الدرس في كتاب الصلاة 137، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع آراء الفقهاء المختلفة حول الجمع بين الصلوات في وقت المطر، حيث يجيز الشافعية والحنابلة الجمع بينما يرى أبو حنيفة عدم جوازه.
استدل بعض العلماء بحديث ابن عباس على جواز الجمع بسبب المشقة، مشيرين إلى أن المشقة تكون أشد في الجمع بين المغرب والعشاء.
إذا كان المطر شديدًا، يُسن للمؤذن أن ينادي الناس للصلاة في بيوتكم، ويُفضل للإنسان الصلاة في بيته وقت المطر الشديد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال الجمع بعذر، وقال الجمع بعذر المطر بين الظهر والعصر في وقت الأولى منهما عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وقال مالك وأحمد: يجوز بين المغرب والعشاء دون الظهر والعصر. هذه المسألة مسألة الجمع في وقت المطر، الجمع في وقت المطر لا شك أنه قول أكثر العلماء. البعض يذكره جازمًا أنه لا يجمع في المطر الخفيف جدًا الذي لا تبل فيه النعال أو لا تبل الأرض لقلته، كذلك الطل الذي يخرج ليلًا أيضًا لا، باتفاق العلماء أنه لا يجمع لأجله ولو كثر. وأما المطر الذي يبل الأرض فإنه قال بعض العلماء بالجمع، لكن على هذا التفصيل الذي ذكره، فالشافعية عندهم يجمع بين الصلوات، أيسواء كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المطر. وأما أبو حنيفة عنده لا يجوز، لا يجوز الجمع في مطر أو مرض أو غيره، وإنما عندهم الجمع يجوز للمسافر، وكذلك أيضًا في عرفة. قال مالك وأحمد: يجوز بين المغرب والعشاء دون الظهر والعصر. مالك والمذهب مشهور عن أحمد أنه لا يجمع إلا في المغرب والعشاء، أنا أقصد إذا مطرت أو إذا كان هناك مطر لا يجمع إلا إذا كان في الليل بين مغرب وعشاء، وأما إذا كان في النهار قالوا: لا يجمع؛ لأن المشقة في الليل أعظم من المشقة في النهار. والعجيب أن الدليل الذي يستدل به حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر، وفي رواية مسلم: من غير خوف ولا مطر، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بهذه الجموعات لعلة المشقة كما قال ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، فلهذا اختار مالك وأحمد أن المشقة في المغرب والعشاء تكون أشد، فلهذا يجمع بين المغرب والعشاء. أما الظهر والعصر فليست تلك المشقة؛ لأن الناس يرون والضوء موجود، حتى لا تصاب يابسهم أو كذا أو يسقطوا في المستنقعات، لكن إذا كان في النهار فإنهم يرونه. هكذا قالوا. والعجيب أن بعض الحنابلة تداولوا حديثًا ليس له أصل في كتبهم، تجد في كتب بعض المعاصرين وبعض أيضًا المتقدمين من الحنابلة ذكروا حديثًا ليس له أصل عن النبي عليه الصلاة والسلام وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في المطر، ونسبه بعض المعاصرين إلى البخاري، عن بعض المتأخرين من الحنابلة نسبه إلى صحيح البخاري، والظاهر أنه حصل خطأ من بعض شيوخهم فتداوله بعضهم البعض. فالحديث موجود في البخاري لكن ليس بهذا السياق، إنما رواه البخاري -على ما أظن وليس أجزم به- من رواية الليث عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين المغرب والعشاء في المدينة، فقيل للليث بن سعد: وما الذي جعله أو قالوا له: ما السبب الذي جعله يجمع؟ قال: أحسبه المطر. قال الليث: أحسبه المطر، ما الذي جعله يجمع هو المطر، هكذا ظن من الليث رحمه الله، وهو في صحيح البخاري، لكن ظاهر بعضهم أدخل ظن الليث في الحديث، أدخل ظن الليث في الحديث، فصار الحديث: جمع بين المغرب والعشاء في مطر، وهذا كما قلنا بهذا اللفظ لا أصل له. استدل الشافعية، وكذلك هو قول عند الحنابلة رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، على أنه لا فرق بين الجمع في المطر بين الظهر والعصر وكذلك بين المغرب والعشاء؛ لأنه أيضًا توجد المشقة في الظهر والعصر معنى إذا كثر المطر، فإنها توجد المشقة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أمر المنادي ينادي في وقت المطر: «صلوا في رحالكم». فلهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإذا كان مثلًا أمطرت السماء والناس في المسجد، فالأفضل أن يجمعوا؛ خير لهم أن يذهبوا إلى بيوتهم ثم لا يرجعوا. أنا يقول الأفضل مثلًا إذا كان أمطرت في وقت الظهر والناس في المسجد وجاءت السماء بالمطر، فالآن إذا رجعوا إلى بيوتهم ممكن أنهم لا يرجعون لأجل المطر إلى صلاة العصر، فالأفضل أنهم يجمعون، سيتحصلون على أجر الجماعة فيجمعون بين الظهر والعصر ثم يذهبون إلى بيوتهم، وهذا أولى في تحقيق المصالح. وزد على ذلك أنه يدل عليه على أن المطر عذر من أعذار الجمع حديث ابن عباس في رواية مسلم: ﴿جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر﴾، فدل على أن المطر عذر من أعذار الجمع. فخلاصة المسألة أنه يجوز للمصلين أن يجمعوا بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المطر، هذا متى؟ إذا كانوا في المسجد، أما إذا كان الإنسان في بيته فالأولى له أن لا يخرج، والسنة أنه لا يخرج الترخص برخصة النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا يطبق المؤذن السنة فيقول للناس: «صلوا في رحالكم» أو «صلوا في بيوتكم»، فهذا إذا كان قبل الصلاة، لكن إذا حصل المطر بعد الصلاة أو في وقت الصلاة فالأفضل لهم أن يصلوا أو أن يجمعوا بين الصلاتين ثم ينصرفون إلى بيوتهم، فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة. والله تعالى أعلم.