الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 358، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل رحمه الله أحاديث نبوية مهمة تتعلق بحفظ الحديث وتبليغه وإخلاص العمل ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة، ويبين أهمية هذه الأحاديث في حياة المسلمين.
يتطرق المقطع إلى حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشجع فيه على حفظ الحديث وتبليغه، ويبين فضل حفظة الحديث وأهمية تبليغهم للعلم.
يناقش المقطع أهمية لزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر عند وجود الفتن، ويُنصح بالاعتزال ولو بتعريض النفس للمخاطر حتى الموت عند عدم وجود إمام أو جماعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل -من هذه الوعدة- رحمه الله: وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو يحيى بن سعيد القطّان الإمام، الجبلي أبو سعيد، كان لا يحدث بالمرسل والمدلس من حديث مشايخه، بل أحيانا حتى لا يحدث بما دلس فيه أو أرسل، وكان عنده احتياط في الرجال، ولهذا صنف رحمه الله من المتشددين، وهذا ليس عيب وإنما هو احتياط، احتاطوا لدينهم، احتاطوا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيشددون في التوثيق، وأيضا يجرحون في الخطأ والخطائين. كان يحيى بن سعيد إذا تفرد الرجل بحديث لم يتابع عليه وفيه نكارة، فإنه قد يغمز هذا الراوي، يطعن فيه، ولا يأخذ عنه الحديث، ولهذا تجد كثيرا ما يقولون: تركه يحيى بن سعيد، لم يرو عنه يحيى بن سعيد، قد وثقهم غيره. قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا عمر بن سليمان، هو عمر بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: عمر بن سليمان: من ولدي عمر بن الخطاب، وهو مقل في الحديث، قال: عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، وهو أيضا قرشي، ثقة، وهو أيضا مقل في الحديث، قال: عن نبيه، وهو أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنهم. وأبان كان من خيرة الناس، هناك أبان بن عثمان، وهناك أبان مولى عثمان، هذا أبان ابنه، وأحيانا تجد في الحديث أبان مولى عثمان، ذاك آخر مولاه، وهذا ابنه. قال: عن نبيه: أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحو من نصف النهار، أي مروان بن الحكم، فقلنا: ما بعث إليه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقد كان مروان من الناس المتحرين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يسألون عنه، وإن كان عليه أشياء كثيرة بعد أن فعلها، وهي خطأ عظيم، سأل الله يغفر له، لكن كان ممن يسأل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمه، وهو الذي قال لسعيد بن زيد: لما قال: أخذ من أرضها، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ شبرا من أرض طوق عليه يوم القيامة السبع أراضي»، فقال مروان: الله لا نأخذ بيّنة بعد هذا. وهذا تعظيم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نأخذ بيّنة بعد هذا، بعد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سمعته. قال رحمه الله: فقال أن زيد -أي يقول أبان بن عثمان يقول-: أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحوا من نصف النهار، فقلنا: ما بعث إليه -أي مروان ما بعث إلى زيد رضي الله عنه- ما بعث إليه الساعة إلا لشيء سأله عنه. قال: فقمت إليه فسألته، فقال: أجل، سألنا عن أشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نظر الله امرئا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم. وقال: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له». قال: وسألنا عن الصلاة الوسطى، وهي الظهر. قال: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. وأما الصلاة الوسطى فالصحيح أنها العصر، كما دلت عليه الأدلة المتكاثرة. وقد ذكرنا ذلك قبل سبعين، وكذا ذكرنا الأدلة على أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. فهذا الحديث فيه عدة فوائد، منها: الحديث الذي فيه دعاء لأهل الحديث: «نظر الله امرئا» هذا من باب الدعاء أن يدعو النبي عليه الصلاة والسلام له بالنظارة، أو قد يقال: من باب الخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن الله عز وجل يجعل لمن يبلغ الحديث وأيضا يكثر من هذا أن له نظارة في وجهه، وهذا محتمل، وإن كان الأول أولى، وكلاهما متقاربان، لأن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام مستجاب، فهو قول: «نظر الله امرئا» أي جعل فيه النظارة والجمال والبهجة. ولهذا كان الإمام الشعبي رحمه الله يقول: إذا رأيت رجلا من أهل الحديث كأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن النظارة فيهم، وهي نظارة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغه. فقال: «نظر الله امرئا سمع منا حديثا فحفظه» وهذا القطعة من الحديث قد جاءت عن جمع من الصحابة، حتى ذكرها السيوطي وجماعة أنها من المتواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «نظر الله امرئا سمع منا حديثا فحفظ حتى يبلغه غيره»، وهذا ليس فيه أن الإنسان يبلغ بنفس اللفظ، لكن بعضهم أخذها من قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات: «نظر الله امرئا سمع منا حديثا فأداه كما سمع». فأداه كما سمع، لكن أيضا قد يكون يؤديه بالمعنى، فليس فيه اختلاف، لكن ينبغي أن يكون من يؤدي بالمعنى أن يكون عالما بما يحيل المعنى، أن يكون عالما بما يحيل المعنى، فقد يكون الإنسان أحيانا يظن أن هذه الكلمة بمعنى هذه الكلمة فيضعها، وهي تحول الكلام، فلهذا الأفضل أن الإنسان يأتي بألفاظ الحديث بقدر استطاعته. قال: «فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه»، أنا عنده هذا الحديث، عنده هذا الفقه، يحمله إلى من هو أفقه منه. «ورب حامل فقه ليس بفقيه»، ليس عنده فقه لهذا الحديث، لا يتفهم معناه، لكنه أخذه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإسناد الصحيح. قال: «ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، إلى من هو أفقه منه، لا يكمل الإنسان مهما بلغ، فلابد أن يحتاج إلى غيره. وأيضا فيه أنه لا يشترط أن يكون الراوي للحديث فقيها كما اشترطه بعض أهل العلم كابن حبان وغيره. «ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، «ورب حامل فقه ليس بفقيه»، فلهذا حامل العلم لا يشترط أن يكون فقيها يعرف معاني الحديث، أهم شيء أنه يبلغ هذا الحديث كما سمعه، فهذا أمر عظيم، وأجر عظيم عند الله لأنه بلغ العلم. ثم قال: «ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا»: إخلاص العمل لله، لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا، أي لا يخلو قلب العبد منها، لا يخلو قلب العبد منها، فإنه إن لم تكن فيه فهي خسار عليه، فهي خسار عليه، فلابد أن تكون فيه هذه الصفات. إخلاص العمل لله: أن يخلص أعماله لله جل وعلا، ما يعمل عمل إلا بإخلاص. ومناصحة ولاة الأمر: أن يناصح ولاة الأمر، كيف هنا؟ قال: لا يغل عليهن قلب مسلم، وذكر مناصحة ولاة الأمر، هل هو من أعمال القلب؟ المراد أنه يضعه في نيته، يضع هذا الأمر في نيته، في حسبانه أنه متى وجد فرصة للنصيحة نصح، يناصح ولاة الأمر إذا وجد فرصة واستطاع أن يدخل على أحدهم نصح، فإن لم يفعل فهي تبقى في قلبه، لا ينبغي له أن يحرش على حكام المسلمين، يحرش الناس ويتكلم في المنابر عليهم، هذا ليس من منهج أهل السنة. وإنما إن استطعت أن تدخل على هؤلاء فتنصحهم، وإلا فالأولى لك أن تسكت. قال: «ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم»، أن يلزم جماعة المسلمين، ويدعو إلى الله عز وجل معهم، لا ينبغي له أن ينفرد إلا إذا لم تكن هناك جماعة ولا إمام، فلا جماعة إلا بإمام، ولا إمام إلا بجماعة، فيبقى مع الإمام والجماعة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لحذيفة. فلما قال: فإن لم يكن هناك إمام ولا جماعة، قال: «فاعتزل تلك الفرق ولو أن تعض على جذع شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». فإذا لم توجد الجماعة فلا بأس أن الإنسان ينفر، لأن عدم وجود الجماعة وعدم وجود الإمام الذي يجمعهم، لا شك أنها ستكثر الحروب والقتل بين الناس، وعدم الأمن، فإذا خرج الإنسان ونجى بنفسه حتى لا يقع في دم مسلم أو ينتهك عرض مسلم، فيخرج يفر بدينه من الفتن. طيب إن شاء الله أن نقوم بباقي الحديث في درس لاحق، فنكتب في هذا. والله تعالى شكرا للمشاهدة.