الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 359

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 359

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 359، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أثر نية الإنسان في حياته

نية الإنسان لها تأثير كبير في حياته، حيث من كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه. هذا يبين أهمية النية في توجيه حياة الإنسان.

تحذير النبي من الافتتان بالدنيا

النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الافتتان بالدنيا وحرص الناس على المال، موضحاً أن ذلك يؤدي إلى تقاطع الناس وفساد أخلاقهم. الدنيا ستخرج كنوزها يوم القيامة دون فائدة.

فضل نية الآخرة وطلب العلم

نية الآخرة تجمع شمل العبد وتغني قلبه، بينما طلب العلم هو السبيل لتحقيق الأهداف الدنيوية والدينية. السلف رحمهم الله كانوا إما يتاجرون في طاعة الله أو يرفضون الدنيا.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل رحمه الله: وقال الإمام أبو عبد الله بن ماجة رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، وهو الملقب ببندار، من فقهاء أو من حفاظ أهل البصرة، كان هو ومحمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، كفرسي رهان، متنافسين. قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو غندر، قال: حدثنا شعبة، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، عن أبيه، قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان بنصف النهار. قلت: ما بعث إليه بهذه الساعة إلا لشين سأل عنه. قال: فسألت، فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلا عمر بن سليمان وعبد الرحمن بن أبان، وقد وثق الأول ابن معين والنسائي، والثاني النسائي، كما في تهذيب التهذيب. وقال أبو داود رحمه الله: حدثنا مسدد، وهو من مسدد أبو الحسن البصري، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، قال: حدثني عمر بن سليمان، من ولد عمر بن الخطاب، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نظر الله إلى امرئ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». قال: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. والحديث أخرجه الترمذي، وقال: حديث زيد بن ثابت حديث حسن. وهنا أيضا بقي جزء من هذا الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره». أنا في قوله: «من كانت الدنيا همه ونيته جعل فقره بين عينيه، فرق الله عليه أمره»، أنا جعله مفرقا مشتتا، والذي تكون نيته الآخرة يجمع الله أمره، أنا يكون مطمئنا في هذه الحياة، لا تشتت أموره، لا تشتت أموره. وأيضا يجمع بينه وبين أحبته، وأيضا كذلك بين أهله. وأما من أراد الدنيا، فإن الله عز وجل يفرق بينه وبين أحبته وأهله، وكذلك يشتت أموره. وإنما لأنه همه هم الدنيا، يريد الدنيا، فلهذا ما يفكر في أهله، ما يفكر في أصحابه، ما يفكر في كذا، همه أن يجمع الدنيا. فلهذا فالدنيا التي تفرق الناس، فمن أحب الدنيا ألقى الله عز وجل في قلبه الشح والأنانية والطمع، فلهذا يفرق بينه وبين أحبته. في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله عز وجل يجعل الأرض تخرج فلذات أكبادها»، أي أغنى ما فيها وأفضل ما فيها من الكنوز من الذهب والفضة والأموال العظيمة التي يحبها الناس، فيجتمع عليها الناس، ثم أنهم لا يأخذون منها أحد شيئا. فيقول أحدهم: في هذا قتلت، ويقول الآخر: لأجل هذا سرقت، ويقول الآخر: لأجل هذا قطعت رحمي. فيذهبون ولا يأخذ منهم أحد شيئا. أنا هذا من علامات يوم القيامة. وأيضا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيجتمع عليه الناس ويقتتلون حوله، فيتركونه كلهم، يبين لهم أن هذا هو الذي فرق بينهم، وهو الذي قطع رحمهم. ولهذا جاء في صحيح مسلم أيضا حديث ابن عمر: «اتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». فلهذا فإن هذه الدنيا هي التي تجعل التقاطع بين الناس. كذلك أيضا يعاقب الله عز وجل صاحب الدنيا بأن يجعل فقره بين عينيه، ويجعل أمره مشتتا، لا يستقر على شيء، همه هم الدنيا. مثل ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة، أن لما ذكر صاحب الدنيا، قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش». أنا من كثرة همه أنه لا ينتبه لجراحاته، ولا ينتبه لما يكون خسارة على دينه. فإذا شيك فلا انتقش. فلهذا فهمه هم الدنيا، عبد للدينار والدرهم. قال: «وجعل فقره بين عينيه»، ما معه من الأموال، إلا أنه يحس أنه فقير، فقره بين عينيه، يلهث وراء الدنيا، لا يترك هذه الدنيا، بل يحرص على أن يأتي بشيء ولو يسير. يعني إذا كان من أمر الدنيا يتلحف عليه، ولو كان فائدته قليلة. لكنه من أمر الدنيا يجمع له المال. فتجد إذا جاءه المسكين قال: نحن نجمع هذا المال قليلا قليلا، وكيف نعطيه غيرنا؟ مثل ما قال ذاك في الحديث: «ورثناه كابرا عن كابر»، أنا كيف أعطيك إياه؟ قال: «ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له»، ما كتبه الله له يأتي. بعض الناس يجري خلف هذه الدنيا ولا يتحصل منها إلا الشيء اليسير، بل قد يكون أيضا لا يتحصل شيء منها، يذهب أمواله في المصائب، وتذهب أمواله في القمار، تذهب أمواله في غيرها من هذه الأمور. ومنهم من يكون عنده مال كثير، لكن لا ينتفع به، ما تكون البركة فيه، كله يذهب في الحرام، ينفقه في الحرام، أو يكنزه لغيره، يكنزه لغيره. وقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري، حديث عبد الله بن الشخير: لما قرأ قول الله جل وعلا: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، قال عليه الصلاة والسلام: «يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟». ليس لك من مالك إلا ما أكلته فأفنيت، وما لبسته فأبليت، ذهب وصار خلقا باليا، وما تصدقت به فهو الذي يبقى. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الشاة التي تصدقت بها عائشة، قال: «فما أبقيتم؟» قالوا: تصدقنا بها كلها، فما بقي إلا كتفها. قال: «بل ذهبت كلها، وبقي كتفها». أو قال: «بقي كتفها وذهبت كلها». فلهذا ما تصدق به العبد فإنه يبقى له، وأما ما أكله ولبسه وجعله في هذه الأمور، فهو يفنى، لا شك هذا ماله، هذا الذي يتمتع به في هذه الحياة، وعما قليل يبقى منه المال، وما كنزه فهو ليس له، فهو يذهب إلى ورثته. قالوا: «ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره». لأنه أراد الله والدار الآخرة، فأعظم شيء مما يعطيه الله عز وجل أنه يجمع بينه وبين أهله، ما يجعل بينه التقاطع بين أهله. فلأنه يريد الله، فإذا حصل شيء من بعض أهله، مثلا من القطيعة، ذهب وأصلح ذلك. وكذلك أيضا هذه الأموال التي معه، إن كانت معه أموال، يعطيها لأهله ويصلهم بها، فلا تكون بعد ذلك القطيعة. وأيضا يجمع الله أمره في صدره، وفي قلبه، فعنى ما يجد أمره مشتتا، بل يجعل أمره كله بين يديه وبين عينيه، معناه أنه مطمئن في هذه الحياة، لأنه يعلم أنه لله وأنه راجع إليه سبحانه وتعالى. قال: «وجعل غناه في قلبه». ولو كان فقيرا معدما، فغناه في قلبه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». وهو القناعة والطمأنينة التي يجعلها الله عز وجل في قلب المؤمن. قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه. يقنع بما يأتي، سواء كان كثيرا أو قليلا، وهو قانع به، ويصرفه في حق. قال: «وأتته الدنيا وهي راغمة». أنا لم يردها، لكنها جاءت إليه، جاءت إليه وأرادته. فإن هو انهمك معها صار مثل الأول، وإن جعلها زادا له للآخرة، فهي خير عظيم. ولهذا كان السلف رحمهم الله تأتيهم الدنيا فيرفضونها. ومنهم من يأخذها، لكن بحقها. فهناك من الصحابة رضي الله عنهم من كان تاجرا، يتاجر من العلماء، من كان تاجرا. أنا حتى من العشرة المبشرين بالجنة، أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، كانوا يتاجرون، لكنهم لم تشغلهم هذه الدنيا عن دار الآخرة. كذلك من العلماء، إما المشهورين، كان عالما عابدا صالحا، وغيرهم من هؤلاء، كانوا على علم وعلى عبادة، وكذلك عندهم أموال وعندهم تجارة، لم تلههم هذه التجارة. ومنهم من رفضها، كسفيان الثوري وغيره، رفضوا هذه الدنيا، جاءتهم إلى عندهم، إلى أن أرادوهم للقضاء وأرادوهم لكذا، فرفضوا، وأحبوا الفقر على الغنى. وكان سفيان لا يقبل شيئا من هدايا السلاطين، يعطى أموالا كثيرة فيرفضها. وهكذا الإمام أحمد رحمه الله، كان يحب أن يعيش على عيشة الفقر، فما كان يأخذ شيئا من أموال الملوك وغيرهم من هؤلاء. وهذا مسلك، وهذا مسلك، منهم من أخذ يتاجر وأخذ هذه الأموال وصرفها في طاعة الله. ومنهم من رضي بوضعه أو بدراسته وطلبه للعلم، مع أن الدنيا تأتي، لكنه يرفضها. وكما قال سفيان الثوري رحمه الله: «من أراد الدنيا فعليه بطلب العلم، ومن أراد الآخرة فعليه بطلب العلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بطلب العلم».