شرح الشمائل المحمدية 41

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 41، تابع : باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وبعد ما يفرغ منه ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

آداب الأكل في السنة: التسمية والأكل باليمين والتعليم بالرفق

يستعرض المقطع آداب الطعام النبوية كالتسمية في أول الأكل والأكل باليمين والحمد بعد الفراغ، مبيناً حكم التسمية وفضلها في طرد الشيطان. ويؤكد أهمية النهي عن التشبه بالشياطين بالأكل بالشمال، ووجوب الأمر بالمعروف حتى في موائد الطعام مستشهداً بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لربيبه بالرفق.

ترجمة يحيى بن سعيد القطان ومنهج الحفاظ في الرواية والعبادة

يتناول المقطع ترجمة الإمام يحيى بن سعيد القطان وورعه وحفظه، وملازمة الأئمة لشيوخهم سنين طويلة مع إتقان الحديث. كما يوضح حكم الرواية عن المبتدع إذا كان صادقاً أميناً، ويستعرض حديث الحمد بعد رفع المائدة وصيغه الواردة وتبويب البخاري له.

آداب الدعاء بعد الفراغ من الطعام وفضل الحمد مع ترجمة وكيع بن الجراح

يشرح المقطع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأكل مبيناً أوجه إعراب كلمة «ربنا» ومعاني «غير مودع»، ومؤكداً أن الحمد على النعمة سبب لرضا الله. ثم ينتقل إلى ذكر راوي الحديث وكيع بن الجراح موصوفاً زهده وورعه وتقديم الإمام أحمد له على أقرانه مع قصة تدل على مكانته العلمية.

تواضع العلماء وإحالتهم إلى من هو أعلم منهم

يصف المقطع كيف كان السلف الصالح من أهل الحديث يتواضعون ويحيلون الناس إلى من هو أعلم منهم، كما فعل أبو أسامة عندما حضر وكيع بن الجراح معترفين بفضله ومكانته. وهذا دأب أهل السنة في معرفة قدر بعضهم البعض وتقديم الأكفأ في العلم والرواية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن اهتدى بهداه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في كتاب الشمائل باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وعند الفراغ منه، وأخذنا في هذا الباب مجموعة من الأحاديث، منها حديث أبي أيوب الأنصاري، وهو خالد بن زيد رضي الله عنه، أنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فقرب طعامًا، قال: فلم أرَ طعامًا كان أعظم بركة منه أول ما أكلنا، ولا أقل بركة في آخره. فقلنا: يا رسول الله، كيف هذا؟ قال: «إنا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا، ثم قعد من أكل ولم يسم الله تعالى، فأكل معه الشيطان». والحديث الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر الله تعالى على طعامه فليقل: باسم الله أوله وآخره». وحديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام، فقال: «ادن يا بني، فسم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك». وهذه الأحاديث كلها دالة على مشروعية التسمية، وأن من العلماء من قال باستحبابها، ومن العلماء من قال بوجوبها عند أول الطعام. ورجح ابن القيم رحمه الله تعالى تبعًا لأحد الأوجه عند أصحاب أحمد وجوب التسمية، وهو الأظهر من الأحاديث؛ لأنه قد جاء أن الشيطان يأكل مع الإنسان الذي لا يسمي الله تعالى، وأن التسمية الواردة في ذلك أن يقول أول الطعام: «باسم الله». وأما «بسم الله الرحمن