الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 11، الدرس الحادي عشر:من( ما تقتضيه صيغة النهي ... اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي التحريم والفساد، واستدل المؤلف بآيات وأحاديث على ذلك. المذهب الحنبلي يفرق بين النهي العائد لذات المنهي عنه أو شرطه فيكون باطلا، والنهي العائد لأمر خارج فيكون صحيحا.
المقطع يشرح أمثلة على النهي العائد إلى ذات العبادة أو المعاملة أو شرطها أو أمر خارج. يوضح أن النهي إذا عاد إلى ذات العبادة أو شرطها بطلت، وإذا عاد لأمر خارج كانت العبادة صحيحة مع الإثم.
يناقش المقطع معاني النهي في الشريعة، حيث يعود النهي لأمر خارج عن العبادة أو المعاملة، وقد يكون للتحريم أو الكراهة أو الإرشاد. يقدم أمثلة من الأحاديث النبوية على ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: ما تقتضيه صيغة النهي. قال: صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده، يعني إذا أطلقت صيغة النهي فإنها تقتضي تحريم المنهي عنه وتقتضي فساده. قال: فمن الأدلة على أنها تقتضي التحريم قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي وجوب الانتهاء، ومن لازم ذلك تحريم الفعل، من لازم التحريم أو الانتهاء تحريم الفعل، يعني عدم فعله لهذا المنهي عنه، ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وتركوه وانتهوا عنه، ولم يقل هنا: تقتضي الفور كما قال في الأمر. لماذا؟ لأن النهي أصلا لا يمكن ماذا؟ لا يمكن فعله أو تركه إلا بذلك، ما يمكن إلا بالابتعاد منه وعدم كذلك التباس به. قال: ومن أدلة على أنه يقتضي الفساد قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، حديث عائشة في رواية مسلم، أي: مردود، وما نهى عنه فليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون مردودا، فدل هذا الحديث على أن ما عمله المرء مما نهى عنه الشرع فهو مردود غير مقبول منه، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، يعني: ليس مما أمر به شرعنا وديننا فهو مردود، كيف إذا كان مما نهى عنه الشرع فإنه كذلك أولى بالرد. قال: وهذا وقاعدة المذهب -يعني المذهب الحنبلي مذهب المؤلف- وإذا قال صاحب الكتاب: المذهب، أو قال: أصحابنا، يعني: أصحاب مذهبي. قال: في المنهي عنه هل يكون باطلا أو صحيحا مع التحريم؟ كما يلي: أولا: أن يكون النهي عائدا إلى ذات المنهي عنه أو شرطه، فيكون باطلا. وثانيا: أن يكون النهي عائدا إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه، فلا يكون باطلا. وهذه القاعدة صحيحة، وبها تجتمع الأدلة التي وردت في الشرع من نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء مع إثبات صحتها، مع قول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، مثل: مثلا بيع المصرى من البهائم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المصرى، ومع ذلك أثبت لصاحبها الخيار، وهكذا تلقي الركبان، وهكذا أيضا النجش، طلاق الحائض، ونحو ذلك. فيجمع بينها بهذه القاعدة: أن النهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو شرطه دل ماذا؟ على الفساد والبطلان، وإذا عاد إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه فلا يكون باطلا، لكن كما قلنا قد يقع الخلاف في الأمثلة. قال: مثال العائد إلى ذات المنهي عنه في العبادة: أن نهي عن صوم يوم العيدين، نهى عن صيام يوم الفطر، يوم الأضحى، كما جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه، فإذا صام إنسان يوم العيدين فإن صومه لا يصح ولا يقبل منه، لأن هذا النهي عائد إلى ذات المنهي عنه، فلا يجوز صيام يوم العيدين، ولو كان الصيام عليه واجب، مثل: مثلا صيام الكفارة، من عليه صيام شهرين متتابعين، فإنه يجب عليه أن يفطر أيام العيد، ولا يجوز له الصيام، فمن صام تطوعا فإنه لا يقبل منه، أو نذر أن يصوم يوم الاثنين مثلا صادف يوم العيد، فإنه كذلك لا يجوز صيامه. وكذلك أيضا مثله الصلاة إلى القبر، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، فمن فعل ذلك فصلاته باطلة لأنه يعود إلى ذات العبادة. قالوا: مثال العائد إلى ذاته في المعاملة: أنهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة، وقد مر معنا التنبيه على مسألة الجمعة، وأننا صححنا أنه نداء واحد، وقوله: «ممن تلزمه الجمعة»، يعني: ممن يجب عليه صلاة الجمعة، هو المسلم البالغ العاقل القادر المقيم، فيخرج بذلك من لا تلزمه الجمعة، فيجوز له ماذا؟ البيع بعد النداء نداء الجمعة، كالمرأة مثلا أو الصبي. طيب إذا وقع البيع بعد النداء للجمعة هل يصح هذا البيع؟ يقول رحمه الله: أنه لا يصح لأنه عائد إلى ذات المعاملة. وقال بعض العلم: يصح مع الإثم، وهذا أصح: أنه يصح مع الإثم، لأن النهي هنا عن البيع بعد نداء الجمعة لا لذات البيع، ولكن الأمر خارج وهو عدم الاشتغال بالجمعة، عدم الاشتغال عن الجمعة، وإلا في الأصل البيع حلال، فيصح مع الإثم. لكن لو قال مثلا: بيع الربا، بيع الربا إذا وقع البيع وفيه ربا فإنه باطل لنهي النبي والشرع عن الربا. قالوا: مثال العائد إلى شرطه في العبادة: أنهي عن لبس الرجل ثوب الحرير، فستر العورة شرط لصحة الصلاة، فإذا سترها بثوب منهي عنه لم تصح الصلاة لعود النهي إلى شرطها. وهذا على القول بأن ستر العورة شرط، وإلا فالأدلة على الصحيح قد دلت أن ستر العورة واجب من الواجبات، ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، حديث عمار المسلم حين كان يصلي بقومه تنكشف عورته، ومع ذلك صلاته صحيحة، ولم يمر بعده الصلاة، وكل ما ورد في النهي عن ستر العورة فهو واجب يدل على الوجوب فقط، لا يدل على الشرطية. فعلى هذا فالصحيح: أن من لبس ثوب حرير فستر به عورته أن صلاته صحيحة مع الإثم، صلاته صحيحة مع الإثم، وهنا لا يعود النهي إلى شرط العبادة كما قلنا لأن سترها واجب وليس بشرط، وكذلك أيضا لأنه قد أتى بهذه الصلاة بما يلزم، يعني: من شروط وأركان واجبات ونحو ذلك، الصلاة صحيحة، لكنه آثم بلبسه للحرير، آثم بلبسه للحرير. لكن مثلاً لو صلى بغير طهارة فهنا صلاته باطلة لأنه صلى وترك شرط من شروط الصلاة وهو الطهارة، فلتصح صلاته. قالوا: مثال العائد إلى شرطه في المعاملة: النهي عن بيع الحمل، فالعلم بالمبيع شرط لصحة البيع، فإذا باع الحمل لم يصح البيع لعود النهي إلى شرطه. يقول: هنا مثال العائد إلى شرطه في المعاملة: أنهي عن بيع الحمل، لأن مشروط البيع العلم بالمبيع، أن يكون هذا الشيء المبيع معلوما، وبيع الحمل يعني: ما في بطن البهيمة مجهول، لا يعلم هل هو ذكر أو أنثى، هل هو واحد أو اثنان، هل يعيش أو لا يعيش، هو مجهول، فلا يجوز بيعه، فإذا تم البيع على ذلك فالبيع لا يصح لعود النهي إلى شرط المبيع، وهو أن يكون معلوما، وهذا البيع مجهول. قالوا: مثال النهي العائد إلى أمر خارج في العبادة: النهي عن لبس الرجل عمامة الحرير، فلو صلى وعليه عمامة حرير