الدرس في شرح تائية الألبيري 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن الفقر لا يضر المؤمن إذا عرف ربه وقام بحقه، مستشهداً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم بن أدهم. ويوضح أن طاعة الله تجلب خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة، وأن قبول النصيحة والعمل بها هو تجارة رابحة مع الله بينما الدنيا متاع زائل.
يوضح المقطع أن الدنيا دار ابتلاء تتقلب بين السراء والضراء، وشبهها بالفيء الزائل والحلم المنقضي مستدلاً بحديث صهيب وحديث «الدنيا سجن المؤمن». ويحذر من الاغترار بها ومحبتها، مؤكداً أن عاقبتها الفناء في القبر داعياً إلى الزهد ولباس التقوى والعمل للآخرة.
يؤكد المقطع أن الموت حق لا مفر منه يصيب الصغير والكبير، ويحث على الاعتبار بمشاهد الجنائز اليومية بدلاً من الغفلة. ويبين أن الدنيا دار عبور وزرع لا دار إقامة وحصاد، فالعاقل من يصلح دينه ويعد لآخرته ولا يحزن على فوات زخارف الدنيا الزائلة.
يعلن المتحدث انتهاء الحديث ويكتفي بما تم طرحه، مختتماً بالدعاء لله تعالى. وتكون هذه الفقرة بمثابة ختام للمجلس العلمي وتذكير بأهمية ما ذُكر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: يقول أبو إسحاق الألبي رحمه الله تعالى في منظومته التائية: "وليس يضرك الإقتار شيئاً إذا ما أنت ربك قد عرفت". الإقتار هو الفقر وقلة ذات اليد، فهذا الفقر لا يضرك شيئاً عند الله متى؟ إذا عرفت ربك سبحانه وتعالى، أي قمت بحق الله عز وجل وكنت من أهل العلم والخير والصلاح. فالفقر قد اختاره الله عز وجل لأفضل خلقه وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلقد كان يبيت الليالي وهو طاوٍ عليه الصلاة والسلام، ويمر الشهر تلو الشهر ولا يوقد في أبياته نار. وإنما كما قالت عائشة لما سئلت: "فما طعامكم يومئذ؟" قالت: "الأسودان: الماء والتمر". فطالب العلم إذا كان منشغلاً بالعلم ومنهماكاً فيه لا يضره الإقتار، فهو في راحة وهو في سعادة. وقد جاء عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى أنه كان في سفره في طلب العلم مع جماعة من طلاب العلم، فمروا على نهر وكان معه خبز يابس، خبز يابس، فدخل إلى هذا النهر وبل هذا الخبز بالماء وأكله، ثم اغترف غرفة من ماء هذا النهر وشربه، ثم نظر إلى أصحابه وهو يبتسم ويقول: "والله نحن في سعادة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدوا عليها بالسيوف". هذه المقولة وردت عن إبراهيم بن أدهم، وردت كذلك ونسبت للحسن البصري رحمه الله تعالى. فالإقتار لا يضر العبد إذا هو قائم بأمر الله مقبلاً على طاعة الله سبحانه وتعالى، لأن هذه الدنيا ليست بدار بقاء، وإن الحال فيها لا يدوم كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله تعالى. ثم قال: "فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعته أنخت". هذا توضيح للبيت الذي قبله، أي إذا كنت فقيراً وقمت بحق الله فلا تسل كم لك عنده من جميل، من جميل وذلك بأثر طاعتك لله سبحانه وتعالى. ومعنى قوله "بفناء طاعته": الفناء هو جوانب الشيء، يقال