شرح الشمائل المحمدية 73

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 73، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل: التطويل بالقراءة والتدبر

يستعرض حديث حذيفة بن اليمان عن صلاة النبي الطويلة في ركعة واحدة قرأ فيها البقرة وآل عمران والنساء والمائدة مع تطويل الركوع والسجود، وحديث عائشة عن قيامه بآية واحدة يرددها حتى الصباح. ويؤكد ابن القيم أن تدبر القرآن وقراءة الآية بتفكر خير من ختمة بلا تدبر، مشيراً إلى أن شأن المسلم في الصلاة هو التدبر لا مجرد الكثرة.

فضل تدبر القرآن في الصلاة وكيفيات صلاة الليل النبوية

يؤكد المقطع أن تدبر آيات القرآن وتكرارها في الصلاة أنفع للقلب والبدن من مجرد القراءة السريعة، مستشهداً بفعل النبي في إطالة القيام بآية واحدة. كما يبين جواز صلاة النافلة جالساً مع القدرة، ووجوب متابعة الإمام وعدم مخالفته في أفعال الصلاة.

أحكام صلاة النافلة قاعداً وقائماً وجمع الأحاديث في صفة صلاة النبي

يبين أن صلاة النافلة قاعداً تنال نصف أجر صلاة القائم للأمة، بينما النبي له الأجر كاملاً في الحالتين لقوله: «لست كهيئتكم». وجمع ابن حجر بين حديثي عائشة وابن شقيق: فحديث القيام والركوع قائماً في حال الشباب والقوة، وحديث الجلوس والركوع جالساً في حال الكبر والمرض قبل الوفاة بعام، مع تأكيد المحافظة على النافلة حتى في حال العجز.

