شرح الأصول من علم الأصول 27

الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 27، الدرس السابع والعشرون:من( القسم الثالث:أن يكون التعارض بين عام وخاص ... ويقدم من القياس الجلي على الخفي ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في التعارض بين النصوص الشرعية

يناقش كيفية التعامل مع التعارض بين النصوص الشرعية وتخصيص العموم بالخصوص. يقدم أمثلة على تعارض الأحاديث حول بعض الأحكام.

ترتيب الأدلة الشرعية وتعارضها

يتناول ترتيب الأدلة الشرعية وكيفية التعامل مع تعارضها، حيث يشرح الجمع بين الأدلة المتعارضة والترجيح بينها عند عدم إمكان الجمع.

قواعد ترجيح الأدلة الشرعية

يتناول قواعد ترجيح الأدلة الشرعية عند التعارض مثل تقديم المنطوق على المفهوم والمثبت على النافي، مع تقديم أمثلة من الأحاديث النبوية.

ترجيح القياس الجلي على الخفي

يشرح أن القياس الجلي أقوى من القياس الخفي لذا يقدم عليه، ويشير إلى طرق أخرى لترجيح القياسات المذكورة في كتب الأصول والحديث.

التفريغ النصي الكامل

القسم الثالث أن يكون التعارض بين عام وخاص، فيخصص العام بالخاص. مرة في القسمين السابقين: قسم الأول تعارض دليلين عامين، قسم الثاني تعارض دليلين خاصين. في هذا القسم الثالث أن يكون التعارض بين عام وخاص، أحدهما عام والآخر خاص، فيخصص العام بالخاص. قال مثاله: قوله صلى الله عليه وسلم فيما سقط من السماء العشر، وقوله «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» فيما سقط من السماء العشر أيضا. الأول في «صحيحي» عمر، والثاني عند أبي سعيد كذلك في «الصحيحين». فالأول فيه بيان أن الزكاة تجب فيما سقط من السماء، يجب إخراج العشر، سواء كان قليلا أو كثيرا، سواء كان هذا الزرع قليلا أو كثيرا. بحيث أبي سعيد أن الزكاة لا تجب إلا فيما كان خمسة أوسق فما فوق، وأن دون الخمسة أوسق فليس فيها زكاة. فالأول يجب الزكاة فيها، وحيث الثاني يجب الزكاة فيما زاد على الخمسة الأوسق. الأول عام فيما سقط من السماء العشر، والثاني خاص. قال: فيخصص الأول بالثاني، ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق. يعني نخصص عموم الأول بالثاني، فنقول: فيما سقط من السماء العشر إذا كان خمسة أوسق فما فوق، أما إن كان دون خمسة أوسق ليس فيها زكاة. قال: القسم الرابع أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه، فله ثلاث حالات. قال: الأول أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر، فيخصص به. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: فالأولى خاصة في المتوفى عنها، عامة في الحامل وغيرها. والثانية خاصة في الحامل، عامة في المتوفى عنها وغيرها. الآية الأولى خاصة في المتوفى عنها؛ لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فالآية نص خاصة بالمتوفى عنها زوجها، وهي عامة في الحامل وغيرها؛ لأن «الذين» اسم موصول، والأسماء الموصولة تفيد العموم. وهكذا أيضا «يذرون أزواجا» نكرة في سياق الإثبات، فتدل على الإطلاق، فيشمل الزوجة الحامل وغير الحامل. فهي خاصة في المتوفى عنها، وعامة في الحامل وغيرها. قال: والثانية خاصة في الحامل؛ لأنه قال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، هذه خاصة بالحامل؛ أن أجلها أن تضع حملها. قال: خاصة في الحامل، عامة في المتوفى عنها وغيرها؛ يعني أن ذات الحمل عدتها بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة أو غير ذلك. فهي عامة من وجه، وخاصة من وجه. قال: لا بد من قيام دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر. قال: لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأولى