الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 380، ألقاها
ذكر الإمام البخاري رحمه الله جلستين للنبي صلى الله عليه وسلم، الأولى القرفصاء وهي جلسة الاحتباء باليدين، والثانية التربع وهي جلسة متربعة. جاء في الحديث جواز هاتين الجلستين.
الجلسة المتربعة جائزة في الصلاة وخارجها، واختلف العلماء في حكمها في الصلاة للشخص الصحيح بين الجواز والكراهة. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس متربعا في الصلاة.
هذه الجلسة جائزة سواء في الصلاة أو خارجها، مع الحذر من انكشاف العورة. الجلوس المتربع مستحب لمن له عذر في الفريضة أو يصلي نافلة جالسا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب القرفصاء، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا عبد الله بن حسان العنبري، قال: حدثتني جدتاي صفية بنت عليبة، ودحيبة بنت عليبة، وكانتا ربيبتي قيلة، أنهما أخبرتهما قيلة: قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا القرفصاء، فلما رأيت النبي المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله «باب القرفصاء»، أي ذكر ما ورد في جواز القرفصاء. والقرفصاء هي جلسة من جلسات الاحتباء، وذلك بأن يحتبي بيديه، كما قال أبو عبيدة رحمه الله: أن يحتبي الرجل بيديه، يدير ذراعيه ويديه على ساقيه، فيكون بذلك محتبيا بيديه. فسرت القرفصاء بهذه الجلسة: الاحتباء باليدين. ومنهم من ذكر تفاسير أخرى، قيل: القرفصاء الرجل المستوفز، جلسة المستوفز الذي يجلس على أطراف القدمين كالمستعجل. وقيل: أن يضع يديه على الأرض. لكن التفسير الأول هو الأظهر في تفسير القرفصاء، وفيها أيضا وضع الإليتين على الأرض، يضع إليتيه على الأرض، وينصب قدميه، ثم يدير بيديه وذراعيه على ساقيه. فقيلة تخبر أنها رأت النبي عليه الصلاة والسلام قاعدا القرفصاء، أي هذه الجلسة. فلما رأته عليه الصلاة والسلام أرعدت من الفرق، يعني من الخوف، أصابها شيء من الخوف. جاء في تكملة هذا الحديث عند الإمام الترمذي أنه كان عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: أرعدت المسكينة، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا مسكينة، عليك السكينة». قالت: فذهب ما أجد من الرعب. فذهب ما أجد من الرعب. الشاهد من هذا الحديث جواز هذه الجلسة. وقد مر معنا أن الاحتباء بالثوب أو نحوه جائز، بشرط أن يأمن من كشف العورة، أن يأمن من كشف العورة، كأن يكون له أكثر من ثوب أو نحو ذلك مما يؤمن فيه انكشاف العورة. وأما إذا احتبى ستنكشف عورته، فهذا لا يجوز، لأن ستر العورة أمر من الأمور التي أمرنا بها. قال: باب التربع، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا محمد بن عثمان القرشي، قال: حدثنا ذيال بن عبيد بن حنظرة، قال: حدثني جدي حنظرة بن حذيم، قال: لأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته جالسا متربعا. هذا الباب «باب التربع»، يعني جلوس الإنسان متربعا. والتربع أن يجلس المرء على الأرض، ثم يدخل قدمه اليمنى تحت فخذه اليسرى والقدم اليسرى تحت فخذه الأيمن، كهذه الجلسة. تجلسون الآن هذا التربع إما تحت الفخذ أو تحت الساق، القدم اليمنى تحت الساق اليسرى، نعم، والقدم اليسرى تحت الساق الأيمن. هذه تسمى جلسة التربع. وهذه الجلسة جلسة مشروعة وجائزة، مشروعة وجائزة، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة، خلافا لمن كره ذلك كطاووس رحمه الله. نقل عنه ابن بطال أنه كره هذه الجلسة. ابن طاووس، عبد الله ابن طاووس، كره هذه الجلسة. والصحيح أنها لا تكره، الصحيح أنها لا تكره، بل هي جائزة. وقد جلس النبي عليه الصلاة والسلام متربعا حين كان يصلي جالسا، كما بحديث عائشة: فجلس متربعا، فيدل هذا على جواز هذه الجلسة. والإمام عبد البر رحمه الله نقل الإجماع على