أثر الترتيل في طول القراءة ومثال سورتي الناس والضحى

يوضح أن الترتيل يجعل السورة القصيرة أطول زمنياً من السورة الأطول إذا قرئت بغير ترتيل، مستشهداً بقراءة سورة الناس بالترتيل فتطول على سورة الضحى المقروءة بسرعة. ويختم بالتأكيد على الحرص على الترتيل في القراءة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الماضي في الشمائل الجمعة بين حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث كذلك زيد بن خالد، وحديث ابن عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وآخر حديث في الباب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ركعات. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أنبأنا شعبة، عن عمر بن مرة، عن أبي حمزة، عن رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس. وهنا الرجل لم يُسمَّ في الرواية، وسُمِّي في رواية الطيالسي: الرجل المبهم صلة بن زفر، وهو ثقة. وصله كان أيضًا من أصحاب حذيفة. قال: عن رجل من بني عبس، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، صحابي ابن صحابي. حذيفة بن اليمان، وقتل والده اليمان في غزوة أحد، وقتله المسلمون بالخطأ، ولم يشعروا أنه اليمان فقتلوه بالخطأ. فحذيفة كان يصيح فيهم: «أبي، أبي»، لكنهم مع شدة القتال لم يسمعوه، فقال: «يغفر الله لكم». قال: عن حذيفة بن اليمان، وهو أيضًا صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إذا سر النبي عليه الصلاة والسلام إليه بأسماء المنافقين، وكان عمر يأتي إلى حذيفة فيقول له: «هل أنا منهم؟ هل سماني منهم؟» فانظروا إلى عمر، خوفه، خوف الصحابة من النفاق، فيقول له حذيفة: «لا، أنت لست منهم، ولا أزكي أحدًا بعدك». قال: أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، قال: فلما دخل في الصلاة قال: «الله أكبر، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة». قال: ثم قرأ البقرة، ثم ركع، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم» أي في الركوع. ثم رفع رأسه، وكان قيامه نحوًا من ركوعه، أي وهو واقف، وكان يقول: «لربي الحمد». ثم سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربي الأعلى». ثم رفع رأسه، فكان ما بين السجدتين نحوًا من السجود، أي في الطمأنينة، وكان يقول: «ربي اغفر لي» أي بين السجدتين. قال: حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة. قال شعبة: هو الذي شك في المائدة والأنعام. والحديث هذا حديث صحيح، حوّله الباني رحمه الله تعالى كما في تحقيقه للشمائل، وهو أيضًا في صحيح الإمام مسلم، وليس فيه ذكر ما ذكره حذيفة من أنه قال عندما كبر: «الله أكبر، ذو الملكوت والكبرياء والعظمة»، ولكن فيه أنه قرأ البقرة وآل عمران والنساء. وفي هذا من الفضائل للصحابة رضي الله عنهم: شرف الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحرص كذلك للصلاة معه عليه الصلاة والسلام، وتطويل الصلاة. فكان يطول الصلاة، فقرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة. وذكر هنا في الترمذي أنه قرأ معها أيضًا المائدة. يقول الحافظ: وهذا إنما يتأتى في نحو من ساعتين، يعني في نحو من ساعتين التطويل. فلعله أحيانًا أحيى تلك الليلة كلها. وأما ما يقتضيه حاله في غير هذه الليلة، فإن في أخبار عائشة أنه كان يقوم قدر ثلث الليل، وفيها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، فيقتضي ذلك تطويل الصلاة، والله أعلم. يعني هذا يحمل على بعض الأحوال: أنه عليه الصلاة والسلام تارة يطول الصلاة، وتارة يخفف الصلاة، وهذا على تعب، أو يحمل على الكبر، أو يحمل على المرض، أو ضيق الوقت. فالمسلم إذا صلى على حسب نشاطه، يقوم فيطول القراءة إذا كان نشيطًا والوقت متسع، وهكذا. قال الترمذي رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن نافع البصري، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المتوكل، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة، ليلة. يعني أنه عليه الصلاة والسلام قام في ليلة من الليالي وقرأ آية واحدة يرددها في صلاته، يعني يرددها في الركعة الأولى ويرددها في الركعة الثانية، وهكذا كل الليلة. قام بركعة أو في آية واحدة. والحديث صحيح، صحيح الألباني رحمه الله تعالى. وقد جاء له شاهد من حديث أبي ذر في ذكر الآية التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام، فيما رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال ابن القيم رحمه الله: «فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها. فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها، ولو مئة مرة، ولو ليلة. فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغيره». قال: «وتفهم» يعني بغير تدبر وتفهم. وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح. انتهى كلامه من مفتاح دار السعادة. يعني المسلم ليس الشأن أن يكثر في القراءة، ولكن الشأن أن يقرأ بتدبر وتفهم، حتى لو سورة، لو قام بسورة من السور احتاج إليها في شفاء قلبه، احتاج إليها في مرضه، فلا بأس أن يردد السورة في كل الركعات، في كل الصلاة، حتى ولو إلى الصبح. فالنبي عليه الصلاة والسلام قام بآية واحدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، كأن فيها دعاء وترجي من الله سبحانه وتعالى، فيقوم ويستشعر هذه الآية. وهكذا المسلم إذا احتاج لآية من القرآن أن يقوم بها في صلاته، فيكررها ويتدبرها ويتأملها، هذا خير من أن يقوم بختمة كما قال ابن القيم لا يتدبر ولا يتفكر، وإنما مجرد مجرد قراءة. فما هو الذي أنفع للقلب؟ الذي أنفع للقلب هو أن يتدبر ويتمعن في آيات الله عز وجل، ويتخير الآيات التي فيها صلاح القلوب وشفاء القلوب والأبدان من الأمراض. فنحن محتاجون لا شك إلى كلام الله سبحانه وتعالى في دواء قلوبنا وشفاء قلوبنا، وكذلك صحة أبداننا. فليس هناك أنفع للقلب خاصة، وللبدن كذلك عامة، من قراءة القرآن بالتدبر. فتصح القلوب بكلام الله سبحانه وتعالى، لأن له تأثيرًا عجيبًا وعظيمًا على الحواس، تأثيرًا كبيرًا على الحواس. فأنت في يومك وليلتك تكون مشغول القلب بأمور الدنيا، وأمور الأسرة، وشغل نفسك، وهكذا. فتحتاج إلى كلام الله سبحانه وتعالى في مداواة هذا القلب والتفرغ له. وأيضًا ربما تصاب بشيء من العين أو غيره، فتداوي نفسك برقية القرآن. فلا بأس أنك إذا حسست شيء في نفسك تضايقت منه خلال يومك وليلتك، أحسست بشيء أن أمورك تعسرت، فلا بأس أنك تقرأ آيات فيها تفريج الكربة وتفريج الهم، وآيات السحر، آيات العين، وهكذا. تتدبرها أو سورًا كاملة تقرأها بالتمعن وتتلوها وتتفكر فيها وفي معانيها وتخشع معها، فذلك أنفع للقلب من أنك تقوم وتقرأ مجرد قراءة. ولا شك أن الصلاة صحيحة بهذا وهذا، لكن الشأن في التدبر والتفهم. نبينا عليه الصلاة والسلام قام ليلة بآية من القرآن، كما ذكر في حديث أبي ذر رضي الله عنه. قال الترمذي: وحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، هو شقيق بن عبد الله، قال: عن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله وهو ابن مسعود، قال: صليت ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث هذا رواه البخاري ومسلم، اتفق عليه. فيه صلاة الصحابة مع النبي عليه الصلاة والسلام. ففي الحديث المتقدم حذيفة، وقبله ابن عباس، صلى ابن عباس مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة الليل، وصلى كذلك حذيفة مع النبي صلى الله صلاة الليل، يعني في جماعة. فتصلى صلاة الليل في جماعة في رمضان وفي غير رمضان يجوز، لأن هذا ليس في رمضان. وأيضًا صلى جابر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا أنس صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا صلى عبد الله بن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم. جماعة من الصحابة صلوا معه صلاة الليل، فأحيانًا يأتون ويصلون معه عليه الصلاة والسلام. ففي ليلة من الليالي صلى ابن مسعود، ودخل مع النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، فأطال القيام، أطال القيام، وكانت عادته عليه الصلاة والسلام إطالة الصلاة. قال: حتى هممت بأمر سوء. ما هو الأمر السوء الذي عده ابن مسعود؟ أن يجلس ويدع النبي عليه الصلاة والسلام قائمًا، فهذا عنده أمر سوء. مخالفة الإمام أمر سوء، لا يجوز للمأموم أن يخالف إمامه إلا من عذر. فلا يجلس والإمام واقف، لا يجلس المأموم والإمام واقف إلا إذا كان مريضًا أو لا يستطيع القيام، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فلا يخالفه في ركوعه، ولا سجوده، ولا قيامه، لأن هذا أمر سوء كما قال ابن مسعود. عليه الصلاة والسلام يقول الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دليل على اختيار النبي صلى الله عليه وسلم تطويل صلاة الليل. وقد كان ابن مسعود قويًا، يعني ليس ضعيفًا، ابن مسعود كان شابًا قويًا محافظًا على الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن من شدة القيام ما تحمل. يعني أطال عليه الصلاة والسلام القيام. في حديث عائشة المتقدم، وحديث المغيرة بن شعبة في الباب، أنه كان يقوم حتى تتفطر قدمه، أي تتورم، وأيضًا تتشقق من طول القيام. وهذا ربما لا يستطيعه أحد، حتى الصحابة الأقوياء، ما استطاعوا أن يقوموا مع النبي عليه الصلاة والسلام ذلك القيام الطويل، حتى تتفطر قدمه عليه الصلاة والسلام. قال: وما هم بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده، يعني هذا لم يعتده ابن مسعود، القيام الطويل. قاله في الحديث: أن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيئ. هذا من فوائد الحديث: احذر أن تخالف الإمام، فلا تركع قبله، ولا ترفع قبله، ولا تسجد قبله، ولا تسلم كذلك قبله. فينبغي أن تقتدي بالإمام وتتبع الإمام في الصلاة، فتكون بعده: بعدما يركع تركع، بعدما يرفع ترفع، بعدما يسجد تسجد، وهكذا. إذا سلم وانتهى من السلام سلمت بعده. فمتابعة الإمام هي الواجب في الصلاة، ومخالفة الإمام معدودة في الأمر السيئ، والعياذ بالله، وقد تبطل صلاتك عند مسابقتك للإمام. قال الترمذي: وحدثنا إسحاق بن منصور الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن، قال: عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسًا، فيقرأ وهو جالس، يصلي وهو جالس من بداية الصلاة، يكبر وهو جالس، فيقرأ وهو جالس. هذا في صلاة ماذا؟ في صلاة الليل، في صلاة الليل. قال: فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ، يعني يسيرًا وهو قائم، ثم ركع وسجد، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك. والحديث متفق عليه أيضًا، وقد صححه بهذا الإسناد الألباني كما في تحقيقه للشمائل. في هذا الحديث أنه يجوز للمصلي صلاة النافلة أن يصلي وهو جالس ابتداء، يصلي ولو كان قادرًا. لكن الفريضة لا، الفريضة يجب عليك أن تقوم، الفريضة القيام ركن من أركان الصلاة، فتقوم أنت صحيح، إلا إذا كنت ماذا؟ مريضًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمران بن الحصين، لما قال: كانت بي بواسير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صل قائمًا إن استطعت، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك». ولكن صلاة الليل تختلف، ففي الأجر تكون على النصف من صلاة القائم. فإذا صليت في صلاة الليل وأنت جالس، فتكون صلاتك في الأجر على النصف من صلاتك وأنت قائم. فهذه كيفية: أنك إذا صليت جالسًا ثم أردت أن تركع، فماذا تفعل؟ تقوم وتركع وأنت واقف، يعني تقرأ يسيرًا ثم تركع، ثم تسجد، ثم تفعل في الركعة الثانية ما فعلته في الركعة الأولى. هذه كيفية وصفة من صلاة الليل. قال: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة في صلاة الليل عن صلاة رسول الله. قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه، فقالت: كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا. فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس. طبعًا هذا الحديث يخالفه، والحديث الأول. ففي الحديث الأول ابتداءً صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع وقف ثم ركع. وهذا يخالفه من حيث أنه كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا فيركع وهو قائم، وهكذا يسجد، ثم يقوم، أو ليلًا طويلًا جالسًا فيجعل الركوع كذلك بالإيمان وهو جالس، فيركع وهو جالس، ما يقوم. والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى جمع بين الحديثين. حديث عبد الله بن شقيق هذا الذي روى عن عائشة، وهناك رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن هناك في البخاري، هذه ليست في البخاري الثانية، إنما رواها مسلم. فيقول: وقد روى مسلم من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة في صفة تطوعه صلى الله عليه وسلم: «وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد». وهذا محمول على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن، جمعًا بين الحديثين. جمعًا بين الحديثين، إذن الحديث الثاني محمول على ماذا؟ محمول على أنه كبر في السن، كبر في السن، فكان يصلي ليلًا طويلًا قاعدًا لأنه ثقل عليه الصلاة والسلام. فإذا كان عندك عذر من مرض أو كبر سن، فإنه لا بأس أن تصلي وأنت جالس، وتركع وأنت جالس، وكذلك تسجد وأنت جالس، يعني تجعلها كلها في ماذا؟ في الجلوس، ما تقوم أبدًا. ولك إذا استطعت أن تصلي وأنت واقف. وأما الحالة الأولى فهي بالاختلاف، يعني ليس عن كبر السن، ولا عن كذلك مرض أو تعب شديد، وإنما هذا يجوز أنه يصلي وهو جالس، لكنه حال الركوع يقوم، حال الركوع يقوم، لأنه ليس به علة، ليس به مرض أو علة أو ثقل، فيركع وهو بعد ذلك يقوم، فيركع وهو واقف. هذا جمعًا بين الحديثين. وأما ما ذكرنا من أن صلاة الرجل على النصف من صلاته، يعني قائما، على النصف من صلاته، صلاته جالسًا على النصف من صلاته قائمًا، فهذا في حق الأمة، وليس في حق النبي صلى الله عليه وسلم. يعني في الأجر: أنت لما تصلي جالسًا لك أجر نصف من صلاتك واقفًا. وأما النبي عليه الصلاة والسلام فأجره كاملًا، هذا مستثنى منه النبي عليه الصلاة والسلام، فأجره كاملًا، صلى قائمًا أو صلى جالسًا عليه الصلاة والسلام، وهو الذي استثنى ذلك صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه قال: حدثت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاة القائمة». قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوجدته يصلي جالسًا، فلما فرغ من صلاته وضعت يدي على رأسه، فقال: «ما لك يا عبد الله بن عمرو؟» فقال: قلت: يا رسول الله، حدثت أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاة القائمة. قال: «أجل، ولكني لست كهيئتكم»، فهو، أو قال: «لست كأحد منكم». فهو عليه الصلاة والسلام كتب الله له أجره كاملًا. وأنت في صلاة الليل تحرص على القيام، تحرص على أن تصلي قائمًا، وإن جلست فأنت على النصف من الأجر من صلاتك لو صليتها قائمًا. وقال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن حفصة، وهي ابنة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سبحته، والمراد بالسبحة النافلة، يسمى السبحة فيها التسبيح، قال: في سبحته قاعدًا حتى كان قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بعام، فإنه كان يصلي في سبحته قاعدًا، ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. والحديث أيضًا رواه الإمام مسلم، وصححه بهذا الإسناد الألباني رحمه الله في تحقيقه للشمائل. في هذا تذكر حفصة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي صلاة النافلة قائمًا، هذا الأصل، إلا لما ثقل عليه الصلاة والسلام في آخر حياته وقبل وفاته، فإنه كان يصلي جالسًا، يصلي السبحة جالسًا. وهكذا الرجل إذا كبر في السن لا يضيع الصلاة ولا يترك الصلاة، يعني صلاة النافلة، يحافظ عليها حتى ومع كبر السن يصلي وهو جالس. فقد صلى أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام وهو جالس، ما ترك الصلاة النافلة حتى توفي عليه الصلاة والسلام. ويقرأ بالسورة ويرتلها، يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. مثلاً لو قرأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فعند الترتيل تصير ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أطول من ﴿وَالضُّحَى﴾، يعني بالترتيل، لأنه يقرأها بتمهل، يقرأها بترتيل، فتكون السورة القصيرة أطول من التي أطول منها إذا قرأها بدون ترتيل. فلو قرأ الضحى بدون ترتيل ستكون الناس أطول من الضحى بلا شك، لأنه مثلاً قرأها بالترتيل، وهكذا. فتكون السورة القصيرة أطول من التي أطول منها لو لم يقرأها بالترتيل، بخلاف لو قرأها بالترتيل، فلا شك الناس ستكون طويلة. فيحرص على الترتيل في القراءة. إلى هنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.