بالثانية؛ يعني تخصيص الآية الأولى ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ بالآية الأخرى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾. فإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملا، فإن عدتها تنتهي بوضع حملها. قال: وذلك أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج. وعلى هذا، فتكون عدة الحامل إلى وضع الحمل، سواء كانت متوفى عنها أم غيرها. فدل حديث سبيعة الأسلمية على تخصيص عموم الأولى بالثانية. فإذا كانت المتوفى عنها حاملا، فعدتها بوضع حملها. أو نقول بشكل عام: أن عدة الحامل بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة أو مختلعة أو غير ذلك؛ لقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وقد ذهب بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كابن عباس وعلي بن أبي طالب إلى الجمع بين الآيتين؛ بأنها تعتد بأبعد الأجلين. تعتد بأبعد الأجلين؛ جمعا بين الدليلين. يعني إذا كان الأبعد هو الحمل، تعتد بالحمل، وإن كان الأبعد هو عدة المتوفى، فتعتد بعدة المتوفى عنها زوجها؛ عملا بالدليلين. وهذا القول قوي. لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأول بالثاني، وهذا الذي عليه جمهور العلماء. قال: الثاني: إن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر، عمل بالراجح. إذا لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر، هنا يعمل بالراجح منهما. قال: مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» حديث أبي قتادة في «الصحيحين». وقوله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» حديث أبي سعيد؛ كذلك في «الصحيحين». قال: فالأول خاص في تحية المسجد، عام في الوقت. يعني أنه يصلي في أي وقت، وهو خاص في تحية المسجد. قال: والثاني خاص في الوقت، عام في الصلاة؛ يعني «لا صلاة في هذا الوقت: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس»، وهو عام يشمل تحية المسجد وغيرها؛ يشمل كل صلاة؛ أنه ما تصلى في وقت النهي. قال: لكن الراجح تخصيص عموم الثاني بالأول؛ فتجوز تحية المسجد في الأوقات المنهي عن عموم الصلاة فيها. وهذا الترجيح على القول بأن تحية المسجد مستحبة -على قول الجمهور- وإلى القول بالوجوب؛ فإن حديث أبي هريرة يكون مخصصا لحديث أبي سعيد. قال: فتجوز تحية المسجد في الأوقات المنهي عن عموم الصلاة فيها. وإنما رجحنا ذلك؛ لأن تخصيص عموم الثاني قد ثبت بغير تحية المسجد: قضاء المفروضة، وإعادة الجماعة. فعمومه يقول: هنا نرجح حديث أبي قتادة؛ يعني تقديم تحية المسجد في جميع الأوقات. وذلك؛ لأن تخصيص عموم الثاني قد ثبت بغير تحية المسجد. عموم حديث أبي سعيد «لا صلاة بعد الصبح» قد خص بأدلة أخرى غير تحية المسجد؛ منها قضاء المفروضة؛ إذا صلى الإنسان مثلا الظهر بغير وضوء، ثم ذكر بعد العصر، فإنه يصليها بعد العصر؛ يكون فعلها في وقت النهي. وهذا مخصص للعموم النهي. وكذلك أيضا من نام عن الصلاة ونسيها، فليصلها إذا ذكرها في وقت العصر، فإنه يصليها. وهذا تخصيص لعموم النهي، أو عموم الصلاة في هذا الوقت. وكذلك أيضا إعادة الجماعة؛ لو صلى مثلا في رحله وبيته، ثم جاء إلى المسجد ووجد أن يصلون الفجر، فإنه يصلي معهم. نافلة كانت في حديث يزيد بن الأسود. فهذه كلها مخصصات لعموم حديث أبي سعيد. كما سيأتي: أن العموم إذا خص؛ فإن عمومه يضعف، لا يكون كالعام الذي لم يخص منه شيء. وعلى هذا، فكما قلنا: يرجح حديث أبي قتادة؛ بأنه يصلى تحية للمسجد في هذه الأوقات المنهي عنها؛ يعني بعد العصر، وبعد الصبح قبل طلوع الشمس؛ لأن عمومها