شرح تائية الألبيري 6

شرح تائية الألبيري 6

الدرس في شرح تائية الألبيري 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل العلم على المال والسلطان وذم كتمانه وإهمال الآخرة

يوضح المقطع أن الجاهل لا ينفع الناس حتى لو ملك العراق، وأن العلم يرفع صاحبه في الملأ بينما كتمانه يكتب عليه إثماً. كما يذم تشييد المباني مع إهمال العلم والآخرة، مؤكداً أن تقديم المال على العلم جهل وضلال.

دلائل الوحي على فضل العلم على المال

يستدل المحاضر بآيات من سورة طه وسورة مريم على البون الشاسع بين العلم والمال، ويعقد مقارنة شعرية ترفع لواء العلم فوق لواء المال. يثبت بذلك علو مكانة العالم على الغني ويبين أن تقديم المال على العلم ظلم وجهل.

مقارنة لذة العلم والتقوى بملذات الدنيا

يقارن النص بين ملذات الأغنياء من فرش مريحة وخيول أصيلة وزواج بالحسناوات، وبين مقامات العالم الذي يجلس على كواكب المعارف ويركب مناهج التقوى. يخلص إلى أن لذة العلم والتقوى أرفع وأبقى من متع الدنيا الزائلة.

مقارنة فوائد أهل الدنيا وأهل العلم

يعرض المتحدث ما يجده أهل الدنيا من منافع مادية مقابل ما يجده أهل العلم من ثمار العلم النافعة. يختم بالتأكيد على كفاية هذا القدر من الحديث في تبيان فضل العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول أبو إسحاق اللبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية، وهو يعظ وينصح ويذكر: «وليس لجاهل في الناس مغنٍ، ولو ملك العراق له تأتى». ومرادُهُ بهذا البيت أن الشخص الجاهل الغارق في جهله لا نفع له ولا فائدة له للآخرين، فلا يغني عنهم شيئاً ولا يفيدهم شيئاً، ولم ينتفع به ولا بمجالسته، ولو كان هذا الجاهل من الملوك أو من ذوي الأموال والجاه والسلطان. ولذلك قال: «ولو ملك العراق له تأتى»، يعني: وإن أوتي من الملك مثل من ملك العراق، وكان ملك العراق يضرب به المثل في قوة الحكم فيه وسعة رقعة البلاد في ذاك الزمان لسعته ولعظمه. ومعنى «تأتى»: أي ولو صار له ملك العراق، ولو صار له ملك العراق. وهذا فيه تفضيل العلم على المال والسلطان، فصاحب العلم ينتفع به ولو كان فقيراً، وأما صاحب الملك والسلطان فلا ينتفع به في العلم وفي هداية الناس. ولذلك كان الملوك يجدون الذلة بين يدي العلماء، وهذا فيه رفعة العلم. ثم قال: «سينطق عنك علمك في ملاء، ويكتب عنك يوماً إن كتمت». في هذا البيت يذكر المؤلف حال من كان عنده علم، إذا كان عاملاً بعلمه مفيداً لغيره، فإن علمه ينطق في ملاء. والمراد بالملاء: الملأ، أي في القوم، يقال لهم ملأ لأنهم يملؤون المكان، الجماعة من الناس إذا جلسوا في المكان يسمى هذا المكان ملأ لأنهم يملؤون المكان. فهو يقول: إذا كنت ذا علم ونفعت به الآخرين، نطق علمك بما ينفع الناس في اجتماعاتك بهم ولقاءاتك بهم، فالعلم هو الذي يزين لك مجلسك مع الناس، ينطق عنك هذا العلم في الملأ، ويكون هو المهيمن، وهو السلطان، سلطان العلم. «ويكتب عنك يوماً إن كتمت»، يعني: ويكتب عليك، وعنك هنا حرف الجر بمعنى على، وهذا من باب التناوب بين حروف الجر، ويكون المعنى: ويكتب عليك يوماً إن كتمت هذا العلم ولم تفد الناس ولم تنشر هذا العلم، فيكون هذا عليك لا لك. وكما جاء في الحديث: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة»، فكتمان العلم يكتب على كاتمه ويعاقب على ذلك. وهذا فيه دعوة لكل طلبة العلم الذين منّ الله عليهم بالعلم أن ينشروا هذا العلم ولا يكتموه، ولا كذلك يتركوا نشره وتعليمه. فهذا هو معنى هذا البيت. نعم، قال: «وما يغنيك تشييد المباني، إذا بالجهل نفسك قد هدمت». تشييد المباني يعني إقامة العمران والأدوار المتكررة والمباني المتعددة. فإذا كنت من هذا حاله يبني ويعمر ويعدد البيوت والعمائر والمباني وهو جاهل، ما عنده علم، فهذا لا يغنيك، ما يغنيك شيئاً هذا البناء وهذا التعمير. إصلاح الدنيا وإهمال الآخرة هذا هدم للآخرة، هدم لها. «وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمت». وهذا فيه أن من جمع بين الأمرين، فتعلم العلم ومعه شيء من العمران في هذه