له فناء، جوانب الشيء يقال فناء البيت أو الدار، أي ممتد من جوانبها كأحواشها وصروحها ومواقع كذلك شوارعها ونحو ذلك، هذا يسمى الفناء. وهذا هو مصداق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فمن أطاع الله وأكثر من طاعة الله سبحانه وتعالى فإنه لا يدري ما له عند الله سبحانه وتعالى من الفوائد الكثيرة وكذلك الأمور العظيمة في الدنيا والآخرة. ثم قال: "فقابل بالقبول لنصح قولي فإن أعرضت عنه فقد خسرت". وتجد أن بعد أن ينصح المؤلف ببعض النصائح يحث على الأخذ بها والعمل بها، فبعدما نصح تلك النصائح المتقدمة قال للمخاطب: "فقابل بالقبول لنصح قولي"، يعني هذا الذي أنصحك به ينبغي أن تتلقاه بالقبول لا بالرد. وحذره من أن يرد هذه الوصايا فقال له: "فإن أعرضت عنه فقد خسرت"، يعني إن أعرضت عن هذه النصائح فهذا هو الخسران المبين، لأنها نصائح تحث على الإقبال على الله والدار الآخرة وتحذر من الانشغال بالدنيا وزخارفها وملهياتها. ثم قال له: "وإن راعيته قولا وفعلا وتاجرت الإله به أربحت". يعني إن أخذت بها ليس بقولك فحسب، لأنه قال: "إن راعيته قولا وفعلا"، يعني لا تقول: ينصحك الناصح وتقول: ما عليك إن شاء الله، كلامك مقبول، سنعمل بهذا الكلام، هذا بلسانك، لكن إن جئت إلى العمل وتطبيق هذه النصائح فهو في منأى وبعد عنها. لا يريده أن يأخذ بهذه النصائح قولا وفعلا، قولا وفعلا، فيقول له: إن أخذت بها ليس بقولك فحسب بل عملت بها قولا وفعلا، وتاجرت الإله بها أو به ربحت، أي تاجرت تجارة رابحة، والتجارة الرابحة هي التجارة مع الله سبحانه وتعالى بالإيمان والعمل الصالح والجهاد في سبيله سبحانه وتعالى والإقبال على الآخرة والحذر من الدنيا. هذه هي التجارة الرابحة كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ إلى آخر الآيات. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾. هذه هي التجارة الرابحة التي لا خسارة فيها، التجارة مع الله عز وجل بالإيمان، بالعمل الصالح، بالجهاد في سبيل الله، بتلاوة كتاب الله، بالعمل به، بالتصدق في سبيل الله سبحانه وتعالى. وهذا كله ما ذكر به المؤلف رحمه الله تعالى والناظم رحمه الله تعالى في أبياته المتقدمة، فمن أخذ بها وراعاها فقد تاجر مع الله عز وجل التجارة الرابحة، التجارة الرابحة. ثم قال له: "فليست هذه الدنيا بشيء تسوءك حقبة وتسر وقتا". ومعنى هذا البيت يزهد في الدنيا ويبين حقيقتها، ويقول له: هذه الدنيا ليست بشيء، هذه الدنيا ليست بشيء، فلا تستغرق اهتماماتك وعنايتك بها، ولا تكن هي أكبر همك ولا مبلغ علمك، فهي ليست بشيء. إن أسرتك وقتا أساءتك وقتا آخر، تسوءك حقبة، أي وقتا من الزمن تكون مليئة بالأحزان بالمصائب بالمحن، وتسر وقتا، يأتي وقت تفرحك ويكون هذا الوقت فيه سعادتك. فهذه حال الدنيا لا تبقى على حال واحدة، يتقلب فيها الإنسان بين أمور تسر وأمور تسوء، فتحزن تارة وتفرح أخرى، والمؤمن عرض لذلك، لكنه إذا أحزنته صبر وإذا أفرحته شكر، كما جاء في حديث صهيب الرومي عند مسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». هذا الحديث أفاد أن أي إنسان ولو كان مؤمناً لا بد أن تمر به السراء والضراء في هذه الدنيا، لا بد أن تمر به السراء والضراء، فهو معرض في هذه الدنيا للسراء والضراء والشدة والرخاء والضحك والبكاء، معرض لهذا. ولهذا فإذا كان هذا هو حال الدنيا فهل ينبغي لعاقل كيس لبيب أن يتعلق بها وأن يوليها جل اهتمامه أو كل اهتمامه؟ فهذا فيه تزهيد من هذه الدنيا وتنفير منها، وأن لا يتعلق بها الإنسان، بل يقبل على الآخرة، على طلب العلم، على الأعمال الصالحة. ثم قال وهو يبين له أيضاً حقيقة هذه الدنيا وأنها لا تساوي شيئاً: "وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذ حلمت". يعني نهايتها وحقيقتها إذا فكرت في هذه الدنيا فهي مثل الفيء، والفيء يطلق على ما نسخت الشمس وهو الذي يكون بعد الزوال، يكون بعد الزوال يبدأ هذا الظل ولكنه يذهب سريعاً، يذهب سريعاً. فمثل له سرعة انقضاء هذه الدنيا بهذا الظل الزائل، بهذا الظل الزائل، فإنه يمتد ويمتد ثم سرعانا ما ينقضي ويزول ويذهب، ويزول ويذهب. وهكذا شبهها بالحلم: كحلمك، الحلم هو ما يراه الإنسان في نومه، ما يراه الإنسان في نومه، ربما يرى أنه بنى وأنه وصل إلى كذا وكذا، أشياء يراها في منامه، ثم إذا استيقظ وجد أن هذه الأمور التي رآها لا حقيقة لها، لا حقيقة لها، وجد مالا، قام ما في مال، وين المال الذي رأيت في النوم غير موجود، رأى أنه تزوج، وين الزوجة، قام ما عنده زوجة. وهكذا حقيقة الدنيا، لو يعني أعدت شريط حياتك، كم أنت الآن تعيش؟ 40 سنة، 50 سنة، 20 سنة، الوقت هذا الذي مضى يعني مر، سبحان الله كأنه حلم رأيناه في المنام، كأنه حلم رأيته في المنام. فهكذا هي الدنيا وهذه هي حقيقتها، فلا ينبغي لعاقل لبيب أن يتمسك بها وأن كذلك ينشغل بها عما من أجله خلق وهو طاعة الله وعبادة الله سبحانه وتعالى. ثم قال له: "سجنت بها، أي بهذه الدنيا، سجنت بها وأنت لها محب، فكيف تحب ما فيه سجنت". ويشير إلى قول النبي صلى الله عليه وعليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فهذه الدنيا سجن للمؤمن، يعني مقابل ما سيتنعم به يوم القيامة، فإذا كانت هذه الدنيا سجن فهل أحد يحب السجن؟ أنت لو حكم عليك بحكم قضى بسجنك هل تحب أن تبقى في السجن؟ تحب أن تخرج منه، تكره هذا السجن، صح؟ فهذه الدنيا يقول: هي سجن، سجن بها وأنت لها محب، كيف الإنسان يحب ما فيه سجن؟ فمن سجن يكره هذا السجن لا يحبه ولا يركن إليه. وهذا كله فيه تزهيد وكذلك تحذير من هذه الدنيا. ثم قال وهو يزهد في هذه الدنيا ويرغب في الآخرة وفي طلب العلم: "وتطعمك الطعام وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت". يعني أنت في هذه الدنيا تأكل مجموعة من أنواع الأطعمة التي تخرج من الأرض، الأرز والذرة والفواكه والخضروات، هذا من أين تخرج؟ من الأرض. فأنت تطعم هذه الأطعمة من الأرض، وعن قريب يعني ما ستطول في هذه الدنيا، عن قريب هذه الأرض ستطعم منك ما فيها طعمت، يعني تأكل منك الأرض، هذا الجسد الذي غذي بطعام خرج منها، هذا الجسم من أين نبت؟ نبت من طعام، نبت من هذه الأرض، فإذا مت أدخلت في قبرك فأكلت الأرض هذا الجسد الذي نبت من نباتها ومن طعامها ومن طعامها. وتطعمك الطعام في هذه الدنيا، وعن قريب إذا مت ستطعم منك ما فيها طعمت. نعم، وهذا كله يدل على ماذا؟ على حقارة هذه الدنيا. وجاء في الحديث: «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب أو عجب الذنب، وهو شيء يبقى في هذه الأرض لا تأكله الأرض، فيوم القيامة ينبت الإنسان من هذا الذي بقي منه، وكل شيء فيه تأكله هذه الأرض، كل شيء في هذا الإنسان تأكله هذه الأرض». قال: "وتعرى إن لبست بها ثيابا وتكسى إن ملابس ها خلعت". ومعنى هذا البيت وهو كذلك فيه تزهيد من هذه الدنيا، يقول له: إذا كانت زينة الدنيا وملذاتها ومنها لباسها شغلتك عن الآخرة فصارت هي شغلك الشاغل، ويريد هنا بالتعرى المعنوي وهو التعرى من الأخلاق والفضائل. "وتعرى إن لبست بها ثيابا" يعني تعرى من الأخلاق والفضائل ومعاني الخير إن لبست بها ثيابا، يعني إن أشغلتك هذه الدنيا وألهتك وصارت أكبر همك. "وتكسى إن ملابسها خلعت" يعني يكسوك الله عز وجل الأخلاق الطيبة والفضائل والمعاني الخيرة والإيمان والتقوى، ولباس التقوى ذلك خير، متى هذا؟ إن ملابسها خلعت، يعني إن تركت الاشتغال بها، إن تركت الاشتغال بهذه الدنيا كسيت حلة الإيمان وكسيت التقوى وصالح الأعمال. هذا هو معنى هذا البيت، ولا شك أن الإنسان كلما اشتغل بهذه الدنيا نقص من دينه ومن أخلاقه ومن إقباله على الآخرة، على الآخرة. ثم قال: "وتشهد كل يوم دفن خل كأنك لا تراد لما شهدت". يعني يمر عليك بمرور الأيام أعداد كثيرة يفارقون هذه الحياة ويغادرونها، ولربما من يغادر هذه الدنيا من أحبابك ومن أصدقائك، إما أن يكون في سنك أو أصغر منك أو أكبر منك، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، لو سألت أي واحد منا: هل مات أحد من أصحابك في سنك أو أصغر منك أو أكبر منك؟ فالكل يجيب بنعم، الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ولا غنياً ولا فقيراً ولا حقيراً ولا عظيماً، الكل تحت حكم الموت، واحد واحد. "وتشهد كل يوم دفن خل"، كم الآن نسمع عن الجنائز؟ كل يوم يكاد أن كل يوم جنازة، بل ربما في اليوم الواحد تكون أكثر من جنازة، جنازتان، ثلاث جنائز، هذا بحادث سيارة، وهذا بحادث دراجة، وهذا نام فلم يقم، وهذا بغرق في البحر، وهذا بهدم، وهذا بمرض، وهذا من غير سبب، الموت حتى يأتيك من غير سبب. قال: بارح كنا معه في المسجد، كنا معه في المكان الفلاني، قالوا: خلاص أصابته سكتة قلبية، نام فلم يقم. هذا هو الموت، هذا هو الموت. "وتشهد كل يوم دفن خل"، طيب ألا يعتبر الإنسان بهذا الذي يشهده ويراه لأم عينيه؟ ولذلك قال: "كأنك لا تراد لما شهدت"، كأن الموت سيتجاوزك، أنت لست ممن يأتيه الموت، كأنه هكذا لأنك لا تستعد ولا كذلك تقبل على الآخرة. ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من تذكر الموت: «أكثروا ذكر هادم اللذات». وهذا البيت بمعنى أبيات جميلة ذكرها بعض أهل العلم يقول فيها: تمر اللذات واحداً بعد واحد وأعلم أني بعدهم غير خالد ثم قال: وأحمل موتاهم وأشهد دفنهم كأني بعيد عنهم غير شاهدي فما أنا في علمي بهم وجهالتي كمستيقظ يرنو بمقلة راقدي يعني كأني لما أرى هذا نائم وهو يرى بأم عين وهو نائم، يعني مثل كأنه لا يرى شيء، كأنه ماذا؟ لا يرى شيء، لو إن إنسان نائم وأنت تعمل عنده عمل، هل هذا النائم يرى ما تعمل؟ ما يرى ما تعمل لأنه مستغرق في نومه، مستغرق في نومه، فوشبه نفسه بأنه مستيقظ لكن مثل النائم لأنه يشهد جنائز ويشهد الناس يموتون ولا يتعظ بذلك ولا يعتبر بذلك. ثم قال: "ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها فجد لما خلقت". يقول له: أنت ما خلقت في هذه الدنيا لتعمرها وتبني فيها القصور وتجمع فيها الأموال، لأنك عن قريب ستترك هذا الذي جمعت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، يلهيك التكاثر في الدنيا والبناء والانشغال بها، فإذا مت حيل بينك وبين هذه الشهوات وهذه القصور وهذه الأموال، كما قال الله عز وجل: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾. فأنت لم تخلق في هذه الدنيا من أجل أن تعمر هذه الدنيا وأن تبني فيها وأن تجمع فيها، وإنما لماذا خلقنا يا عباد الله في هذه الدنيا؟ لتعبرها فقط، هي دار عبور، دار عبور لا دار استقرار، هي دار زرع لا دار حصاد، الحصاد يكون في دار القرار، يكون في دار القرار، هنا تحصد الخير تجده يوم القيامة بإذن الله سبحانه وتعالى. فما خلقنا الله عز وجل إلا لعبادته كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. ثم قال: "وإن هدمت فزدها أن تهدمن وحصن أمر دينك ما استطعت". يعني إن هدمت بمعنى لم تتحصل من هذه الدنيا ما تطلبه وتتشوق إليه من زخارفها ومن متاعها الزائل، فحصن أمر دينك، أهم شيء أن تصلح أمر دينك، أن تصلح أمر دينك، وادعوا بهذا الدعاء النبوي الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منه: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري»، هذا هو عصمة أمرك، هذا هو حصنك الحصين، إذا بنيته واعتنيت به فأنت الظافر وأنت الفائز. نعم: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». فاعتني ببناء آخرتك وإن هدمت دنياك، وإن هدمت دنياك، ولذلك قال: "وإن هدمت أي هذه الدنيا فزدها أن تهدما"، لا تتحسر ولا تتندم، فهذه الدنيا لا يتحسر عليها العقلاء لأنها ليست بشيء، لا تسوى عند الله جناح بعوضة، لا البعوضة إنما جناحها، ليدل كذلك على حقارتها. ثم قال له: "ولا تحزن على ما فات فيها إذا ما أنت في أخراك فزت". وهو بمعنى البيت المتقدم، لا يستولي على قلبك الحزن والألم لأشياء فاتت من زخارف في هذه الدنيا، لا تحزن على ذلك، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، أي من هذه الدنيا، فرح بطر وأشر. نعم، فكما قال رحمه الله: "لا تحزن على ما فات فيها إذا ما أنت في أخراك فزت"، إذا أنت محافظ على صلواتك، إذا أنت قائم بواجباتك، إذا أنت مستقيم على طاعة ربك، إذا أنت بعيداً عن معصية ربك سبحانه وتعالى، فلست بخاسر، فلا تحزن على هذه الدنيا إذا ما أنت في أخراك فزت، يعني إذا وفقك الله وأكرمك بالعناية بما ترتفع به درجاتك وتعلو به منزلتك في أخراك، في أخراك. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.