كتاب الحج 9

الدرس في كتاب الحج 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الهدي والأضحية والعقيقة ومقدماتها

الهدي والأضحية والعقيقة من بهيمة الأنعام وتشترط فيها شروط معينة، والأضحية سنة مؤكدة في السفر والحضر وتعد شكرا لله على نعمه وإطعاماً للفقراء.

شروط صحة الأضحية وتفاصيلها

يشترط في الأضحية أن تكون من بهيمة الأنعام وتبلغ السن الشرعي وخالية من العيوب، مثل العوراء والمريضة والعرجاء والعجفاء التي لا تنقي.

أحكام الأضحية والاشتراك فيها وتفاصيل أخرى

الأضحية تكون تقربا إلى الله بأفضل ما يمكن، ولا تجزئ مع وجود عيوب، ويجوز الاشتراك في الأضحية من الإبل والبقر عن سبعة أفراد.

أفضلية الأضحية بالغنم في حالات معينة

الأفضل لمن لم يستطع أن يضحي بالبدنة أو البقرة أن يضحي بالغنم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ضحى بالغنم عنه وعن أهل بيته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "منهج السالكين" في باب الهدي والأضحية والعقيقة: قال تقدم ما يجب من الهدي، وما سواه سنة، وكذلك الأضحية والعقيقة، ولا يجزئ فيها إلا الجذع من الظأن، وهو ما تم له نصف سنة، والثني من الإبل ما له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان، ومن المعز ما له سنة. قال صلى الله عليه وسلم: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكبيرة التي لا تنقي». الصحيح رواه الخمسة. وينبغي أن تكون كريمة كاملة الصفات، وكلما كانت أكمل فهي أحب إلى الله وأعظم لأجر صاحبها. قال جابر: «نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدن عن سبعة، والبقرة عن سبعة». رواه مسلم. ذكرنا رحمه الله في هذا الباب يتعلق بأحكام الهدي والأضحية والعقيقة. الهدي جمع هدية، مثل تمر وتمرة، وجري وجرية، هذا في اللغة. واصطلاحا: هو كل ما يهدى من بهيمة الأنعام إلى بيت الله الحرام تقربا إلى الله، سواء كان المهدي محرما أو كان حلالا. والأضحية ما يذبح في أيام الأضحى أو عيد الأضحى وأيام التشريق من بهيمة الأنعام تقربا إلى الله. والعقيقة في محلها. قال تقدم ما يجب من الهدي يعني ما ذكر رحمه الله في وجوب هدي التمتع والقران، هذا من هدي الواجب. فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، وهكذا أيضا الهدي الواجب لفعل المحظور كحلق الرأس كما في قصة كعب بن عجرة. وما سواه سنة، يعني ما سوى هذا الهدي فهو مستحب. مثلا لو أن الإنسان تمتع وأراد أن يذبح عشر شياه، الأولى واجبة والتسع البقية سنة، الواجب له واحدة. الباقي سنة تكون مستحبة. وكذلك الأضحية والعقيقة، يعني أنهما سنة. الأضحية حكمها أنها سنة مؤكدة، يكره للقادر تركها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليها. والله عز وجل يقول: «لكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام». وهي من سنن الأنبياء والرسل. هكذا إبراهيم عليه السلام أمره الله أن يذبح ولده إسماعيل، وفديناه بذبح عظيم. وضّحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين. والحديث الذي فيه الأمر بوجوب الأضحية فهو ضعيف. لكن عندنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومواظبته على ذلك. وقال جمهور أهل العلم: إنها تشرع في السفر وفي الحضر. ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذبح في السفر أضحية، وجعل ثوبان على أضحيته يطعم منها. إذن الأضحية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. في الكتاب: «لكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام». وهي أيضا سنة إبراهيم عليه السلام. وقد قال الله: «ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا». ومن السنة: أن النبي عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أملحين أقرنين. وأجمع علماء على مشروعيتها. والقول بأنها سنة مؤكدة قول جمهور أهل العلم. ومن حكم مشروعية الأضحية: شكر الله جل وعلا على نعمه، وما أنعم به على العباد من الإيمان والإسلام. وكذلك لإقامة ذكر الله جل وعلا، ليذكر اسم الله على ما رزق من بهيمة الأنعام. كذلك إطعام الفقراء والمساكين. قال: ولا يجزئ فيها إلا الجذع من الظأن، وهو ما تم له نصف سنة، والثني من الإبل، ومن البقر، ومن المعز. إذن هنا سيذكر شروط الأضحية. فالأضحية لها شروط حتى تصح أن تكون أضحية. من هذه الشروط أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم. قال الله جل وعلا: «ويدكر اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام». والنبي صلى الله عليه وسلم لم يضح إلا ببهيمة الأنعام. إذن لا يشرع التضحية بغير بهيمة الأنعام. ثم شرط الثاني أن تبلغ السن المحدد شرعا. فالواجب في بهيمة الأنعام في الأضحية أن تكون ثنية. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جدعة من الظأن». هذا في صحيح مسلم من حديث جابر. وفي حديث مجاشع بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجذع من الظأن يوفي بما يوفي منه الثني». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تذبح إلا مسنة» يدل على أن الأصل في الأضحية أن تكون مسنة، يعني أن تكون ثنية. لكن أجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الجذع من الظأن. فقوله: «إلا أن يعسر عليكم» ليس معناه أنه لا يجوز أن يذبح الجذع من الظأن إذا كان عنده الثني. لكن المراد أن الثني أفضل. إن تيسر الثني فهو أفضل مع جواز ذبح الجذع من الظأن. إذن يشترط في بهيمة الأنعام في الإبل والبقر أن تكون ثنية. والثني من الإبل ما له خمس سنين، والثني من البقر ما له سنتان، والثني من المعز ما له سنة. وبعض الخبراء الذين عندهم خبرة بالأغنام يعرفون عن طريق الأسنان متى يكون ثنيا. والمعتبر هو السن. إذا لابد أن تكون بهيمة الأنعام بهذا السن الذي حدده النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «أربع لا تجوز في الأضاحي». هنا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شروط من شروط الأضحية أن تكون سالمة من العيوب. العيوب تنقسم إلى قسمين: عيوب تمنع من الأضحية، و عيوب لا تمنع من الأضحية. المذكور في هذا الحديث -حديث البراء ابن عازب رضي الله عنه في السنن- هي العيوب التي تمنع من الإجزاء. قال صلى الله عليه وسلم: «أربع لا تجوز في الأضحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكبيرة التي لا تنقي». العوراء التي في عينها عور، وهذا العور بين. فإن كان فيها عور لكن ليس ببين، فهذه مجزئة. قال أهل العلم: ما كان أولى من العور من باب أولى، كانت تكون عمياء، إذا كانت عمياء فلا تجزئ من باب أولى. والمريضة البين مرضها، إذا كانت مريضة وهذا المرض بين واضح، كأن تكون جرباء أو فيها جروح، أو فيها إسهال. فهذه ما تجزئ. فإن كانت مريضة لكن ليس المرض بينا، فهذه مجزئة. والعرجاء البين ظلعها، أي التي تعرج في المشي وتكسح، وهذا العرج بين واضح. فهذه ما تجزئ. لكن إذا كانت عرجاء والعرج غير بين، فيها عرج يسير، فهذه مجزئة. وأما إذا كان بينا فإنها لا تجزئ. قال بعض العلماء: العلة في ذلك أنها ربما تتأخر عن اللحاق بالغنم، فيضعف رعيها ويضعف