الرحيم» كما قال النووي رحمه الله تعالى أنها الأفضل، فهذا يحتاج إلى دليل؛ لأن ورود الدليل في «بسم الله» دون «بسم الله الرحمن الرحيم» فيكتفي بالقول في أول الطعام بـ «بسم الله» كما ورد في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام مرّ بمن يقول: «بسم الله». وأما حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه، فأخذنا شيئًا من شرحه، وبقيت فوائد في هذا الحديث، منها قول الحافظ: إنه ينبغي اجتناب الأعمال التي تشبه الشياطين والكفار. يعني المسلم حينما يأكل بيمينه يخالف الشياطين ويخالف الكفار؛ فالكفار يأكلون بشمائلهم، والشياطين تأكل بشمائلهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله». فيجتنب المسلم التشبه بهؤلاء. وأن في الحديث أيضًا: للشياطين يدين، وأنه يأكل ويشرب ويأخذ ويعطي. وفيه أيضًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمعروف حال الطعام. يعني ما يقال فقط: إن حال الطعام لا تكلمه، دعه يأكل بشماله، لا، أو يأكل بدون أن يسمي الله عز وجل، بل يجب عليك أن تأمر بالمعروف فتنهى عن المنكر. فإذا كنت على الطعام ورأيت من لم يسمِ الله تأمره بالتسمية، ورأيت من يأكل بشماله تقول: يا أخي، بارك الله فيك، إن كان من إخوانك، وإن كان مثلًا من أهلك، من أقربائك، من أبنائك، تأمره، تقول له: كل بيمينك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأكل باليمين، ونهى عن الأكل بالشمال، وتحذره وتقول له: إن الشيطان والكفار يأكلون ويشربون بشمائلهم، فبارك الله فيك، كل بيمينك. فلعله يكون ناسيًا، يعي بعض الناس يكون ناسيًا. وهكذا الأطفال، الأطفال يحتاجون دائمًا إلى تنبيه من الوالدين بالرفق واللين. يرى الطفل أحيانًا يأكل بالشمال لأنه طفل ما يعرف، يتناول أي شيء بإحدى اليدين، فربما رأى هذا الأكل بهذه اليد أسهل فيتناولها. فأنت تأخذ منه تلك اللقمة أو ذلك الشيء من يده اليسرى وتحوله إلى اليد اليمنى برفق ولين. وإن كان يفهم الكلام تقول له: كل باليمين، كل باليمين، برفق ولين؛ لأن الطفل يحتاج إلى رفق ويحتاج إلى لين. فتأمره وتنهاه وتعلمه. والنبي صلى الله عليه وسلم علم عمر بن أبي سلمة وكان ربيبه، فقال له: «يا غلام، أدنُ». انظروا إلى التعليم: «يا غلام، أدنُ»، يعني: أقرب مني. فقرب، قال: «سمِ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». عمر رضي الله تعالى عنه أخذ بهذه النصيحة النبوية وقبلها، فقال: «فما زالت تلك طعمتي بعد» ما نسيتها، يعني زال دائمًا يتذكر هذا الحديث: «يا غلام، سمِ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». قال: طعمتي إلى أن توفاه الله عز وجل. فهكذا التعليم عندما يكون برفق ولين ويصحبه شيء من الكلام الطيب، فإن الشخص الآخر يتقبل منك، حتى لو كان ماذا؟ حتى لو كان غير صاحب لك، أو كان عدوك. فأنت تأمره وتنهى بالتي هي أحسن، كما قال الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. ففيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى حال ماذا؟ حال الطعام. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما ترك كذلك، علم كم واحد أثناء الطعام أنهم يبدأون باليمين، وأنهم يسمون الله تعالى، وأنهم يأكلون مما يليهم، ويتأدبوا بآداب الإسلام. وهكذا أنت تفعل أخي المسلم عندما تكون في حال اجتماع مع بعض الناس، بعض المناسبات، تنتهز الفرصة، فإذا جاءتك فرصة تنتهزها وتدعو إلى الله بالرفق واللين وبالتي هي أحسن. وفي هذا الحديث أيضًا منقبة لمن؟ لعمر بن أبي سلمة، لأنه أخذ بالنصيحة، فقال: «فما زالت تلك طعمتي بعد»، ومشى على هذا المنوال حتى توفاه الله، فتعد من مناقبه رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمود بن غيلان، وهو ثقة، ويتكرر معنا دائمًا محمود بن غيلان، فربما بعض الأحيان ما سنذكر أنه ثقة اعتبارًا أنه تكرر معنا. قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، وهو محمد بن عبد الله، وهو ثقة ثبت. قال: حدثنا سفيان الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق، وهو إمام، جبل الحفظ، سفيان كان جبلًا من جبال الحفظ. قال: عن أبي هاشم، وقد تقدم معنا في الإسناد المتقدم، وهو الرماني ثقة. قال: عن إسماعيل بن رباح، وإسماعيل هذا مجهول، وقد ذكر في التقريب: ابن رياح بألف. قال: عن رباح بن عبيدة، وأيضًا رباح هذا ذكر في التقريب بأنه رياح، عن الحافظ ذكره بألف، ابن عبيدة، ووثقه. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، من يذكر لنا اسمه؟ ما اسمه؟ أبي سعيد صحابي الأنصار، نعم، سعد بن مالك بن سنان، جزاك الله خيرًا. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وهذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، فقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله كما في الشمائل برقم مئة وثلاثة وستين، لضعف إسماعيل بن رباح. قال الترمذي رحمه الله: وحدثنا محمد بن بشار، ما لقبه؟ محمد بن بشار تكرر بالأسانيد، لقبه: بندر. ما معنى بندر؟ واسع العلم أو جامع العلم. قال: حدثنا يحيى بن سعيد، ويحيى بن سعيد في هذا الإسناد إذا جاءك محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد فهو القطان، الإمام المعروف، يحيى بن سعيد القطان، مع أنه في هذه الطبقة ثلاثة ممن اسمهم يحيى بن سعيد: أحدهم الأموي وهو ثقة، والآخر العطار ضعيف، وهذا الإمام لكن عرفناه بمن عرفناه بمحمد بن بشار الملقب ببندار؛ لأنه لازمه عشرين سنة، ملازمة التلميذ للشيخ ليست سنة ولا سنتين، وإنما عشرون سنة ملازمة. هكذا أيضًا سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى لازم عمرو بن دينار، كم لازمه؟ عشرين سنة، حتى قيل أن لحى عمرو قد سقط، يعني فكيه قد سقط من الكبر، من كبر السن. وهكذا غير واحد، محمد بن جعفر غندر لازم شعبة، وكان ربيبه، يلازمون الشيخ حتى يموت أو يفترقان بأمر من الأمور. فهذه من الملازمات الطويلة. حتى قال محمد بن بشار في يحيى بن سعيد القطان: قال: لازمتُه عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله تعالى، أنه عصى الله تعالى، يعني شهادة من عالم ومن تلميذ بار بشيخه، قال: ما أظن أنه عصى الله تعالى؛ لأنني أشوف هذا الشيخ، حاله، حاله ليست كحال الآخرين، إما في صلاة، إما في ذكر، وإما في ماذا؟ في عبادة. قيل عن هذا الإمام الحافظ الحجة المتقن، كما وصفه الحافظ رحمه الله تعالى، بأنه ثقة ثبت متقن، يعني متقن له الحديث، فما كان يخصي في الحديث، وما أقل خطأه، بشهادة قرانه وتلاميذه، منهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، كانوا يأتون إلى هذا الجبل من جبال الحفظ، كانوا يأتون إليه ويجلسون عنده يطلبون الحديث، حتى قال بعضهم: رأيتهم واقفين وهو جالس في المسجد. يحيى بن سعيد القطان ربما صلى العصر وجلس، وجاء يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وحسبك بهم من أئمة وحفاظ، يقفون مهابة له، ويكتبون ماذا؟ ويكتبون عنه الحديث. قيل في هذا الإمام أنه كان يصوم عشرين سنة متتابعة، يعني صام عشرين سنة متتابعة، يعني كل يوم يصوم، يسرد يوميًا مدة عشرين سنة. وقيل عنه أنه ما فاته الزوال إلا وهو في المسجد أربعين سنة، أربعين سنة وهو في المسجد، ما يأتي الزوال إلا وهو داخل المسجد، يعني صلاة الظهر كان من المحافظين عليها. فانظروا إلى هؤلاء الأئمة الحفاظ الكبار الذين كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث، ليس حديثًا واحدًا، وإنما مئات الآلاف مع أسانيدها، وحفظ رجالها، ويعرفون الرجل هذا من هو ومن يكون وما حاله، ويناقشون ويذاكرون، مع أيضًا لزومهم لإيش؟ للعبادة. تفتيشهم وتنقيبهم عن الأسانيد وبحثهم عن الحديث، وأيضًا كانوا في السبق الأول من العبادة، فكان الصائم منهم، وكان القائم منهم، المسابقون في ماذا؟ في الخيرات. وقد ذكرنا عددًا من الأئمة في ترجماتهم، الشيء الذي كما يقال يبهر العقول، ما أنه قال يحير، لكن يبهر العقول، تقول: أي رجال هؤلاء؟ أي رجال هؤلاء؟ مثال: ابن المبارك، أحمد بن حنبل، يحيى بن معين، علي بن المديني، سفيان الثوري، وكيع بن الجراح، أيوب السختياني، تقول: أي رجال هؤلاء؟ حتى كانوا فعلًا أئمة، أئمة حديث، حفظوا حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك ما كانوا يغترون أنهم حفظوا الأحاديث وصاروا أئمة وصاروا حفاظ، فصاروا يغترون بهذه الرتبة وبهذه المنزلة، بل من أولئك الذين يخافون على أنفسهم، خافون على أنفسهم. فاليوم الواحد ربما حفظ الصحيحين، أو حفظ رياض الصالحين، أو حفظ اللؤلؤ والمرجان، أو حفظ بلوغ المرام، فإذا هو يرى نفسه أنه لا أحد مثله، الحافظ الفلاني، الله المستعان. وهؤلاء ماذا؟ يجيء علم المتأخرين في علم المتقدمين كنقطة في بحر، علم المتأخرين في علم المتقدمين وسعة اطلاعهم، مع أيضًا شغلهم بماذا؟ بالعبادة وبالزهد وبالورع. فهذا إمام قدوة، كما قال الحافظ رحمه الله تعالى: ثقة متقن حافظ إمام قدوة، تجتمع في الواحد منهم صفات كثيرة من صفات يستحقها، يستحق أن ينقال فيه ماذا؟ إمام، يستحق أن ينقال فيه قدوة، يستحق أن ينقال فيه ثقة حافظ متقن. لكن اليوم ما بلغ أحدهم مدى أحدهم ولا نصيفه، ما بلغ عشر معشار ما عند أولئك الجبال الشامخات من الحفاظ الأتبات الذين حفظوا السنة، ويحفظون مئات الآلاف من الأحاديث بأسانيدها، مع ما سمعتم في تراجمهم من ذلك الشيء الذي يبهر العقول من العبادة والورع. فإذا هو اليوم يقال له: شيخ، يقال: عالم كبير، يقال كذا وكذا من تلك الأوصاف ومن تلك الألقاب، لكن هؤلاء الذين استحقوا هذه الألقاب ما كانوا أيضًا إلا ماذا؟ ما كانوا إلا يخافون على أنفسهم. قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا ثور بن يزيد، ووثيقة ثبت، ثور بن يزيد، وهذا ثور كان قدريًا، حتى قيل: خذ من ثور واحذر قرنيه، خذ من ثور واحذر قرنيه. فثور بن يزيد هذا ثقة ثبت، وقد أخذ عنه العلماء لصدقه، مع أنه كان ماذا؟ من المبتدعة. هل يؤخذ عن أهل البدع؟ يؤخذ عنهم إذا علم ماذا؟ صدقهم، إذا كانوا أمناء في الحديث وعلم صدقهم أخذ منهم ذلك الحديث، وردت بدعتهم عليهم. فكان يرى القدر، كان يرى القدر، وحديث ثور بن يزيد أيضًا في ماذا؟ مخرج في الصحيح، مخرج في الصحيح. وهذا الحديث الذي بين أيدينا هو في البخاري، هو في البخاري. قال: حدثنا خالد بن معدان، ووثقة عابد، يرسل كثيرًا، عن أبي أمامة الباهلي، صُديق بن عجلان، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مودع». وأيضًا جاء بلفظ: «غير مودع»، يعني بكسر الدال وفتح الدال، «غير مودع» و«غير مودع»، «ولا مستغنى عنه ربنا». هذا الحديث صححه الألباني، وهو أيضًا في البخاري، وقد نقول صححه الألباني باعتبار ماذا؟ أنه بإسناد الترمذي في الشمائل، وأما أصله فهو في البخاري. وقد بوب عليه الإمام الحجة، الحافظ الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فقال: باب ما يقول إذا فرغ من طعامه، ماذا تقول إذا فرغت من الطعام؟ يعني إذا انتهيت من طعامك تقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مودع». وقد جاءت لفظة أيضًا في غير هذا الحديث: «غير مكفي، غير مودع، ولا مستغن عنه ربنا». قال الحافظ رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: قال ابن بطال: اتفقوا على استحباب الحمد بعد الطعام، ووردت في ذلك أنواع، يعني لا يتعين شيء منها، أنواع كثيرة في صيغ الفراغ بعد الطعام، منها هذا الحديث، ومنها أن تقول: «الحمد لله الذي كفانا وآوانا، فكم من من لا كافي له ولا مؤوي». فهذا أيضًا مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه هو الذي كفاك، وهو الذي سقاك، وهو الذي آواك، وهو الذي أطعمك، فأنت تحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك. وقلنا أن هذه اللفظة فيها زيادة عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهي قوله: «غير مكفي»، «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغن عنه ربنا». إذن «مودع» بمعنى غير متروك إذا كانت بفتح الدال، «غير مودع» يعني غير متروك، وإذا كانت «غير مودع» يعني يكون هو الفاعل، غير تارك، أي أنا غير تارك. فإذا تختلف اللفظة باختلاف ماذا؟ باختلاف المبنى. فإذا قال: «غير مودع» يعني غير متروك ذلك الطعام أو ذلك الحمد، و«غير مودع» أي أنا غير تارك لحمد ربي. ثم وردت «غير مستغن عنه ربنا» بنصب ماذا؟ «ربنا». هذه فيها أوجه من الإعراب ذكرها أهل العلم، نذكرها من باب الفائدة: نصب «ربنا» على المدح أو الاختصاص أو إضمار «أعني». على المدح: أي أنت تمدح ربك، كأنك قلت: أمدح ربنا، فيكون هنا منصوب على المدح، أي مفعول به «أمدح»، أي أنا ربنا. ويحتمل على الاختصاص: أي أخص بذلك الحمد ربنا، فيكون أيضًا منصوب. أو على إضمار «أعني»: يعني الحمد هذا تعني به من؟ كأنك تقول: أعني ربنا، فهو أيضًا مفعول به. وقال ابن الجوزي بالنصب على النداء: «ولا مستغن عنه ربنا»، أي يا ربنا، كأنك قلت: يا ربنا، أنا غير مودع، وأنا غير مستغن، وأنا غير مكفي، مع حذف أداة النداء. ويجوز أيضًا في الإعراب رفع «ربنا»، يعني «ربنا» تقول: «ربنا» بدل ما تقول «ربنا» تقول ماذا؟ «ربنا» على أنه مبتدأ خبره متقدم، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو ربنا. ويجوز أيضًا على أنه بدل على الضمير فيه «عنه» فيكون هنا مجرورًا، فتقول: «ربنا». إذن هذا كل اختلاف في هذه الأوجه من حيث ماذا؟ الإعراب. فسواء قلت: «ربنا» أو «ربنا» أو «ربنا»، فكلها لها أوجه من الإعراب، لها أوجه من الإعراب ذكرها الحافظ رحمه الله تعالى. من أراد التوسع والمزيد فلينظر الفتح في شرح هذا الحديث من صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. إذن هذا أحد أدعية ماذا؟ أدعية الفراغ من الطعام، فيحرص الواحد على حفظه. وإن حصل أصل الحمد بأن قال: الحمد لله، كفأ، يعني إن قال: الحمد لله، ولم يأتِ بدعاء بعده، لكن الأفضل أن تدعو كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو. وهذا من شكر النعمة. وسياتي حديث، حديث أنس: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها». يعني أيضًا أنت تستاهل وتستحق رضا الله سبحانه وتعالى متى؟ إذا حمدت الله على الأكل بعد الفراغ منه، أو حمدت الله على الشرب؛ لأن الذي وفقك لهذا الطعام أو الشراب هو الله، والذي سوّغه لك بحيث تراه طيبًا وتستسيغه أكلًا أو شربًا هو الله. لأن المريض كما تعلمون، المريض ما يستسيغ الطعام، خصوصًا الذي تغير لسانه، والذي ما يقدر على الطعام بسبب مرض في فمه أو نحو ذلك في معدته. فمن الذي جعله مسوغًا يعني مستساغًا لك، سهلًا دخولًا، وهكذا خروجًا؟ هو الله. فإذا واجب الحمد أن تحمد الله سبحانه وتعالى، فإذا حمدته رضي الله عز وجل عنك: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكل فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها». لا تكن يا عبد الله ناسيًا لهذا الشكر لله سبحانه وتعالى. بعض الناس ربما يأكل ويأكل ويأكل حتى تنتفخ بطنه، حتى تنتفخ، تصير كبيرًا مثل الجبل، ثم بعد ذلك ما يقدر يمشي ولا يتحرك، وترى ممدد هكذا، وهذه مرفوعة مثل الجبل، لا إله إلا الله، لا حمد بعد ماذا؟ بعد الفراغ، يريد يتخلص، ما يدري، فتارة يتجشأ من فوق، وتارة ينفس من تحت، والله المستعان. ما في حمد بعد ماذا؟ بعد الفراغ. أنت تأكل أكل ماذا؟ أكل معتدل، أكل ليس فيه تعب على المعدة، وإذا أكلت حمدت الله عز وجل الذي سوغه وجعل له مخرجًا، الذي سوغه وجعل له بعد ذلك مخرجًا. فاذكر الله عز وجل وتحمده على هذا، على هذه النعمة. قال: حدثنا، قال الترمذي رحمه الله: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو بكر، وهو محمد بن أبان، محمد بن أبان هذا يلقب بحمدويه، وهو ثقة حافظ، وهو مستملي وكيع. مستملي وكيع، ما معنى مستملي وكيع؟ ما معنى المستملي؟ واحد مستملي، مستملي وكيع يملي على من؟ على الطلاب. يعني الشيخ جالس ويقول: حدثنا فلان، وهذا المستملي يرفع صوته ويقول: قال الشيخ حفظه الله مثلًا: حدثنا فلان. المستملي الذي يملي للطلاب عن طريق الشيخ، عن طريق الشيخ، ربما الشيخ يكون تعبان أو صوته ضعيف، فهذا المستملي يقوم مقام الشيخ، ويكون عنده أصل كتاب، أصل كتاب الشيخ، يحفظ أسانيد ماذا؟ الشيخ، فيسمى المستملي. قال: حدثنا وكيع، وكيع هو ابن الجراح، هذا وكيع إمام من أئمة المسلمين. وكيع رحمه الله تعالى كان زاهدًا، وكان أيضًا ورعًا، والإمام أحمد كان يجله إجلالًا عظيمًا ويقدمه حتى على يحيى بن سعيد القطان. فقد سئل رحمه الله تعالى: من عندك وكيع أم يحيى بن سعيد؟ يعني من حيث الأفضلية. قال: وكيع. قيل له: لماذا؟ قال: لأنه كان صديقًا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء، أي حفص، هجره وكيع، وكان يحيى بن سعيد صديقًا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي معاذ القضاء لم يهجره يحيى بن سعيد. انظروا، قدم الإمام، الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكيعًا على يحيى بن سعيد بسبب ماذا؟ أن وكيعًا رحمه الله كان زاهدًا في الدنيا، حتى إنه عُرض عليه القضاء، والقضاء كان أمرًا عظيمًا عندهم، لما يكون قاضي البلاد تحت أمر الوالي، ومع ذلك وكيع رفض الدنيا بحذافيرها، رحمه الله، وبقي على ما هو عليه، وحفظ سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقدم لأجل هذا على جميع ماذا؟ أقرانه، بحفظه وزهده وورعه، حتى قيل إنه كان يسرد الصوم، رحمه الله تعالى، يسرد الصوم يعني يصوم يوميًا، هذا سرد، سرد ماذا؟ الصوم. وكان رحمه الله تعالى يلقب من سعة حفظه بالتنين، التنين، قالوا: الذي يأتي على الشيء فيحرقه. جاء مرة عبد الرزاق الصنعاني إلى مكة في نفس العام الذي حج فيه وكيع، وكان عبد الرزاق في مكة له مجلس في مكان معين من الحرم، يأتي إليه ويجد الطلاب قد سبقوه، فيحدثهم بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه جاء إلى المجلس فما وجد أحدًا، فاغتم، قال: لماذا؟ أين الناس؟ أين ذهبوا؟ لماذا ما أحد يأتي يأخذ الحديث؟ فقام من مكانه وخرج يبحث، يدور أين، حتى وجد رجلًا، قال له: أين الناس؟ قال له: قد حضر وكيع. قال: الحمد لله، ظننت أن الناس زهدوا في حديثي. شوفوا كيف، انظروا، قال: الحمد لله، هل حسد وكيع أن الناس ذهبوا إليه؟ قال: لا، الحمد لله، أنا أحمد الله أن الناس ذهبوا إلى عالم أعلم مني، أحمد الله، مدام في البلاد خير، ومدام في البلاد علماء وفي مشايخ يقومون بالواجب، نحمد الله عز وجل، كفونا المؤونة. ما قام وصاح: لماذا هذا أخذ طلابي؟ يا وكيع، أنت تحتاج للسجن، أنت تحتاج إلى كذا، سأشتكيك إلى الوالي، إلى ولي الأمر، وسأفعل وسأفعل بك، أنت وأنت، لا. قال: الحمد لله، طلع أن الناس زهدوا في الحديث، لكن الناس ما زهدوا في الحديث، ذهبوا إلى عالم كبير يسمعون عنه، وكيع بن الجراح، جبل من جبال الحفظ الذين يحفظون السنة، ذهبوا يأخذون عنه. وهكذا أيضًا أبو أسامة يقول: لما عرف أن وكيع في الحج حضر، قال: قد حضر التنين، انتبهوا لأنفسكم، التنين هذا إذا جاء على شيء يحرقه، ما يخلي أحد، خلاص، حضر التنين، يعني الناس سيذهبون، لو جلست أنا ما سيجلس لأحد، سيذهبون إلى هذا العالم الذي قد قدمه جبال الحفظ، قد قدمه الإمام أحمد، قدمه ابن معين، وقدمه فلان وفلان، من نحن بجانب ماذا؟ بجانب وكيع بن الجراح، رحمه الله تعالى. فهكذا أهل السنة، أهل السنة وأهل الحديث، يعرفون بعضهم لبعض، يعرفون منزلتهم ويعرفون شرفهم، حتى قيل: لا يفتأ ومالك في المدينة، هكذا كانوا يقولون، مع أن هنا علماء في المدينة، لماذا يحيلون إلى مالك رحمه الله تعالى؟ وفيه ومن العلماء يقول: لا يفتأ مالك، هذا مالك، علم مني، هذا جزاه الله خير، يقوم بالواجب، وإذا جاء أحد إلينا جلسنا. وهكذا يكون أهل العلم، أهل العلم يكونون هكذا، والله المستعان. وإن شاء الله تعالى نكمل ما تبقى من هذا الباب في الدرس القادم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اشتركوا في القناة.