الدرس في كتاب الصيام 13، الدرس الثالث عشر : من: ( استدل المانعون مطلقاً بأدلة منها ... وبعضهم قال بالمساواة بين الحقوق). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش آراء الفقهاء حول قضاء الصيام عن الميت، واستدلال المانعين والمجوزين بآيات وأحاديث نبوية. يُفصل في الجمع بين هذه الأدلة وتوضيح القول الصحيح.
يبين رأي ابن القيم في جواز الصيام عن الميت سواء كان فرضًا أو نذرًا، مستندًا إلى أدلة شرعية وقواعد فقهية، ويوضح الخلاف بين العلماء حول هذه المسألة.
يناقش قضاء الصوم عن الميت سواء كان نذرًا أو واجبًا أصليًا، ويستدل على عموم الحكم بقياس دين الله على دين الآدمي، ويشدد على ضرورة التخلص من الأموال الربوية والتبرع بها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: استذل المانعون مطلقا بأدلة منها، يعني المانعون مطلقا من الصيام عن الميت، لأنه ذكر قبله أن الناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من منع مطلقا، ومنهم من خصه بالنذر، ومنهم من عممه في النذر وفي غيره. قال رحمه الله تعالى: استدل المانعون مطلقا بأدلة منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وما روي عن ابن عباس: لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد. وروي عن عائشة نحو ما روي عن ابن عباس، وهما راويان لحديث الصيام عن الميت، وخالفهما وخالفاهما يعني خالفا الحديث. قال: فأتبع رأيهما لا روايتهما؛ لأنهما أعلم بمعنى الحديث. والجواب على هذا أن الذي أنزل عليه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ هو الذي قال عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». وهذا نص صريح، فوجب تقديم هذا النص الصريح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث ابن عباس -وسيأتي معنا- قال: «فدين الله أحق أن يقضى»، فدل أن هذا الحكم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ الْإِنْسَانُ إِلَّا مَا سَعَى﴾ مخصوص بهذه الأدلة التي استثنت هذه الأحكام. وأما ما روي عن ابن عباس: «لا يصلي أحد عن أحد»، فهو موقوف عليه إذا صح. والذي يعرفه أنه صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه فيما رواه أبو جهم في جزئه بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر: «لا يصلي أحد عن أحد، أو لا يصم أحد عن أحد، ولا يحج أحد عن أحد». وهذا رأيه -صحابي- ولو قدر أنه صح عن ابن عباس وعن عائشة رضي الله عنهما، فإنه لا يعارض به النص. بل الصحيح بهذه القاعدة أن الراوي إذا خالف ما روى، فالعبرة بما روى لا بما رأى؛ العبرة بما روى لا بما رأى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فإن الإنسان قد يحمل الفقه ولا يفقهه، ويأتي غيره ويفقهه؛ قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا المعنى. والمعنى: أننا ينبغي أن نلتفت إلى الرواية لا إلى الرأي. فالرواية التي صحت عن عبد الله بن عباس وعائشة تدل على الصيام لا على عدم الصيام. قال: واستدل المجوزون للقضاء مطلقا بحديث الباب؛ فإنه عام في الواجب بأصل الشرع والواجب بالنذر. فحديث الباب -حديث عائشة- عام يشمل كل نوع مع الصيام، سواء فرض أو نذر. قال: وبحديث ابن عباس الآتي بعد هذا الحديث، وهو: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت عليها صيام شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى». قال ابن حجر: إن أحمد ومن معه حمل العمومة -حديث عائشة- على المقيد -بحديث ابن عباس-، وليس بينهما تعارض حيث يجمع بينهما. فحديث ابن عباس صورة منفصلة يسأل عنها من وقعت له. وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة. وهذا هو الصحيح. فكيف إذا انضاف أن ألفاظ حديث ابن عباس جاءت مختلفة مما يدل أن حديث ابن عباس رواية في أكثر من قصة: رواية في نذر -وهو ما جاء في رواية ذكر المرأة السائلة-، ورواية في سؤال مطلق لم يذكر أنه نذر أو أنه صيام رمضان -وهو