الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 10، الدرس العاشر:من( ما لا يتم المأمور إلا به ... أو يترتب على فعله عقاب أو نحو ذلك ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تنص القاعدة على أن ما يتوقف عليه فعل المأمور به يأخذ حكم المأمور به، ووسائل المأمورات مأمور بها. الوسائل لها أحكام المقاصد.
يُناقش شرعية الوسائل لتحقيق الواجبات، وأن الأصل في الوسائل هو التحريم ما لم يكن هناك دليل على جوازها. يُفرق بين ما لا يتم الواجب إلا به وهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به وهو ليس بواجب.
النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، ويمكن أن يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي. إذا ترتب على فعل معين عقاب، دل ذلك على تحريمه، كما ورد في أحاديث نبوية حول زيارة الكاهن أو العراف.
قال المؤلف رحمه الله: قال: ما لا يتم المأمور إلا به، قال: يتوقف فعل المأمور به على شيء، كان ذلك الشيء مأمورا به، فإن كان المأمور به واجبا، كان ذلك الشيء واجبا، وإن كان المأمور به مندوبا، كان ذلك الشيء مندوبا. مثال الواجب: ستر العورة، فإذا توقف على شراء ثوب، كان ذلك الشراء واجبا. ومثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب، كان ذلك الشراء مندوبا. قال: وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها، وهي: الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها. يقول رحمه الله: إذا توقف فعل المأمور به على شيء، كان ذلك الشيء مأمورا به، يتوقف فعل المأمور على قول أو فعل مثلا، فيكون هذا الشيء مأمورا به، فإن كان المأمور به واجبا، كان ذلك الشيء واجبا، وإن كان المأمور به مندوبا، كان ذلك الشيء مندوبا. قال: مثال الواجب ستر العورة، وهي - طبعا - ما يعبر عنها العلماء بقاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: ستر العورة إذا توقف على شراء ثوب، كان ذلك الشراء واجبا. إنسان يريد أن يستر عورته، ليس معه ثوب، لكن عنده مال يستطيع أن يشتري به، فنقول له: شراءك هذا الثوب لستر العورة يعتبر ماذا؟ يعتبر واجبا؛ لأن ستر العورة لا يمكن ولا يتم إلا بشراء الثوب، وما لا يتم الشيء - أي الواجب الذي هو ستر العورة - إلا به - يعني بالشراء - فهو واجب، فيكون شراء الثوب واجبا. معنا الأصل أن شراء ثوب مستحب أو مباح، لا صنعه مباح، لكن لما توقف به شراء الثوب على أمر واجب، صار الشراء واجبا. قال: ومثال المندوب التطيب للجمعة، إذا توقف على شراء طيب، كان ذلك الشراء مندوبا. التطيب حث عليه الشرع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من طيب بيته». يعني يوم الجمعة، طيب ما عنده طيب، لكن يستطيع أن يشتري طيبا حتى يطيب يوم الجمعة، فما حكم شراء هذا الطيب؟ نقول: هذا الشراء مستحب؛ لأن تطيبه لا يمكن إلا بشراء الطيب، فيكون الشراء مستحب، ما لا يتم المسنون أو المستحب إلا به فهو مستحب أو مندوب. وهكذا قل في سائر الوسائل، الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المأمور أو المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها. فمثلا شراء الماء إذا أراد شخص أن يتوضأ، وما عنده ماء، لكن يستطيع أن يشتري ماء، فنقول: شراءك للماء ماذا؟ واجب؛ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. طيب، كذلك أيضا الوسائل المنهيات، ما كان وسيلة للحرام فهو حرام، ما كان وسيلة للحرام فهو حرام. إنسان أراد أن يشتري عنبا حتى يجعله خمرا، فشراؤه لهذا العنب ماذا؟ حرام؛ لأنه سيؤدي إلى محرم، فيأخذ هذه الوسيلة حكم المقصد، فتكون حراما. شراء السلاح لقتل الإنسان حرام؛ لأنه وسيلة إلى الحرام، فيأخذ حكمه. هكذا في سائر الوسائل، فالوسائل لها أحكام المقاصد. ولهذا فوسائل المنهيات عليها أدلة كثيرة، ومنها ما دلت عليها أدلة الشرع في سد الذرائع. وفي سد الذرائع ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله قرابة مئة دليل من الكتاب والسنة على هذه القاعدة في كتاب «إعلام الموقعين»، تحريم الخلوة، والسفر للمرأة بلا محرم، والدخول على النساء، إلى آخر ذلك، أدلة كثيرة جدا في دلالتها على هذه القاعدة. هذا الآن القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهذه القاعدة لابد أن تقيد بقيود، منها: أن تكون هذه الوسيلة مشروعة، أن تكون هذه الوسيلة مشروعة، أما إن كانت محرمة فلا يجوز فعل هذه الوسيلة والتوصل بها إلى هذا الواجب. مثلا تحكيم الشريعة واجب من الواجبات، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فيقولون: نحن ما نستطيع أن نحكم بما أنزل الله إلا عن طريق الدخول في البرلمانات والانتخابات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذن فدخولنا ماذا في البرلمانات والانتخابات واجب؟ فالجواب: أن هذا الأمر محرم لأدلة الكتاب والسنة التي تدعو إلى التحريم، وإذا كان محرما فلا يجوز فعله، لا بد أن تكون الوسيلة شرعية، لا بد أن تكون الوسيلة شرعية، ما تكون ماذا؟ ما تكون محرمة. ونقول: الغاية تبرر الوسيلة، هذا كذلك ليس بصحيح، وهذه قاعدة كما يقال يهودية، معناها: إذا كانت الغاية حسنة فإنها تبرر الوسيلة، أي لك أن تتوصل إليها بأي وسيلة ولو كان بمحرم، وهذا باطل، فلا بد حينئذ أن تكون ماذا؟ أن تكون الوسيلة مشروعة، لا تكون ماذا؟ فيها مخالفة للشرع. والأمر الثاني: لا بد كذلك أيضا أن تكون هذه الوسيلة متحققة الوقوع، ما تكون ماذا؟ عبارة عن أمر وهمي، فإن كان كذلك فإنها لا تشرع، لا يشرع فعلها، أن تكون متحققة الوقوع، أن يكون تحصيلها متحققا، ليس وهمي. مثال ممكن نمثل بنفس المثال الأول: الوصول مثلا إلى الحكم عن طريق الانتخابات وغيرها أمر وهمي، ليس بحقيق، ليس متحققا، لو قلنا مثلا بجوازها فهي أمر ليس متحققا، بل أمر ماذا؟ وهمي، لا يمكن الوصول للحكم بهذه الطريقة، إذا فلا يجوز فعلها. الأصل في الوسائل التحريم، الأصل فيها التحريم، لكن المكان يختلف، في العراق إذا أخذوا خلاص رواكب، فتحل، يختلف الحكم بعد ذلك بحسب الاجتهاد، لكن كأصل الأصل التحريم، أنه لا يجوز، ثم بعد ذلك يرجع إلى اجتهاد العالم ونظر في مصالح المفسدة. ثم أيضا كذلك قد يضاف إلى ذلك: إذا كان أمر يعني تحقيق هذا الواجب في أمر متعلق بالأمة، فيكون المقدر له هم العلماء، يكون المقدر لهذه الوسيلة والمقوم لها هم أهل العلم. هذا الآن فيما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، الوجوب يعني ما لا يتم الأحكام المتعلقة بأسباب أو شروط إلا بإيجاد هذه الأسباب والشروط، فليس بواجب. هذا معنى ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، مثلا الحج متعلق بالاستطاعة، متعلق بالاستطاعة، فلا يجب إلا على المستطيع، فهل يجب على الإنسان أن يعني أن يسعى في إيجاد الاستطاعة، يعني يسعى مثلا في جمع المال حتى يصير مستطيعا؟ هل يجب عليه ذلك؟ الجواب: لا، ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، يعني ما لا يتم الاستطاعة التي هي شرط الوجوب إلا به - يعني بجمع المال مثلا والعمل - فليس بواجب، فليس بواجب، عدم الدليل على الوجوب. فلا يجب على الإنسان إيجاد ماذا؟ الأسباب والشروط، مثل مثلا زكاة المال، المال لا تجب إلا إذا كان ماذا؟ قد بلغ النصاب وحال عليه الحول، هل يجب على الإنسان إذا كان عنده مال يسير ما يبلغ النصاب، هل يجب عليه أن يجمع المال الذي يبلغ به النصاب حتى يزكيه؟ الجواب: لا، ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. وهكذا يقول في سائر الأحكام المتعلقة بوجود الأسباب والشروط، فما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. قال: أنه تعريفه: أنه قول تضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة، وهي المضارع المقترن بلا الناهية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. وخرج بقولنا: قول الإشارة، فيسمى نهيا وإن أفاد معناه. وخرج بقولنا: طلب الكف، الأمر؛ لأنه طلب الفعل. وخرج بقولنا: على وجه الاستعلاء، الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من النهي بالقرائن. وخرج بقولنا: بصيغة مخصوصة هي المضارع إلى آخره، ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر، مثل: ادع، مثل: دع وترك وكف ونحوها، فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف، لكنها بصيغة الأمر، فتكون أمرا لا نهيا. وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي، مثل: أن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحظر، أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب، أو نحو ذلك. قال رحمه الله: النهي قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة. هذا النهي قول يتضمن طلب الكف، فيشمل الأمر والنهي؛ لأنه الطلب، الطلب يشمل الأمر والنهي. وقوله: الكف، يخرج الأمر؛ لأن المراد هنا أن ينهى عن فعل هذا الشيء على وجه الاستعلاء، كما مر معنا في باب الأمر، يعني أن يكون هذا النهي أعلى وأرفع من المنهي. بصيغة مخصوصة، قال: هي المضارع المقترن بلا الناهية، هذه هي صيغة النهي، لا تأكل، لا تشرب، لا تلعب، لا تمزح، وكذا إلى آخر ذلك، المضارع المقترن بلا الناهية. قال: مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، الشاهد: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾، تتبع فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، فقرن هذا المضارع بلا الناهية، فدل على النهي، النهي عن اتباع أهواء الذين كذبوا بآيات الله سبحانه وتعالى. قال: فخرج بقولنا: قول الإشارة، فلا يسمى نهيا وإن أفاد معناه، الإشارة قد تفيد ماذا؟ معنى النهي، تقول لشخص: هل تريد هذا الطعام؟ فيقبل رأسه، أو هذه الإشارة الآن تفيد تفيد النهي، لكن ليست بقول، فلا تعتبر نهيا. قال: وخرج بقولنا: طلب الكف، الأمر؛ لأنه طلب فعل، هذا واضح. قال: وخرج بقولنا: على وجه الاستعلاء، الالتماس والدعاء، ومر معنا الالتماس هو ماذا؟ أن يكون الأمر من مثله أو مساواة، والدعاء من الأدنى إلى الأعلى، وما قيل في الأمر يقال كذلك في النهي. قال: وخرج بقولنا: بصيغة مخصوصة هي المضارع إلى آخره، ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر، يعني تقييد النهي بهذه الصيغة المخصوصة يخرج ما دل على طلب الكف لكن بصيغة الأمر، لا بصيغة النهي، مثل: دع، تقول لشخص: دع النوم، هذا دع الآن أمر، ليس بنهي؛ لأن صيغة النهي كنا ماذا؟ المضارع المقترن بلا الناهية، لكن هذا أمر تأمره بترك النوم، أو أترك، تقول: أترك مثلا أترك الكسل، هذا أمر. وهكذا أيضا: كف، كف عن هذا الفعل، هذا أمر. قال: ونحوها، يعني مما يدل على طلب الكف بصيغة الأمر. قال: فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف، لكنها بصيغة الأمر، فتكون أمرا لا نهيا. وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي، مثل: أن يوصف الفعل بالتحريم، وصف الفعل بأنه محرم يفيد ماذا؟ يفيد النهي، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، ما تقول هنا؟ ما في نهي: لا تأكل لحم الميتة، التحريم صيغة تدل على ماذا؟ تدل على النهي، فوصف هذه الأشياء بكونها محرمة دل ذلك على أنه منهي عنها؛ لأن الوصف بتحريمه يقتضي النهي، والنهي هو ماذا؟ الله سبحانه نهى عنه، التحريم كذلك أيضا الحظر، أن يوصف الفعل بأنه محظور، كذلك مما يدل على النهي، مثلا تقول: الشيخ لا تسب؛ فإن هذا محظور، أو لا تفعل كذا؛ فهذا الفعل محظور، يعني منهي عنه. أو القبح، كذلك وصف الفعل بأنه قبيح، فيدل على النهي. أو يذم فاعله، يذم فاعل هذا الأمر، فيدل كذلك على النهي، «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء»، هذا ذم للذي يلعن بأنه ليس بمؤمن، ولا يكون المؤمن بذيء ولا لعان، «سباب المسلم فسوق، قتاله كفر». قال: أو يرتب على فعله عقاب، أو نحو ذلك، يعني كذلك إذا ترتب على فعله عقاب، فإن ذلك يكون دالا على النهي عنه، وهذا كثير، مثل مثلا أن يترتب على فعل هذا الشيء عقاب، إذا أبق العبد مثلا لم تقبل له صلاة أربعين يوما، دل ذلك على حرمة ماذا؟ هذا الفعل منه، يعني أن يهرب من سيده وهو يعصيه، فهذا دال على تحريم هذا الفعل. «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، هذا عقاب يدل ماذا؟ على حرمة هذا الفعل.