أكلها، فيكون ذلك نقصا في لحمها. وكذلك أيضا كونه عيبا واضحا بين تعتبر معيبة. والأضحية يذبحها الإنسان تقربا إلى الله جل وعلا، فلابد أن يذبح ويتقرب إلى الله بما كان أطيب وأكمل وأفضل. هكذا أيضا من باب أولى إذا كانت مكسورة القدم، أو كانت قوائمها مكسورة، فمن باب أولى أنها لا تجزئ. والكبيرة التي لا تنقي، أي التي لا فيها مخ، ما فيها لحم، هزيلة عظام. أما إذا كانت كبيرة تنقي، فيها لحم سمينة، فهذه مجزئة. إذن هذه العيوب الأربع التي تمنع من إجزاء الأضحية. وينبغي أن تكون كريمة كاملة الصفات، وكلما كانت أكمل فهي أحب إلى الله وأعظم لأجر صاحبها. أن تكون كريمة يعني سمينة طيبة اللحم. قال جابر: «نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدن عن سبعة، والبقرة عن سبعة». رواه مسلم. هذا الحديث يدل على جواز الاشتراك في الأضحية في الإبل والبقر. يصح الاشتراك في الأضحية في البقر وفي الإبل والبقر، يشترك السبعة في بقرة أو في بعير، كل واحد له السبع. وأما الغنم فلا تجزأ إلا عن الواحد وأهل بيته. لا يجوز الاشتراك في الغنم، سواء كان معز أو ظأن. المعز والظأن لا تجزأ إلا عن واحد. لحديث أبي أيوب في السنن قال: «كنا نضحي بالشاة، كان رجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته». نعم، فالغنم لا يجوز الاشتراك فيها. فيذبح الرجل الشاة عنه وعن أهل بيته إن كانوا في البيت أكثر من أسرة. وهم يعني يطبخون معا ويأكلون معا، فتجزأ شاة واحدة عنهم جميعا. وأما إن كان كل واحد يطبخ لنفسه ويأكل مع أسرته لوحده، فهذا يعني على كل واحد شاة عن نفسه. إذن الاشتراك في الغنم لا يجوز. وأما الاشتراك في الإبل والبقر فيجوز عن سبعة. ما يجوز الاشتراك أكثر من سبعة. فإن اشتركوا أكثر من سبعة، فهذا الزائد مثلا وكانوا ثمانية، هذا الثامن يعني إما أن يدفع له قيمة الشاة، و يشتري له شاة ويخرج من القسمة. جمهور أهل العلم أن في باب الهدايا الإبل أفضل، ثم البقر ثم الغنم. ثم شبع الإبل، ثم شبع البقر. ولهذا أهدى النبي صلى الله عليه وسلم إبلا في حجة الوداع، أهدى مئة إبل عليه الصلاة والسلام، لأن الإبل أكثر لحما وأغلى ثمنا. وكلما كانت الهدي أكثر وأغلى وأثمن كان أحب إلى الله جل وعلا. ثم تأتي بعدها في الدرجة البقر، لأنها أغلى من الغنم وأكثر لحما، أما الغنم فهي أقل. ثم شبع الإبل، ثم شبع البقر. هذا بالإجماع أن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم بالنسبة للهدي. هذا مجمع عليه عند أهل العلم أن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم. وأما بالنسبة للأضحية أيهم أفضل، فاختلفوا. وجمهور أهل العلم على أن الأفضل هو الإبل، ثم البقر، ثم الغنم كالهدي. أن التفضيل في الهدي في الأضحية كالتفضيل في الهدي، الإبل ثم البقر ثم الغنم. هذا قول جمهور أهل العلم. وبعضهم يذهب لأن الأفضل الغنم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحين كما في حديث أنس. والمسألة محتملة. ولا شك أن ما كان أكثر لحما وأغلى ثمنا هو أحب إلى الله جل وعلا، وأنفع للفقراء والمساكين. وعلى هذا فيكون كما ذكر الجمهور أن الأفضل هو الإبل، ثم البقر، ثم الغنم. لكن بالنسبة لمن يعني أراد أن يذبح عن نفسه وأهل بيته، فالأفضل الغنم لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. يعني إذا إنسان ما يستطيع البدنة ولا البقرة، فلا شك الغنم أفضل بالنسبة لحقه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ذبح الغنم عنه وعن أهل بيته. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.