الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 5، الدرس الخامس:من( العلم-تعريفه:إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازما ... والنظري:ما يحتاج إلى نظر واستدلال كالعلم بوجوب النية في الصلاة ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ بتعريف العلم على أنه إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، مع توضيح العلاقة بين هذا التعريف والأحكام الشرعية. يتناول أيضًا انتقاد استخدام لفظ 'الإدراك' بسبب ارتباطه بمسائل عقدية لدى أهل البدع.
يفصل في مراتب الإدراك وهي العلم والجهل البسيط والجهل المركب والظن والوهم والشك، مع توضيح أقسام العلم إلى ضروري ونظري. كما يشير إلى أن الظن الراجح الذي تحفّه القرائن يُعتبر شرعًا بمنزلة العلم.
يفرق بين العلم النظري والعلم الضروري في الحكم بالكفر، حيث إنكار العلم الضروري يكفر صاحبه بينما إنكار العلم النظري لا يكفر صاحبه. يوضح أيضًا أن الشريعة دلت على وجوب العمل بالظن الراجح المدعوم بالقرائن.
بسم الله قال الشيخ المعثمين رحمه الله في كتابه «الوصول معلم الوصول»، قال: العلم، قال: تعريفه: العلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، كإدراك أن الكل أكبر من الجزء، وأن النية شرط في العبادة. المؤلف رحمه الله ذكر هذا الفصل يتعلق بالعلم كما يذكر أهل الوصول؛ لأن الأحكام الشرعية -كما مر معنا بتعريفها- أنها معرفة، أو الفقه معرفة الأحكام الشرعية العملية البديرية التفصيلية، والمعرفة تشمل العلم اليقيني وتشمل كذلك الأمور الظنية، فلذلك جعلوا فصلا في الكلام على العلم، وكذلك الكلام على الظن؛ لأجل ذلك قال: العلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما. والمراد بالإدراك هنا يعني تصور الشيء تصورا صحيحا، تصورا جازما، إدراك الشيء على ما هو عليه يعني على حقيقته الصحيحة، إدراكا جازما يعني تصورا يقينيا، كإدراك أن الكل أكبر من الجزء، فمعرفة أن الكل أكبر من الجزء هذا شيء معلوم ومدرك إدراكا جازما لا شك فيه، وهكذا أن النية شرط في العبادة هذا معلوم علما جازما. وتفسير العلم بالإدراك مما فيه نظر، وإن كان المؤلف رحمه الله -شيخ المعثمين رحمه الله- نبه على أن الإدراك هنا خاص بما يدرك، وستثنى من ذلك صفات الله سبحانه وتعالى؛ فإن مما لا تدرك -يعني لا تعلم- حقيقتها وكيفية صفات الله، ومع ذلك فالأولى عدم تعريف العلم بهذا اللفظ، يقال: العلم هو إدراك الشيء، لكن يقال: العلم معرفة الشيء، يقال: العلم معرفة الشيء على ما هو عليه معرفة جازمة؛ لماذا؟ لأن -كما نبهنا قبل- كثير من التعريفات التي في أصول الفقه هي من وضع أهل الكلام، ولهم في ذلك مداخل عقدية، ومنها مسألة الرؤية، فأهل البدع -كما تعلمون- ينفون رؤية الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل لا يرى بالأبصار، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، ففسروا العلم بالإدراك، فقالوا: لا تدركه الأبصار أي لا تعلمه الأبصار، هذا نفي لرؤية الله سبحانه وتعالى، فلذلك فإننا نعرف العلم بغير هذا التعريف، أو بغير هذا اللفظ، بدل الإدراك نقول: المعرفة، العلم معرفة الشيء على ما هو عليه معرفة جازمة. وقد نبه على ذلك بعض العلماء، منهم ابن القيم رحمه الله في كتاب «مدارج السالكين» نبه على هذه المسألة، وأن تفسير العلم بالإدراك مما فيه مدخل لأهل البدع في نفي رؤية الله سبحانه وتعالى؛ فإن الأبصار لا تدرك الله عز وجل ولا تحيط به، وهو المراد بالآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي لا تحيط به، وليس بذلك نفي لرؤية الله عز وجل، فالله يرى بغير إدراك وإحاطة، كما هو معلوم من أدلة الكتاب والسنة. قال: فخرج بقولنا «إدراك الشيء» عدم الإدراك بالكلية، ويسمى الجهل البسيط، مثال ذلك: أن يسأل متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: لا أدري. قال: وخرج بقولنا «معرفة الشيء» عدم المعرفة بالكلية، وهو يسمى بالجهل البسيط، أن الإنسان لا يعلم حكم المسألة، يسأل متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: لا أدري، هذا يسمى جهلا بسيطا، يعني جهلا يسيرا. قال: وخرج بقولنا «على ما هو عليه» إدراكه على وجه يخالف ما هو عليه، ويسمى الجهل المركب، مثل أن يسأل متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: في السنة الثالثة من الهجرة، هذا جهل مركب، وهو إدراك الشيء على غير ما هو عليه، أو نقول: معرفة الشيء على غير ما هو عليه، هذا يسمى جهلا مركبا. قال: وخرج بقولنا «إدراكا جازما» إدراك الشيء إدراكا غير جازم، بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه، فلا يسمى ذلك علما، ثم إن ترجح عنده أحد الاحتمالين فالراجح ظن والمرجوح وهم، يعني إذا كان عنده في هذا الأمر احتمالان، فإذا رجح أحدهما فالراجح يسمى ظنا والمرجوح يسمى وهما، وإن تساوى الأمران فهو شك، تساوى الأمران فهو شك. فالآن عندنا ظن، ووهم، وشك، إذا تساوى الأمران عنده في هذه المسألة تحتمل كذا وكذا، هذا يسمى شكا، فإذا رجح أحدهما فالراجح ظن والمرجوح وهم، مثلا الوضوء من أكل لحم الإبل، لو قال: الوضوء يطلق ويراد به الوضوء الشرعي، ويراد به غسل اليدين، فقال مثلا: أنا متردد، هل المراد به هذا أو هذا؟ هل يسمى ماذا؟ يسمى شكا، فإذا قال: ترجح عندي أن المراد بالوضوء هنا هو الوضوء الشرعي؛ لأن هذا هو الظاهر، هذا يسمى ظنا، والثاني يسمى وهم. قالوا: بهذا تبين أن متعلق الإدراك بالأشياء كالآتي: علم، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، والثاني: جهل بسيط، وهو عدم الإدراك بالكلية، والثالث: جهل مركب، وهو إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه، والرابع: ظن، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح، ووهم، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح، والشك، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو. هذه الآن ست مراتب العلم، أرفعها العلم، ثم الظن الراجح، ثم الوهم، ثم الشك، ثم الجهل البسيط، ثم الجهل المركب، هذا على حسب ترتيبها في القوة. قال: إن قال قائل: كيف يعمل بالظن؟ والله سبحانه وتعالى قد ذم من يتبع الظن، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، وغيرها من الآيات الكثيرة في ذم اتباع الظن. فالجواب: أن ذم الله عز وجل لمن يتبع الظن هو في الظن الخالي عن العلم والخالي عن القرائن، فهذا اتباعه مذموم، أما الظن الراجح والذي حفته القرائن فهذا بمنزلة العلم، يعني غلبة الظن هو بمنزلة العلم، ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فالذي لم يعلم الشيء علما يقينيا، لكن غلب على ظنه بما يعلم من قرائن وغير ذلك، فإنه يعمل به. وهكذا أيضا دل الشرع على العمل بغلبة الظن، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى: ثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن»، يعني ما غلب على ظنه، فإنه يعمل هنا بغلبة الظن. ولأن كذلك عدم العمل بالظن الراجح تسقط به كثير من الأحكام التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وتحتاج فيها إلى ترجيح بين الأقوال، في النظر في الأدلة، فهذه تعمل بها بغلبة الظن، المسائل التي فيها خلاف كثيرة، فأنت تنظر في الأدلة وفي الأقوال وترجح ما يظهر لك، هذا الذي ترجحه هو غلب الظن، ولو قلنا إنه لا يجوز العمل بغلبة الظن، لخلت كثير من الأحكام عن معرفة أحكامها، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة. قال: أقسام العلم ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري، فالضروري ما يكون إدراك المعلوم فيه ضروريا، بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا استدلال، كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، وأن النار حارة، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والنظري ما يحتاج إلى نظر واستدلال، كالعلم بوجوب النية في الصلاة، يقول: العلم ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري، علم ضروري يعني معرفة الشيء معرفة ضرورية، ومعنى ضرورية يعني يضطر الإنسان إلى العلم به من غير نظر ولا استدلال، لا يحتاج أن ينظر في الأدلة ويقلب الأدلة في إثبات هذا الحكم، بل هو معلوم عنده ضروريا، كالأشياء المعلومة بدين الإسلام بالضرورة، كوجوب الصلاة مثلا، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا، إلى آخر ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهذا شيء معلوم بالاضطرار، ما يحتاج إلى نظر واستدلال. ومن ذلك مثلا العلم بأن الكل أكبر من الجزء، وهذا مما يضطر إلى معرفته، وأن النار حارة، وكذلك أن محمدا رسول الله، هذا شيء معلوم بدين الإسلام بالضرورة. وأما العلم النظري فهو يحتاج إلى نظر واستدلال، كالعلم بوجوب النية، قد يخفى على الكثير، لكن علم بالنظر والبحث في الأدلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، إذن النية واجبة في جميع الأعمال، ومنها الصلاة، هذا علم بالنظر والاستدلال. والفرق بين العلمين: أن العلم النظري من أنكره فهو كافر، أما العلم الضروري من أنكره فهو كافر؛ لأنه ينكر ما هو معلوم بدين الإسلام بالضرورة، بخلاف العلم النظري، فإن من أنكره لا يكفر؛ لأنه فيه خفاء يحتاج إلى نظر واستدلال، وإلى إثبات هذا الحكم بالأدلة، ثم بعد ذلك يحكم عليه بما يستحق بعد إقامة الأدلة على إثبات هذا الحكم.