ما جاء في قصة الرجل-، كما سيأتي معنا إن شاء الله. فهذا يدل على أن حديث عائشة على إطلاقه؛ حديث عائشة على إطلاقه يشمل صيام الفرض ويشمل صيام النذر على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وحمل المطلق على المقيد وضع العلماء له شروط. وقد ذكر الشوكان رحمه الله بشروط حمل المطلق على المقيد: أن من شروطه -كما نقل هو ينقل عن غيره في الإرشاد- أن من شروط حمل المطلق على المقيد: أن لا يمكن الجمع بينهما. فإن أمكن الجمع بينهما -يعني بإعمال الدليلين- فإعمال الدليلين أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما؛ لأن حمل المطلق على المقيد معناه إهمال أحد الدليلين. لكن إذا أمكن إعمال الدليلين فهذا هو الأولى. فإذا من قواعد وشروط حمل المطلق على المقيد: أن لا يمكن إعمال الدليلين معا. فإن لم يمكن إعمال الدليلين معا فيحمل المطلق على المقيد. وهنا يمكن أن يعمل الدليلين؛ فأن يقال: هذا عام، وهذه قضية أخرى -قضية النذر- تنباط إلى معنى العموم، ولا نقيد هذا العام عن عمومه، ونبطل عمومه الذي دل عليه. قال رحمه الله تعالى: أما المفصلون -يعني الذين قالوا بالنذر خاصة-، قال: وهم الذين يرون القضاء في النذر دون الواجب بأصل الشرع؛ فيرون أن حديث الباب، وحديث ابن عباس الذي بعده مقيدان بالرواية الثانية عن ابن عباس المذكور في هذا الباب، وسيأتي ذكر الرواية الثانية -وهي قصة المرأة السائلة-؛ فإنها سألت عن صيام نذر. قال: ونصر ابن القيم هذا القول في كتابي «أعلام الموقعين» و«تهذيب السنن»، وقال: إنه أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة. ولو كان فتوى بعض الصحابة يوافق ذلك. لكن الصحيح: أنه يجب على عموم الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية إعمال الدليلين لا تعطيل أحد الدليلين. وحديث عائشة واحد، روايتي حديث ابن عباس عام. قال: وقال: وتعليل حديث ابن عباس الذي قال فيه: «لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه»، مراده في الفرض الأصلي؛ يعني يقول: أن أثر ابن عباس يحمل -وهكذا ما روي عن غير ابن عباس في هذا المعنى- يحمل أنه «لا يصوم أحد عن أحد» يعني في الفرض، أما في النذر فجائز. وكما مر معنا: أن الجواب أوسع من هذا الجواب؛ بل نقول: أن هذا رأي ابن عباس، هذا رأي ابن عباس، لكن دل الدليل على جوازه. قال رحمه الله تعالى: وأما النذر فيصام عنه. وما روي عن عائشة في إفتائها في التي ماتت عليها صوم أنه يطعم عنها؛ إنما هو في الفرض لا في النذر. وكذلك هذه الفتوى -كما قلنا- لا يعارض بها الدليل. فهذه مسألة خلافية. والصحيح بما دل عليه الدليل؛ فالعبرة بما روى لا بما رأى. قالوا: بهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وهو مقتضى الدليل والقياس؛ لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع، إنما وجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدين الذي استدانه. ولهذا شبّه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين في حديث ابن عباس. وهذا إذا صح القول بالتقييد، وإلا ففي حديث ابن عباس الرواية التي فيها سؤال الرجل ليس فيها ذكر النذر، بل فيها ذكر صيام. ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: «أفرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله حقا يقضى»، بدل على أنه لا فرق -على الصحيح- بين النذر وبين الفرض. قال: ثم قال أيضا: وسر الفرق أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته، لا أن الشارع ألزمه به ابتداء؛ فهو أخص حكما مما جعله الشارع حقا له عليه. والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه، بخلاف واجبات الشرع؛ فإنها على قدر طاقة البدن. انتهى ملخصا منه. يعني من كلام ابن القيم. كأنه يقول: أن ابن القيم رحمه الله يرى أن هذا التفريق بين النذر والصيام الفرض له أصل، ووجه الأصل: أن النذر هو إلزام الشخص نفسه، لا أن الله ألزمه؛ فلما ألزم