الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 20، الدرس العشرون:من( الظاهر والمؤول ... والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل ) ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الظاهر هو ما يدل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره، مثل حديث 'توضأوا من لحوم الإبل'. يُعتبر الظاهر واضحا وبينا في اللغة.
العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه، وهو أحوط وأبرأ للذمة. المؤول هو اللفظ الذي يدل على معنى مرجوح لولا القرينة.
التأويل هو حمل اللفظ على المعنى المرجوح، وهو نوعان: صحيح مقبول إذا دل عليه دليل، وفاسد مردود إذا لم يكن عليه دليل.
يكتفى بالدليل الظاهر في إثبات العمل به، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بحقيقة الأمور.
قال المؤلف رحمه الله: الظاهر والمؤول. قال: تعريف الظاهر: الظاهر لغة: الواضح والبين، واصطلاحًا: ما دل بنفسه على معنى الراجح مع احتمال غيره. مثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: «توضأوا من لحوم الإبل»، فإن الظاهر من مراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية، دون الوضوء الذي هو النظافة. فخرج بقولنا: «ما دل بنفسه على معنى» المجمل؛ لأنه لا يدل على المعنى بنفسه. وخرج بقولنا: «راجح» المؤول؛ لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة. وخرج بقولنا: «ما احتمال غيره» النص الصريح؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا. يقول رحمه الله: الظاهر لغة: الواضح والبين. وهذه الأبواب تذكر لبيان أن ألفاظ الأدلة أو نصوص الشرع إما أن تكون مجملة، وإما أن تكون ظاهرة، وإما أن تكون نصوصًا لا تحتمل إلا معنى واحدًا. فكان من المناسب التعرف على معنى المجمل وما يحصل به البيان، وكذلك أيضًا على الظاهر وما يقابله وهو المؤول. فالظاهر لغة: الواضح والبين، هذا أمر ظاهر يعني واضح بين. واصطلاحًا: ما دل بنفسه على معنى الراجح مع احتمال غيره. هذا تعريف الظاهر. ما دل بنفسه: يدل بنفسه، يعني اللفظ بنفسه يدل على المعنى الراجح، يعني المعنى الأقرب للصواب. وما احتمال غيره: يعني احتمال معنى آخر وهو المرجوح. وهذا أحسن تعريف في تعريف الظاهر، وهو أفضل من قول بعض الأصوليين: أنه ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر؛ لأن هذا التعريف لا فرق بينه وبين المجمل. فالمجمل مثلا: «القرء» يحتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر: إما الطهور وإما الحيض. إذن فما الفرق بين المجمل وبين الظاهر؟ لكن لما تقول: «ما دل بنفسه» هنا خرج المجمل؛ لأن المجمل ما دل بغيره. فمثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «توضأوا من لحوم الإبل»، الوضوء يطلق ويراد به الوضوء الشرعي وهو غسل الأعضاء على الكيفية التي جاءت في الشرع، ويطلق ويراد به الوضوء اللغوي وهو النظافة. فقولنا: «توضأوا من لحوم الإبل» ظاهر أن المراد به الوضوء الشرعي. قال: فخرج بقولنا: «ما دل بنفسه على معنى» المجمل؛ لأنه لا يدل بنفسه وإنما يدل بغيره. يعني على معنى المجمل. يريد: ما دل بنفسه على معنى. خرج به المجمل؛ لأنه لا يدل بنفسه وإنما يدل بغيره. وخرج بقولنا: «راجح» المؤول؛ لأنه يدل على معنى المرجوح لولا القرينة. يعني ما دل بنفسه على معنى الراجح. خرج به المرجوح وهو المؤول؛ لأنه يدل على معنى المرجوح لولا القرينة. قال: وخرج بقولنا: «ما احتمال غيره» النص الصريح؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا. فالظاهر يحتمل معنى آخر، وإن كان في أحدهما أظهر وراجح، لكن قد يحتمل معنى آخر. بخلاف النص فإنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا. قال: العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه طريقة السلف، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأقوى في التعبد والانقياد. يقول رحمه الله: العمل بالظاهر واجب. الواجب أن نأخذ بظاهر النص وما دل عليه ظاهره، إلا