الدرس في كتاب البيع 18، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تعريف السلم وأصله الشرعي والشروط الواجب توافرها في عقد السلم مثل معرفة وصف السلعة وكمية الكيل أو الوزن وتحديد الأجل. يبرز أهمية ضبط صفة السلعة لتلافي الخصومات.
يشرح الشروط اللازمة لصحة بيع السلم مثل تقديم الثمن نقدا عند العقد وعدم جواز شراء دين بدين. يستدل على هذه الشروط بأحاديث نبوية وأقوال الصحابة والتابعين.
يتناول مسألة التصرف في المبيع قبل قبضه ويُفصّل في آراء أهل العلم حول جواز استبدال المبيع بشيء آخر إذا لم يتيسر. يُبيّن أن الأحاديث الضعيفة لا تمنع من جواز التصرف إذا حصل التراضي وكان على وجه لا يخالف الشرع.
يرجح قول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في مسألة فقهية معينة. يشير إلى اتفاق جماعة على هذا الترجيح ويختتم بالإشارة إلى كفاية ما تمت مناقشته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: باب السلم، قال: هو أن يسلم رأس المال في مجلس العقد على أن يعطيه ما يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم، ولا يأخذ إلا ما سمى أو رأس ماله، ولا يتصرف فيه قبل قبضه. هذه مجموعة من المسائل ذكرها -رحمه الله تعالى- في باب السلم. وقوله: «باب السلم»، الباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، وهو الدخول والخروج المعنوي إلى أحكام السلم، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام السلم. والسلم كما قال -رحمه الله- هو: أن يسلم رأس المال في مجلس العقد على أن يعطيه ما يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم. وقد اختلفت عبارات أهل العلم في تفسير السلم، وهي بالجملة ترجع إلى هذا المعنى. والأصل فيها ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس، ومعناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وهكذا عبد الرحمن بن أبزى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسألة السلم. فقد كان أهل المدينة يسلفون في الثمار السنة والسنتين، كما جاء في حديث ابن عباس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». وفي رواية: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». فعلم أن السلم معنى من معاني السلف، لكن السلم سلف بوصف خاص، السلف هو من معاني الدين، والسلم كذلك من معاني الدين، لكن السلم دين وسلف على وصف خاص، وهو بتقديم المال أو العوض الذي يراد به الشراء وتأخير السلعة المشتراة. وهذا كان يفعل بالجاهلية، ولكنه كان يفعل بغير قيود ولا شروط، فتحصل بذلك محاذير وأمور تخالف الشرع، وتحصل بها الخصومات. فلما جاء الله -عز وجل- بالإسلام، فأدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه البيوع التي كان يتعامل بها أهل المدينة وغير أهل المدينة، وضع لهم هذه الضوابط الشرعية بما أوحى الله -عز وجل- إليه حكمة ورحمة من الله -سبحانه وتعالى-. ولذلك يذكر العلماء باب السلم ليذكروا معه مسائله، وقبل ذلك وصفه وتعريفه وشروطه. فوصف بيع السلم هو ما علمنا: تقديم المال وتأخير السلعة، تأخير قبض السلعة. ولكن لهذا الوصف وهذا النوع من البيع شروط دلت عليها الأدلة الشرعية. أول هذه الشروط: أن يكون الوصف معلوما لهذه البضاعة المسلمة التي يراد شراءها، فلا يجوز بيع شيء مجهول؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع المجهول، كما في حديث أبي هريرة في مسلم: «نهى عن بيع الحصاة وبيع الغرر، وكل مجهول لا يجوز شراؤه ولا يتم البيع فيه». فكذلك إذا حصل شراء الشيء المجهول في السلم. ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام- وهو دليل هذا الشرط: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». فلابد أن يكون الكيل معلوم والوزن معلوم. ولهذا قال العلماء: لابد من أن يكون المبيع معلوما بكل معاني ضبط الصفة. فإن كان جنس يحتاج أن يبين ويميز جنسه، مثلا تمر أو حبوب أو كذا وكذا من الطعام. ثم إن كان هذا الجنس تحته أنواع، لابد أن يميز هذا النوع؛ لأن أثمان هذه الأنواع تختلف. فلابد أن يحصل ضبط للصفة يحصل معها ضبط الثمن. فإن كان الجنس الواحد تحت أنواع، مثلا تمر، التمر أنواع، يوجد تمر سعره بكذا، وتمر سعره بكذا، هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، مثلا تمر سكري وبرحي، وبالنسبة لأنواع التمر الذي عندنا مثلا: جزاز أو سبط، أو نحو ذلك من أنواع التمر التي هي تحت جنس التمر، صحيح تمر، هذا اشترى تمر، لكن لابد أن يميز ما نوع التمر الذي اشترى. وهكذا كذلك إن كان جديدا أو قديما، فإن كان هناك تمر جديد وتمر قديم، لابد أن يبين، يقول له: اشتري منك إن كان كتب أو شرط باللفظ مع وجود الشهود: تمر نوعه كذا، وهو من عام كذا، أو لهذا العام الجديد، يبين. وإذا كان كذلك له حجم، يوجد مثلا تمر جزاز صغير، وتمر جزاز كبير حبة كبيرة، فيقول ويبين: أريد تمر جزاز النوع الحبة الكبيرة، أو الحبة الصغيرة، أو لا بأس أن يكون مخلوط كبير وصغير، ونحو ذلك مما يذهب معه الإشكال والخصومة. وهكذا كذلك إن كان في هذا النوع درجات في الجودة، فعليه أن يبين يبين ذلك. فمثلا يوجد في بعض الثمار جنس واحد ونوع واحد، لكنه درجات في الجودة، درجات في الجودة يعرفها للخبرة، يميزون بين الجيد من غير الجيد، مثلا قال له: رمان من رمان اليمن، لكن يوجد في رمان اليمن بضاعة جيدة لها أوصاف معينة، وبضاعة وسط لها أوصاف معينة، وبضاعة دون ذلك وهي الرديئة لها أوصاف معينة، إذن لابد أن يبين حتى يخرج من الخلاف، وحتى يعطي الوصف الصحيح الذي يتم به البيع. فالشرط الأول من شروط السلم هو ضبط الصفة، أن يضبط الصفة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم». وهكذا كذلك إن كان له كيل بكيله، وإن كان له وزن فبوزنه، لابد من تحديد الكمية. إن كانت مما يكال فبكيله، مثلا عشر مكاييل، عشرين مكيال. وإن كان مما يوزن فبوزنه، سواء بالجرامات أو بغير ذلك من أنواع الوزن الذي يتعارف وتعامل به الناس. ومن الكيل العدد، كان يقول مثلا: عشرة أكياس من وزن خمسة وأربعين بالنسبة للأرز مثلا، أو من وزن خمسين، أو كذلك إن كان من غيره بحسب ما يتعارف عليه، لابد من ذكر ذلك وتعيين الوصف بما يزول معه أسباب الخصومة. وهكذا الشرط الثاني من شروط السلم، وقد ذكر ذلك ضمنا في هذا المثل على اختصاره ما ذكره -رحمه الله تعالى- من تقديم الثمن، أن يقدم الثمن. قال: فلابد أن يكون رأس المال مدفوعا عند العقد، فإن هذا المعنى يقتضي أن يكون الثمن مدفوع نقدا، يعني يقدم بالثمن ويدفعه. فلا يجوز شراء شيء من أنواع بيوع السلم بما يكون بدين سابق، لا يجوز أن تقول لصاحب مزرعة مثلا، أو لتاجر من تجاري مثلا: التمر أشتري منك عشرة أكياس تمر بالدين الذي لم تسدده لي، أو أسدد