أنه لا يجوز الجلوس متربعا في الصلاة، لا يجوز الجلوس متربعا في الصلاة لمن كان صحيحا، يعني غير مريض. لمن كان صحيحا، يعني غير مريض. وأما غير المريض، فيه خلاف بين أهل العلم. وتعقبه الحافظ ابن حجر رحمه الله بنقله الإجماع على هذه المسألة، قال: لأن الجلوس في التشهد جالس الإفتراش، هذه مستحبة وليست واجبة. فلو جلس متربعا مثلا في التشهد، فلا يستطيع أن يقال: إن هذا لا يجوز أو أن صلاة غير صحيحة. وحمل قوله على عدم الجواز على أنه أراد الكراهة، على أنه أراد الكراهة. وإن قيل بالكراهة، فله وجه، لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس متربعا في التشهد وهو صحيح، يعني غير مريض. بل الثابت عنه أنه كان يجلس في التشهد متربعا، أي تشهد الأول. فالقول بالكراهة له وجه. وأما في غير الفريضة أو إذا كان الإنسان مريضا أو معذورا، فلا بأس أن يجلس متربعا، فلا بأس أن يجلس متربعا يصلي وهو متربع. وأما خارج الصلاة، فهو جائز. وسيأتي ذكر بعض الآثار في ذلك. ذكر في أول هذه الآثار حديث حنظلة أنه أتى النبي عليه الصلاة والسلام فرآه جالسا متربعا، رآه جالسا متربعا. نعم، يعني جالسا على هيئة المتربع. وكذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح الإمام مسلم، من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: «كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس متربعا»، كان إذا صلى الفجر جلس أو تربع حتى تطلع الشمس. كان إذا صلى الفجر، كان إذا صلى الفجر تربع حتى تطلع الشمس. قال: وحدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني معن، قال: حدثني أبو رزيق أنه رأى علي بن عبد الله بن عباس جالسا متربعا، واضعا إحدى رجليه على الأخرى، اليمنى على اليسرى. هذا الأثر، أثر أبي رزيق، أنه رأى علي بن عبد الله بن عباس جالسا متربعا، واضعا إحدى رجليه على الأخرى، اليمنى على اليسرى، يعني يضع القدم اليمنى على فخذه الأيسر. هذه أيضا جائزة، هي من معاني التربع أو من صفات التربع. قد يجلس الإنسان متربعا ويضع القدم اليمنى على فخذه الأيسر أو العكس، يضع قدمه الأيسر على فخذه الأيمن، هذا جائزا مع أمن انكشاف العورة. أحيانا قد يرفع قدمه وربما تنكشف العورة، لكن ينبغي أن يحذر من ذلك، أنه إذا جلس مثل هذه الجلسة، إما أن يكون لابسا لسراويل أو أن يكون متيقنا من عدم انكشاف العورة. وهذا الأثر ضعيف، فأبو رزيق مجهول. أبو رزيق مجهول. لكن جواز هذه الجلسة يدل عليها دليل ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جلس متربعا. قال: وحدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن عمران بن مسلم، قال: رأيت أنس بن مالك يجلس هكذا متربعا، ويضع إحدى قدميه على الأخرى. هذا الأثر عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وصحيح، أنه يخبر عمران بن مسلم أنه رأى أنس بن مالك وهو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، خدمه عشر سنين، وكان ملازما له، جالسا متربعا، ووضع إحدى قدميه على الأخرى، إما اليمنى على اليسرى أو اليسرى على اليمنى. فهذا الأثر يدل على جواز الجلوس بهذه الجلسة. إذن تبين من هذه الآثار أن جلسة التربع مشروعة، أنها مشروعة، سواء كانت في الصلاة أو خارج الصلاة. أما في الصلاة، كما ذكرنا، تكون عند صلاة الإنسان جالسا، كان يصلي النافلة مثلا جالسا، فيتربع لا بأس، أو يكون مريضا فيصلي جالسا فيجلس متربعا. وجلوس متربعا مستحب لمن كان له عذر في الفريضة، أو إذا كان يصلي النافلة جالسا، فصلاة النافلة يجوز صلاة الإنسان فيها جالسا، وإن كان يصلي القيام، فإذا جلس صلى متربعا، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، مع جواز الافتراش، مع جواز الافتراش. طيب الله صلى الله وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.