بدليل يصرفه عن ظاهره. إذا كان هناك دليل يدل على أن المراد ليس ظاهر هذا النص، فهنا نعمل به أخذًا بالدليل. قال: لأن هذه طريقة السلف. يعني طريقة السلف الأخذ بظاهر النص. لكن ليس ظاهريًا كظاهرية الظاهرية الذين يغلون في الأخذ بالظاهر دون النظر إلى المعاني. لا، هذه ظاهرية مذمومة. ولا كذلك أيضًا تغليب جانب المعاني والرأي على ظاهر النصوص كما يفعل أهل الرأي. بل وسط لا إفراط ولا تفريط. نأخذ بالظاهر مع النظر إلى المعاني. قال: ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأقوى في التعبد والانقياد. العمل بالظاهر أحوط؛ لأن إخراج النص عن ظاهره فيه خطورة. ويوقع الشخص بخطر؛ لأنه قد يلام على إخراجه لهذا اللفظ عن ظاهره. بخلاف ما لو أخذ بظاهره. لو قال لك شخص: «لا تكلم فلان» أبدًا. وجاء آخر قال لك: «كلمه»، إنما أراد: لا تكلمه في حال من الأحوال وموضع من المواضع. فهل الآن هل تأخذ بظاهر اللفظ والنهي أو تأخذ بقول هذا القائل الذي قال لك: لا بأس في حال دون حال؟ ما هو الأحوط؟ لا شك أن تأخذ بظاهر اللفظ: «لا تكلمه»؛ لأنك قد تكلمه وأنت متأول على أنه في حال دون حال، فيأتي لك العقاب. قال: تعريف المؤول: المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع. يقال: «آله إليه الأمر» يعني رجع إليه. «آله إليه الملك» أو «آله إليه أمر الفتوى» يعني رجع إليه. قال: واصطلاحًا: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح. فهو المؤول. حمل لفظ على معنى المرجوح يقال له: المؤول. قال: فخرج بقولنا: «على المعنى المرجوح» النص والظاهر؛ لأن النص ليس له إلا معنى واحد، والظاهر مدل بنفسه على معنى الراجح. فخرج به المرجوح. قال: أما النص فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح. قال: التأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود. فالأول الصحيح: ما دل عليه دليل صحيح. كتأويل قوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ إلى معنى: «وسأل أهل القرية»؛ لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها. والثاني الفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح. كتأويل المعطل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إلى معنى: «استولى». والصواب أن معنى العلو والاستقرار من غير تكيف ولا تمثيل. يقول رحمه الله: التأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود. فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح. كتأويل قول الله عز وجل: ﴿وَسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ على أن المراد: «وسأل أهل القرية». فالقرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها؛ لأنها جماد ما تنطق وتكلم. إذن علم أن المراد: «وسأل أهل القرية». فقال رحمه الله: أن هذا من التأويل الصحيح. والصحيح أنه ليس هناك تأويل صحيح بمعنى التحريف. ليس هناك تأويل بمعنى التحريف صحيح؛ لأن لفظ التأويل لم يأتي في الشرع بمعنى التحريف أبدًا. وإنما جاء في الشرع بمعنى التفسير، وبمعنى بيان حقيقة ما تأوي إليه الأمور. قال: والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح. تأويل المعطلة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إلى معنى: «استولى». هذا تحريف للفظ عن ظاهره بلا دليل يدل عليه. ومثل أيضًا تأويلات الرافضة لكثير من ألفاظ نصوص القرآن. فهي كذلك من التأويلات الفاسدة والباطلة. فقولهم: تفسير البقرة أنها عائشة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: عائشة. ﴿مَا رَجُلُ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ الحسن والحسين. إلى آخر ذلك من تأويلاتهم السخيفة. فالحاصل: أننا نعلم أنه ليس هناك تأويل بمعنى التحريف صحيح. وكذلك أيضًا أن الأصل هو الأخذ بظاهر النص إلا إذا دل دليل على أن المراد به خلاف الظاهر بقرينة تدل عليه. وهنا يؤخذ به؛ لكن لا يكون هذا من التحريف، بل هذا عمل بالدليل. هذا عمل بالدليل الذي دل عليه ظاهره. والله تعالى أعلم.