الدنيا، مثلاً يستر بها نفسه بالسكن أو كذلك بالنفقة والاستئجار ونحو ذلك، فلا بأس بهذا، ليس معنى هذا مذموم على إطلاقه، وأن العالم لا يكون معه شيء مما يدر عليه ويعينه في سيره في طلب العلم، ويكون عنده شيء من النفقات. وإنما المراد أن ينشغل الإنسان بالدنيا وبالتعمير فيها وينسى الآخرة ويترك العلم ويبقى على جهله، هذا هو المذموم، هذا هو المذموم. فقد قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، عن الآخرة لا يبالون ولا يتعلمون، فأولئك هم المذمومون. أما من تعلم وأقبل على العلم ثم صار معه شيء من تلك المباني، فلا بأس بذلك، فهذا مما أحله الله. ثم المؤلف هاهنا رحمه الله تعالى يقول: «جعلت المال فوق العلم جهلا، لعمرك في القضية ما عدلت، وبينهما بنص الوحي بون، ستعلمه إذا طاها قرأت». يعني: من الأخطاء الجسام أن جعلت مكانة المال فوق مكانة العلم، «جعلت المال فوق العلم جهلا». ومن علامات جعل المال فوق العلم أن يكون منهوماً على المال لا على العلم، لا يشبع من الدنيا وهو زاهد عن العلم، تجده حريصاً على الدنيا لا يبالي بالدين والعلم، هذه كلها من علامات جعل المال فوق العلم، وهذا من الجهل. ولذا قال: «جعلت المال فوق العلم جهلا»، يعني: ما يصدر هذا الأمر إلا من الجاهل، وهو جعل المال فوق العلم، جعل المال فوق العلم. ثم قال: «لعمرك في القضية ما عدلت»، أي: لم تنصف في القضية، ما نصفت. وأما قوله «لعمرك» هذا ليس قسماً، وإنما كلمة جرت بها لسان العرب، وليست هي من باب القسم. وهناك رسالة للشيخ حماد الأنصاري في «لعمرك» بين أنها ليست من القسم، وإنما مما جرت به ألسنة بعض العرب، فليست هي من القسم حتى يقال أنه قسم بغير الله. فهنا يؤكد أن من جعل المال فوق العلم فهذا ليس بمنصف وليس بعادل، بل لقد حاد ومال ميلاً عظيماً في هذا الحكم. ولذلك قال: «وبينهما بنص الوحي بون»، يعني: بين العلم والمال بون، والبون هو المسافة الشاسعة، المسافة الشاسعة الكبيرة، أي بينهما مسافة شاسعة وفرق كبير، ما في هناك مقارنة، مقارنة قريبة بين المال والعلم، بينهما فرق بعيد، بينهما فرق بعيد ومسافة شاسعة. وما هو دليل المؤلف على ذلك من القرآن؟ قال: «ستعلمه إذا طاها قرأت»، ستعلم هذا الفرق إذا قرأت سورة طه من القرآن، ستدرك الفرق والبون الشاسع بين العلم والمال. وقيل أنه أراد بهذا الذي في القرآن هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فالله سبحانه وتعالى لم يأمر نبيه أن يزداد من شيء إلا من العلم، ما قال: وقل رب زدني جاهاً أو مالاً أو سلطاناً أبداً، إنما قال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فهذا دليل على شرف العلم، دليل على شرف العلم. وقيل أيضاً آية أخرى في سورة طه، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. هذا في مريم ليست في طه، لكن هذه الآية كذلك فيها معنى، فيها معنى الآية أو المعنى المتقدم، أن بين العلم وبين المال بون شاسع. ففي هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، أي الفريقين خير، من كان عنده الدنيا والمال، أو من كان عنده العلم والآخرة؟ قال الله عز وجل بعد هذه الآية: ﴿قُل مَّن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾، إذن فضل هنا العلم على ما هم عليه من تلك الأموال والقصور والدور. ثم قال المؤلف رحمه الله وهو يعقد مقارنات في هذه الأبيات الآتية: عقد الناظم مقارنات بين الغني والعالم، بين الغني الذي عنده مال وبين العالم الذي حصل مالاً كثيراً، وبين الغني الذي حصل مالاً كثيراً وبين العالم الذي حصل علماً نافعاً، فأتى بأبيات عديدة يقارن فيها بين هذا وهذا، فقال رحمه الله تعالى: «لئن رفع الغني لواء مالٍ، لأنت لواء علمك قد رفعت. لئن جلس الغني على الحشايا، لأنت على الكواكب قد جلست. وإن ركب الجياد مسوماتٍ، لأنت مناهج التقوى ركبت. ومهما افتض أبكار الغواني، فكم بكر من الحكم افتضط». يقول وهو يعقد هذه المقارنة: «لئن رفع الغني لواء مالٍ»، يعني: لئن افتخر الغني وقال: أنا غني، عندي مال، عندي كذا، فأنت ترفع لواء العلم، ترفع لواء العلم، فأي اللواءين أعظم وأرفع؟ إنه لواء العلم. ولذلك لو جلس الغني والعالم وتناقشا أو تحاورا، لرأيت أن العالم هو الغالب وهو ذو السلطان في هذا المجلس، في هذا المجلس، فلواء العلم لا شك أنه أرفع وأجل من لواء المال، ولا مقارنة بينهما كما مر معنا في الأبيات المتقدمة. ثم قال: «لئن جلس الغني على الحشايا»، والحشايا هي الفرش المحشية التي تريح الجالس، ثم نقول: كنبات أو فرش، يعني: ناعمة مريحة تجلس عليها، لأن الأغنياء يتمتعون في هذه الدنيا بالمآكل والمشارب والمساكن والمفارش ونحو ذلك. فهو يقول: «لئن جلس الغني على هذه الفرش المريحة، لأنت على الكواكب قد جلست». ومراده بالكواكب: المعارف الواسعة والعلوم الطيبة التي تظفر بها وتهنأ بنيلها وتحصيلها، والكواكب من صفاتها أنها عالية مرتفعة، فكأنه يقول: أنت رجل يا أيها العالم، همتك في الثريا لا في الثرى، فأهل الدنيا همتهم في الثرى، في الأرض، هموهم ما يتمتعون به من حطام هذه الدنيا الزائلة الفانية، أما العالم فهمه ما يتمتع به من معرفة الله بأسمائه وصفاته، وكذلك بما يعلم من شريعة الله وما فيها من الحكم، وما فيها من الأحكام المتقنة، ومن كذلك الأوامر المحكمة، فلا شك أن صاحب العلم وأهل العلم بما أوتوا من العلم والمعرفة والخشية كأنهم جلوس على الكواكب، جلوس على الكواكب. فأي الرجلين أسعد وأرفع؟ الذي يجلس على فرش مريحة في هذه الدنيا، أو من يجلس على الكواكب الرافعة العلية التي هي العلوم النافعة والمعارف الواسعة؟ لا شك أن الثاني هو الأفضل. ثم قال: «وَإِنْ رَكِبَ الْجِيَادَ مُسَوَّمَاتٍ»، كما مر معنا أن أهل الغنى يحرصون كذلك على أحسن المراكب، يختارون من المراكب أحسنها وأفضلها وأوسعها، وكذلك أفخرها وأفخمها. فهو يقول: له، وإن ركب هؤلاء الأغنياء الجياد، ويريد بالجياد هنا الخيول، الخيول التي كانوا يتنافسون في تدريبها وتضميدها وتعليمها، وقوله «المسومات»: أي عليها العلامات والوسم، عليها العلامات والوسم. «لأنت مناهج التقوى ركبت»، يعني: بسبب العلم حصلت على التقوى التي هي خير زاد وتزود، فإن خير الزاد التقوى، حصلت على التقوى التي تسير بها إلى أعلى الدرجات ورفيع المقامات وجميل المنازل، ولا يخفى عليكم فضل التقوى وثمارها. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، الآيات كثيرة في فضل التقوى. فهو: إن ركب هذه الجياد وهذه الخيول في الدنيا، فأنت ركبت مناهج التقوى، ترقى كل يوم في منازل التقوى حتى تنال من ثمارها ومن فضائلها. ثم قال: «ومهما افتض أبكار الغواني، فكم بكر من الحكم افتضت». يعني: إذا كان صاحب الدنيا، وكذلك أهل الغنى يحرصون على النساء والزواج بالحسنوات الجميلات البكر، فقال هنا: «ومهما افتض أبكار الغواني»، يعني: مهما تزوج هذا الغني بالأبكار الغواني، أي الجميلات الحسنوات اللاتي استغنين بجمالهن، فكم بكر من الحكم افتضت أنت؟ كم في يومك وفي ليلتك تحصل من الحكم العالي الجديدة التي لم تعلمها من قبل، فتملأ قلبك بشراً وفرحاً وسروراً؟ فإذا فرح الغني بافتضاض الأبكار، يفرح العالم بنيل الفوائد وحل الغوامض من مسائل العلم، من مسائل العلم. ولذلك جاء عن بعض السلف أنه لربما قدم لذة العلم على الجلوس مع عروسته أو مع كذلك زوجته، وكما قال القائل وهو يبين لنا شغفه للعلم وتقديمه للعلم على الجلوس مع عروسته: «خلفت عرسي يوم السير باكية تبكي المبارك تبكيني برناتي خلفتها سحراً في النوم لم أرها ففي فؤادي منها شبه كياتي عرسي وأهلي وصبياني تركتهم وجئت نحوك في تلك المفازات» إلى آخر ما ذكر. فلو شعر العالم بلذة العلم لربما آثر اقتناء الفوائد واقتناص الشوارد، وهكذا حصول أو تحصيل العلم وحل الغوامض والمسائل على الجلوس مع تلك الزوجة أو تلك كذلك العروسة أو نحو ذلك. فطالب العلم والعالم كل يوم وهو يأخذ من الفوائد الجديدة التي تكون سبباً في انشراح صدره وكذلك سرور نفسه، فلا شك أن هذا أفضل وأعظم. فهذه مقارنات بين ما يجده أهل الدنيا وما يجده أهل العلم من تلك الفوائد، فوائد العلم وثمار العلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى عالم.