لك قيمته من الدين الذي عندك، هذا لا يجوز؛ لأنه شراء دين بدين، ولا يجوز شراء الدين بالدين، فهو يدخل في النهي الذي مر معنا عن بيع الكالئ بالكالئ. ولكن لابد من تقديم النقد فيه، سواء أن كان النقد مال أو كان ما يعاوضه مما له معنى الثمنية، مما له معنى الثمنية، يعني ليس شرط أن يكون مال ذهب أو فضة أو عملة ورقية، بل ممكن أن يكون شيء آخر، لكن يقدم هذا الشيء آخر، مثلا ممكن أن يعطي للصياد إذا اشترى من الصياد مثلا ببيع السلم نوع من السمك مثلا الشروخ، يقول: أريد منك مئة حبة شروخ من النوع الكبير، الوصف كذا وكذا، العدد كذا وكذا، الوزن يتراوح بين كذا وكذا، يبين الصفات ويضبط الشروط، ويقول له: هذه قيمتها مثلا بنزين، يعطيه بنزين وزيت بقيمة هذا الذي اشتراه منه. فهنا قدم له هذا الثمن لهذا الشيء المسلم، ولم يكن مالا، كان سلعا أخرى، وهو جائز، لكنه قدمه نقدا، لا يكون دينا. لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من أسلف فليسلف»، ومن أسلم فليسلم، وهذا استدل به أهل العلم على مسألة نقدية المال الذي يشترى به بيع السلم. وهكذا كذلك من هذه الشروط، وبعضهم يذكرها في هذا الشرط الثاني: أن يكون ذلك بقبض الثمن وعدم تأخيره، يعني تقديم الثمن، وأن يقبض، وأن يقبض هذا الثمن يكون نقدا، ويحصل القبض فيه. وقد أشار بالشرح إلى أن أهل العلم اتفقوا على أنه لا يجوز بيع السلم مع عدم تسليم رأس المال، مع عدم تسليم رأس المال في المجلس. وهذا الشرط دل عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أسلم فليسلم»، وفيه تقديم دفع المال. ولكن هل من شرطه تقديم كل المال؟ أكثر أهل العلم على ذلك. وبعض أهل العلم أجاز أن يكون أكثر المال مقدم، أن يكون أكثر المال مقدم، حتى يحصل به معنى الشراء لهذه السلعة المسلمة. والحديث تدل على هذا المعنى، يعني على الأصل وهو تقديم كل المال. فإن لم يمكن أو حصل التقصير في بعض المال، فإن شاء الله يجزئ. والأحوط والأسلم لا شك أن يسلم كل المال في أول بيع السلم. ويدل على ذلك كذلك حديث عبد الله بن أبي أوفى، وقد أشار إليه بالشرح. وجاء كذلك معناه عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: «كنا نصيب المغانم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت لأجل مسمى». فقوله: «فنسلفهم» معناه: أنهم يقدمونهم المال، ويتأخر استلام السلع المشتراة. المال يقدم لما كان عندهم من مال المغانم، يكون عندهم أموال، وليس عندهم طعام، عندهم أموال وليس عندهم طعام؛ لأن أرض العرب قديما كانت صحراء، ليس فيها زرع. وأرض الشام كانت معروفة بالزرع، فأكثر ما يأخذ العرب في الجزيرة من طعام يأخذونه من جهة أهل اليمن، ومن جهة أهل الشام. ولهذا ذكر الله -عز وجل- عنهم ذلك في ذكر رحلة الشتاء والصيف التي كانت إلى الشام واليمن، يتزود بها أهل الجزيرة بما يأخذونه من أهل الزروع في شمال الجزيرة وفي جنوبها. فالشاهد قولهما: «فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى»، فيه إشارة إلى أنهم يقدمون المال، ويتأخر استلام الحنطة والشعير والزيت إلى ذاك الأجل المسمى. فقيل لهما: أكان لهم زرع أو لم يكن؟ قالا: «ما كنا نسألهم عن ذلك». هكذا جاء في لفظ الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أنهما ما كان، أو ما كانوا جميعا -أي الصحابة- يسألون أهل الشام أو من يتعاملون معهم بالسلم: هل عندكم زرع أو ليس عندكم زرع؟ وهذا ذكر معنى آخر من شروط السلم: أن يكون بيع السلم في الذمة، فلا يصح بيع السلم في الشجرة المعينة أو المزرعة المعينة؛ لأن النبي، نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. فإذا كان بيع لمزرعة معينة، لا يجوز، لشجرة معينة، لا يجوز؛ لأنه لا يجوز بيع شيء قبل بدو صلاحه. لكن إذا كان بيع في الذمة، فهذا يجوز، إنسان معروف بتجارة التمر، أو ببيع السمك، سواء أكان عنده التمر من مزرعته، أو كان يأتي به من أي مكان آخر، فأنت تشتري منه بالذمة، ولا تشتري منه من شجرة معينة أو مزرعة معينة. فلا يجوز أن تقول: أشتري منك عشرين كيسا مثلا من التمر من مزرعتك هذه؛ لأن هذا شراء للتمر قبل بدو صلاحه. لكن يجوز أن تقول: أشتري منك عشرين تمر، مثل تمر مزرعتك، يعني سواء من مزرعتك أو من غير مزرعتك، من مزرعتك أو من غير مزرعتك، فهنا في الثاني صار بيع بالذمة، وهو جائز. وفي الأول بيع لشيء معين، وهو غير جائز؛ لأنه لا يجوز بيع الشيء قبل بدو صلاحه. وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك. ومن هذه الشروط كذلك: أن يكون الأجل معلوما، أن يكون لهذا السلم أجل، مثلا إذا كان الأجل قريب، تقول: اليوم أو غدا، أو في هذا الأسبوع، أو في هذا الشهر. أو كان الأجل بعيد، تقول: في هذا الموسم لهذه السنة، إن كان له موسم، مثلا التمر في الخريف، والعنب في الصيف، وهكذا كل شيء بأجله الذي يتعارف عليه الناس، قريبا كان أو بعيدا، لابد من تحديد هذا الأجل. وذلك لأنه ورد به النص، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إلى أجل معلوم»، في حديث ابن عباس في الصحيحين. أو كذلك إن لم يعين ذلك بالعدد، عينه بالوصف، كأن يقول: في خريف هذا العام، أو في صيف هذا العام، أو في موسم مثلا السمك الفلاني في هذا العام، ونحو ذلك مما تعارف عليه الناس، ويكون أجلا معلوما شرعا وعرفا. وهكذا كذلك من هذه الشروط: أن يسلم هذا المبيع كذلك، بقبض السلعة في أجلها المحدد، أن يقبض السلعة في أجلها المحدد. فمثلا إذا لم تتيسر السلعة، فإنه عليه أن يرد المال، أو يعطيه العوض. وفي هذا خلاف. وهذا ما أشار إليه بقوله -رحمه الله تعالى-: قال: «هو أن يسلم رأس المال في مجلس العقد على أن يعطيه ما يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم، ولا يأخذ إلا ما سماه أو رأس ماله». ومعناه: أنه إذا جاء الأجل ولم تتيسر هذه السلعة، فهنا على ما قال المؤلف -رحمه الله-: «لا يأخذ إلا ما سماه»، مثلا اتفقا على سمك وصف معين، إذن له ذاك السمك، إذا لم يأتي السمك يرد رأس المال. أو كذلك اتفقا على تمر معين بوصفه وشرطه، لم يتيسر هذا التمر، يرد رأس المال. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن يعوضه بشيء آخر. وأشار إلى الخلاف في هذه المسألة في الشرح، فأشار إلى أنه إذا عجز البائع عن تسليم المبيع، أقاله المبتاع، فله ما دفع إليه، يعني: إما أن يعطيه المبيع، وإما أن يعفو، وإما أن يرد له رأس المال. وذكرها هنا أحاديث، وهي أحاديث ضعيفة لم تصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. أولو حديث ابن عمر: «من أسلف شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه». وفي لفظ: «من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف، ما أسلف فيه أو رأس ماله». والحديثان بهذين اللفظين عن ابن