لم تبطل صلاته، لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة ولا شرطها، وهذا واضح، هنا الآن النهي عائد إلى أمر خارج عن العبادة، يصلي وهو لابس أو متعمم بعمامة حرير، أو متختم مثلا بخاتم ذهب، هو آثم الآن لما ذا لبسه لهذا الحرير أو هذا الذهب، لكن صلاته صحيحة، لأن هذا النهي لا يعود إلى ذات العبادة ولا شرطها، فهو آثم مع صحة الصلاة. قالوا: مثال العائد إلى أمر خارج في المعاملة: النهي عن الغش، فلو باع شيئا مع الغش لم يبطل البيع، لأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا شرطه، هذا الآن عود النهي في المعاملة إلى أمر خارج، النهي عن الغش، لا يجوز ماذا؟ الغش في البيع والشراء، «من غشنا فليس منا»، فلو غش ووقع البيع فإن البيع صحيح مع الإثم، ياثم هذا البائع على الغش والبيع صحيح، باع مسجلا مثلا وهو خربان أو فيه عيب أو عطل، ما بينه، تم البيع، فالبيع صحيح وهو آثم على عدم تبيينه، أو باع بهيمة مثلا مصرها -مصرها: حبسها- أحد أيام حتى تراكم فيها اللبن، ثم قد جهل السوق وغش المشتري ووقع البيع، البيع صحيح وهو آثم على ذلك، وهكذا في سائر البيوع. قال: وقد يخرج النهي عن التحريم إلى معاني أخرى لدليل يقضي ذلك، فمنها الكراهة، يعني: يخرج الأصل في النهي أنه للتحريم، هذا الأصل، الأصل في كل نهي أنه للتحريم إلا إذا دلت قرينة ودليل على أن المراد به غير النهي، يعني: غير التحريم. قال: منها من هذه المعاني قال: الكراهة، يعني: أن يراد بالنهي كراهة للتحريم. قال: ومثلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمين وهو يبول»، فقد قال الجمهور: إن النهي هنا للكراهة، لأن الذكر بضعة من الإنسان، والحكمة من النهي تنزيه اليمين، هكذا قال الجمهور: أن النهي هنا عن مس الذكر باليمين حال البول هو للتنزيه للكراهة دون التحريم. قالوا: لأن الذكر بضعة من الإنسان، يعني: هو جزء منه، والحكمة من ذلك من هذا النهي تنزيه اليمين فقط. والمؤلف رحمه الله كما ترون قال: ومثلوا، وكأنه ماذا؟ لا يوافق على ما ذكروا من هذا المثال على أنه للكراهة، لكن ذكره لكونهم يذكرون مثلا هذا الحديث في مثال كراهة. ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي هنا للتحريم، وهو قول الظاهريه، لأنه هو الأصل، لكن يؤتى مثلا بمثال آخر، مثل: مثلا النهي عن الشرب قائما، النهي عن الشرب قائما كما في حديث أنس في الصحيحين، وحديث خولة، أو حديث لهذا في جواز الشرب قائما، وجاءت أحاديث في نهي المسلم عن الشرب قائما، وجاءت أحاديث في جواز الشرب قائما، كحديث علي رضي الله تعالى عنه: أن النهي المسلم شربه قائما، وحديث أيضا حديث كبشة بن ثابت عند الترمذي: أنه شربه قائما، وغير ذلك من الأحاديث، هنا يحمل النهي على الكراهة، النهي عن الشرب قائما يحمل على الكراهة، فيكون المراد به التنزيه دون التحريم. قال: وكذلك من معاني الإرشاد، مثل قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، طيب حديث معاذ عند الترمذي وغيره هو صحيح، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدعن»، هذا النهي للإرشاد، ليس للتحريم، يعني: يحرم عليك أن تدع هذا الذكر، لكن المراد به ماذا؟ إرشاده. قال: قبل ذلك: «إني أحبك فأوصيك ألا تدعن أن تقول دبر كل صلاة»، فدل ذلك على أن المراد به إرشاده بهذا الدعاء، فيكون النهي هنا لإرشاد لا للتحريم. ومثل مثلا النهي عن أن ينام الرجل مكشوفا، هو كذلك للإرشاد، وما كان بمعنى...