نفسه صار مثل الدين لا يسقط عنه. ولما صار الفرض من الله، فإن الله عز وجل يسامحه بذلك، ولم يلزم أولياءه بالقضاء. والصحيح -كما قلنا- أنه يصام عنه لعموم الأدلة، ولأنه الأحوط، ولأنه الأحوط. قال: فائدة قضاء وليه عنه من باب الاستحباب عند جماهير العلماء ما عدا الظاهرية؛ فقد أوجبوه. يعني قوله النبي عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، يقول الذين قالوا بأن الولي يصوم عن وليه: قالوا: أن هذا الصيام على وجه الاستحباب لا على وجه الإلزام والوجوب. وهذه مسألة خلافية كما أشار إليها رحمه الله. والأحوط أن الولي يقضي عن من كان وليا عنه. فإذا لم يستطع القضاء أطعم. قال: وقالت الحنابلة: إن كان الميت خلف تركة وجب القضاء، وإن لم يخلّف تركة فهو مستحب. وقال: إن صام غير الوارث أجزأه؛ يعني ليس بشرط أن يكون وارثا، فلو كانت مثلا بنت ابن أو بنت بنت أجزأ كذلك في القضاء عن هذا الصيام. قال رحمه الله تعالى: الحديث الثامن والثمانون بعد المئة، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ما قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ أو قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى». وهذه الرواية أضبط الألفاظ فيها. ولفظ الإمام مسلم رحمه الله في حديث ألف ومائة وثمانية وأربعين: «حدثني أحمد بن عمر الوكيعي، قال: حدثني حسين بن علي عن زائدة عن سليمان عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنفس اللغة المذكورة هنا». ورواه البخاري نحوه في حديث ألف وتسعمائة ثلاثة وخمسين. وأما قوله رحمه الله: وفي رواية: «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم»، هذه رواية مسلم في حديث ألف ومائة وثمانية وأربعين، لكن في الذي بعدها؛ لأنه رواه بألفاظ: الأول مائة وخمسة وخمسين، وهذا الثاني. وفي رواية: «جاءت امرأة» في مسلم مائة وستة وخمسين، فاصل ألف ومائة وثمانية وأربعين. قال الله السلام رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي وقع بهذا الحديث روايتان، والظاهر من السياق أنهما واقعتان لا واقعة واحدة. وهذا هو الصحيح؛ لأن ظاهر الروايتين الاختلاف. ففي الأول رجل، وفي الثانية امرأة. وفي الأول صوم شهر، وفي الثانية نذر ولم تحدد. والأصل هو عدم توهين الرواة؛ لا نقول: أن بعض الرواة وهم فغير بدل رجل امرأة. لا، الأصل عدم توهين الرواة. فلذلك نقول: أنها روايتان على أنها واقعتان أو أنهم واقعتان. قال: فالأولى: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن أمه ماتت عليها صوم شهر، فهل يقضيه عنها؟ والرواية في الثانية: أن امرأة جاءت إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبرته أن أمه ماتت عليها صوم نذر، فهل تصوم عنها؟ فأفتاهما جميعا بقضاء ما على والدين من الصوم. ثم ضرب لهم مثلا يقرب لهم المعنى ويزيد في التوضيح، وهو أنه لو كان على والديهما دين لآدمي فهل يقضيانه عنهما؟ قال: نعم. فأخبرهم أن هذا الصوم دين دين الله على أبويهما؛ فإذا كان دين الآدمي يقضى، فدين الله أحق بالقضاء. وهذا التعليل من أقوى ما يجتدل به على العموم؛ لأن هذا التعليل لا يخص النذر، بل يعم كل صوم لله عز وجل. فإذا كان كذلك، فالحكم يدور مع علته وجودا عدما؛ فإذا هذا الحكم يشمل النذر ويشمل الفرض على القول الصحيح. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث: أولا: عموم الرواية الأولى تفيد أن الصيام يقضى عن الميت سواء كان نذرا أم واجبا أصليا. ومعنى واجبا أصليا: يعني صيام رمضان. وهذا هو الصحيح. قال: ثانيا: الرواية الثانية تدل على قضاء الصيام المنذور عن الميت. الرواية الثانية تدل على صيام النذر، ولا ينافي ذلك ما سبق؛ لأن ما سبق عام يشمل النذر ويشمل الفرض. قال: ثالثا: الظاهر أنهم واقعتان لرجل وامرأة؛ فتبقى كل منهذا كل منهما على مدلولها، ولا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على عمومها. وهذا هو الصحيح. يعني: لا نقيد قصة الثانية للقصة الأولى العامة؛ لا نقيد الثانية التي فيها ذكر النذر للأولى العامة التي ليست فيها ذكر نذر ولا غيره. قال: رابعا: عموم التعليل الذي في الحديث يشمل الديون التي لله والتي للخلق، والواجب بنذر والواجب بأصل الشرع. وهذا هو الصحيح. التعليل: بأن «دين الله حقا يقضى»، هذا تعليل عام ليس فيه تخصيص للنذر؛ فيشمل -على القول الصحيح- كل الأمرين، سواء كان نذرا أو كان فرضا. قال: خامسا: فيه إثبات القياس الذي هو أحد أصول الجمهور في الاستدلال. وقد ضرب لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المثل فيما هو معهود لهما؛ ليكون الفهم أبلغ، ليكون الفهم أبلغ، ويقربه من أذهانهما؛ فإن تشبيه البعيد بالقريب يسهل إدراكه وفهمه. يعني: في هذا الحديث دليل على إثبات القياس في الشرع. وبهذا يعرف خطأ الظاهرية الذين أنكروا القياس؛ فإن القياس له أصل في الشرع، في أدلة الكتاب وفي أدلة السنة. ومن هذه الأدلة هذا الدليل؛ فإن هذا الدليل فيه إعمال القياس. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضرب لهم هذا المثل. وفي هذا المثل نوع من القياس الذي يكون فيه الإلحاق؛ يكون فيه الحكم بالإلحاق. قال رحمه الله تعالى: سادسا: قوله: «فدين الله أحق بالقضاء»، فيه دليل على تقديم الزكاة وحقوق الله المالية إذا تزاحمت حقوقه وحقوق الآدميين في تركة المتوفى. وهذه المسألة الخلافية: فهل قوله عليه الصلاة والسلام: «فدين الله أحق بالقضاء»، معناه أن يقدم على الحقوق المالية؟ الصواب: لا أنه لا يقدم على الحقوق المالية للآدميين؛ لأدلة أخرى أصرح في هذا الباب تدل على أن حق الله قائم على المسامحة، وحق الآدميين قائم على المشاحة. ومر معنا هذا المعنى في دروس ماضية. وسأذكر معنا إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. المهم: أن هذه المسألة خلافية. والصحيح: هذا الآن أن ننبه أن هذا اللفظ ليس فيه دليل على تقديم ما هو حق لله على ما هو حق للآدميين في الأموال؛ ليس فيه دليل على ذلك. قال رحمه الله تعالى: وبعضهم قال بالمساواة بين الحقوق؛ يعني بين حق الآدمي وحق الله عز وجل. وهذا الذي ذكره يشير به إلى أن المسألة فيها خلاف. والصحيح -كما قلنا- أن حق الله قائم على المسامحة، وحق الآدميين قائم على المشاحة؛ فلهذا يقدم حق الآدمي. ومما يضاف في هذه الفوائد: ما يؤخذ من هذا الحديث كذلك في هذا الحديث: أهمية العلم والعلماء؛ فإنه لولا سؤال أهل العلم لما علم مثل هذا الحكم. وهكذا ينبغي للمسلم أن يحرص على سؤال أهل العلم ليتبصر في أحكام الشرع. فما أكثر الأحكام والمسائل الدقيقة التي لا تتبين وتلتبس على المرء لو أنه أفتى نفسه بنفسه. ولكن يتبين له الأمر بسؤال أهل العلم. وفي هذا الحديث ذلك من الفوائد: حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم عموما وخصوصا على إبراء ذممهم وذمم موتاهم. وهذا يدل على أهمية الاهتمام بالتخلص من الحقوق؛ فإن المسلم يجب عليه أن يتخلص من حقوقه، ليس هذا بحسب، بل من حقوق والديه وورثته. وما أكثر الناس الذين تساهلوا في هذا الباب في هذا الزمان. بعض الناس يعرف أن هذا المال الذي ورثه الأب ورثه من مظالم: أراضي اضطهدها على زيد، وأخرى أخذها عن عمر، وثالثة غش بها خالد. ثم يأتي هذا الذي يرث يأخذها يظن أن هذا حلال له؛ ليست حلال له. ما دامت تعلم أن هذه الأراضي ليست لأبيك، وإنما أخذها قهرا وظلما وعدوانا وخيانة لفلان وفلان من الناس. وجب عليك أن تتخلص منها، ولا يجوز لك أن تأكل منها شيئا. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من اتطع شبرا من أرض بطريق ظلم طوق من سبع أراضين يوم القيامة». فإذا كان هؤلاء يسألون في نذر وفي صيام ونحو ذلك تبرئة للذمة وحرصا على أداء الحقوق؛ فكيف بمن يعتدي بمثل هذه الأموال القائلة؟ فإن هذا أولى وأشد بالتخلص والتبرع. ونتهي بهذا القدر. ونكمل ما تبقى بدرس الله. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.