عمر لم يصحا. وقد أشار العلامة الألباني -رحمه الله- إلى ضعف اللفظين في الإرواء. وهكذا كذلك جاء لفظ: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، وهو حديث آخر ضعيف. وأشار إليه -رحمه الله- في الشرح: أنه جاء من حديث ابن سعيد، وروي مرفوعا، وفي إسناد عطية بن سعيد العوفي، وفيه مقال، فالحديث لا يصح. فهذه الأحاديث الثلاثة لا تصح، وكلها تفيد المنع من الانتقال عن المسلم إلى المسلم إليه. والصحيح: أنه يجوز إذا حصل التراضي، يجوز، مثلا: أسلم في سمك الشروخ، فلما خرج من البحر ما وجد الشروخ، لكن وجد شيء آخر، وجد حبار، فهل يجوز أن يعطيه الحبار مقابل بدلا من الشروخ بقيمته؟ الجواب: يجوز؛ لأنه الآن ينتقل، لم يجد الشروخ، إذن له كم له مال عند هذا الرجل؟ فيشتري بهذا المال، إذا كان الرجل ليس عنده مال يرده لهذا المشتري، المشتري بهذا المال يعطيه شيء آخر، يعطيه مثلا بدلا من الشروخ الحبار، وهكذا. وكذلك صاحب الزرع لم يتيسر له التمر، فقال له: لم يتيسر لي التمر، هل تريد شيء آخر غير التمر؟ فإذا تراضي على شيء آخر بقيمته، مثلا اشترى التمر بخمسمائة ألف، لم يتيسر التمر، يقول له: سأعطيك بدلا من التمر حبوب قمح، أو أي شيء آخر اتفقا عليه بهذا الثمن الذي اتفقنا عليه، فهذا الصحيح أنه جائز. وأشار في التعليق إلى كلام ابن القيم -رحمه الله- إلى جواز هذه المسألة. وختم -رحمه الله تعالى- هذا الباب بقوله: «ولا يتصرف فيه قبل قبضه». وهذه المسألة الأخيرة من مسائل هذا الباب، أي: لا يجوز التصرف في هذا المسلم، أي: هذه السلع التي اشتراها، لا يجوز للمشتري أن يتصرف في السلع التي اشتراها حتى يقبضها. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، واستدل بعضهم في هذا المعنى بعمومات، وبعضهم بأدلة قريبة للمعنى، ولكنها ضعيفة، منها حديث أبي سعيد المتقدم: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره». فقد فسر بتفسيرين: التفسير الأول فيما يتعلق بالبائع، إذا لم يتيسر له فلا يجوز له أن يصرفه إلى شيء آخر. ومر معنى الكلام على هذه المسألة. وفسر بتفسير آخر: أن الحديث متوجه للمشتري مع سلعته التي اشتراها، ولم يقبضها، فلا يجوز له أن يتصرف فيها حتى يقبضها. وهذه المسألة الحديث لم يصح فيها. ولو قدر أن معنى الحديث صحيح، فإنه يوجه بتوجيه بما يوافق الأدلة الأخرى. والصحيح في هذه المسألة: التفصيل، فيفصل بينما إذا كان تصرف هذا البائع على وجه لا يخالف الشرع، فيجوز لعدم ورود النهي الصحيح الصريح الذي ينهى عن ذلك في بيع السلم. فالأحاديث الواردة في هذا المعنى ضعيفة كما رأينا. وإن كان على وجه ينافي الأدلة الشرعية من أوجه أخرى، فلا يجوز. فمثلا لو أن رجلا اشترى تمرا بيع سلم، ولم يستلم هذا التمر، فباعه بالدين لإنسان آخر بوصفه المعلوم، فهل يجوز؟ الجواب: يجوز؛ لأنه يجوز بيع الشيء قبل رؤيته إذا كان معلوم الوصف، إذا كان معلوم الوصف؛ لأنه من بيع المعلوم. وأما بيع الشيء قبل رؤيته وهو غير معلوم الوصف، فهذا لا يجوز. فإذا بيع المسلم البضاعة التي اشتراها، صاحب شراء هذه البضاعة بالسلم قبل قبضها، يجوز إذا كان لا يحصل معه الغرر. وإذا كان يحصل معه الغرر فلا يجوز. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذ ابن القيم، وجماعة، كما أشار إليه المعلق في الشرح في التعليق. وبهذا القدر ننتهي ونكتفي، والله تعالى أعلم.