيراً. أما أهل الجد والاجتهاد، نعم، فأولئك هم الذين يصلون إلى مطلوبهم وإلى مقصودهم. «تروم العزة ثم تنام عنها، يقوص البحر من طلب اللآلي». أهل الدنيا إذا أرادوا النفائس من الأموال، فإنهم يركبون الصعب والذلول حتى يصلوا إلى بغيتهم وإلى أمنيتهم. فكذلك أصحاب الهمم العالية ممن أرادوا الله والدار الآخرة، والجد والاجتهاد في طلب العلم والعبادة والطاعة، فإنه أحق وأولى بالجد والاجتهاد. ثم قال: «ولا تختل بمالك وله عنه، فليس المال إلا ما علمت». وفي بعض النسخ: «ولا تحفل بمالك» بدل «ولا تختل»، ولا تحفل. والمعنى: لا يكن مالك هو الشغل الشاغل لك، والمستغرق لوقتك، والآخذ لكل عنايتك واهتمامك. وإنما اجعل العلم هو الذي يأخذ بجميع وقتك أو بجل وقتك، هو الذي تصرف فيه الهمة والرغبة، ويكون عندك نهم لطلب العلم لا لطلب الدنيا والانشغال بها. وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا». وقوله: «ولا تختل» يعني: من الاختيال، وهو الكبر والغرور والعجب بالنفس والزهو. إذا أعطاك الله مالاً لا تتكبر، ولا يحملك هذا المال على الترفع على الناس. ولذلك المال يزيد صاحبه ترفعاً وغروراً، والعلم يزيد صاحبه تواضعاً وانكساراً. وهذا معنى قوله: «ولا تختل بمالك وله عنه»، يعني: انصرف عن هذا المال ولا تشتغل به. «فليس المال إلا ما علمت». وقوله: «وليس المال إلا ما علمت» يعني: ما لك الحقيقي هو علمك النافع الذي تنال به خير الدنيا والآخرة. هذا هو المال الحقيقي الذي ينبغي أن يعتني به العاقل اللبيب، لأن بالعلم يرفعك الله، وبالعلم تميز بين الحق والباطل، وبالعلم كذلك تعبد الله عز وجل على بصيرة، وبالعلم تصل إلى أعلى الأمان وأغلى كذلك الأمنيات وهو الجنة. ﴿من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾. فهذا هو المال الحقيقي الذي ينبغي أن يعتنى به، وهو طلب العلم. أما المال، فإنما هو وديعة أودعها الله عز وجل عند أهلها، وهو ينظر ماذا يعملون، ماذا يعملون. ﴿إن هذه الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.