محفوظ؛ فيكون أقوى. قال: الثالث: إن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني، وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه، والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها. يعني مثلا: صلاة الضحى أو تحية المسجد في وقت الضحى؛ صلاة تحية المسجد في وقت الضحى هذا لا معارضة فيه؛ لأنه ليس وقت نهي؛ فيعمل بكل منهما في وقته. يعني صلاة تحية المسجد في غير وقت النهي؛ كوقت الضحى. ويبقى وقت النهي لا يصلى فيه. قال: لكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على وجه لا يمكن فيه الجمع، ولا النسخ، ولا الترجيح؛ لأن النصوص لا تتناقض، والرسول صلى الله عليه وسلم قد بين وبلغ. ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد؛ لقصوره. يقول رحمه الله: ما يمكن التعارض بين النصوص؛ يعني تعارضا حقيقيا؛ لا يمكن الجمع بينهما بأي صورة من صور الجمع؛ لا الجمع، ولا الترجيح، ولا النسخ؛ هذا ما يمكن؛ لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ وبين. وإذا وجد تعارض ما، أمكن بينهما الجمع، ولا الترجيح، ولا النسخ؛ كان هذا مناقضا لحصول البلاغ والبيان؛ مناقض لحصول البلاغ والبيان؛ فلهذا لا يمكن أن يوجد تعارض. ما يمكن معه الجمع بأي وجه من وجوه الجمع بين الأدلة المتعارضة. لكن هذا قد يحصل بحسب نظر المجتهد؛ يعني أنه يتوقف بحسب نظره؛ إما لقصور علمه، أو لقصور فهمه؛ لقصور علمه، أو لقصور فهمه. فقد يخفى عليه شيء من الأدلة التي يستطيع بها أن يرجح بين هذين دليلين. أو يكون عنده قصور في الفهم؛ فلا يستطيع الجمع بين هذين الدليلين؛ فيظن أن بينهما تعارضا. قال رحمه الله: ترتيب الأدلة. قال: إذا اتفقت الأدلة السابقة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس -وهذه هي الأدلة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس- لكن مصادر التشريع: الكتاب والسنة فقط. إذا قيل: ما هي مصادر التشريع؟ فهي الكتاب والسنة. وإذا قيل: ما هي الأدلة التي يستدل بها المجتهد؟ فالكتاب والسنة والإجماع والقياس. قال: إذا اتفقت الأدلة السابقة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس على حكم، أو انفرد أحدهما من غير معارض؛ وجب إثباته. يعني وجب إثبات هذا الحكم؛ سواء اتفقت الأدلة كلها على إثباته، أو انفرد أحدها -يعني من الفرد الكتاب، والقرآن- بإثبات هذا الحكم، أو الفرد السنة بإثبات هذا الحكم، أو الإجماع والقياس؛ وجب إثبات هذا الحكم. قال: وإن تعارضت، وأمكن الجمع؛ وجب الجمع؛ كما مر معنا في أوجه الجمع. ولأن الجمع إعمال لكل الدليلين، وإعمال كلا الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فالنسخ والترجيح هو إهمال لأحد الدليلين. فإذا أمكن الجمع؛ وجب الجمع. فإن لم يمكن؛ قال: عمل بالنسخ؛ ننظر إلى المتقدم والمتأخر؛ فالمتأخر ناسخ للمتقدم. قال: وإن تمت، يعني شروط النسخ. قال: وإن لم يمكن النسخ؛ وجب الترجيح. يعني ما أمكن النسخ لعدم علمنا في التاريخ المتقدم والمتأخر؛ هنا يرجح بين الدليلين. قال: فيرجح من الكتاب والسنة: النص على الظاهر. يعني إذا تعارض دليلان من الكتاب والسنة، أحدهما نص والآخر ظاهر؛ فيقدم النص على الظاهر. أو هكذا أيضا كان في باب الاستدلال؛ إذا كان في باب الاستدلال كذلك؛ فإنك تقدم النص؛ لأنه أقوى من الظاهر. في النص: ما لا يحتمل إلا معنى واحد. وأما الظاهر: فهو ما دل عليه بنفسه راجح، ما احتمال معنى مرجوح. فالنص أقوى من الظاهر. مثلا: زكاة الحلي جاء فيها النص، وجاء فيها دليل الظاهر. النص مثلا: حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمرأة التي كانت معها ابنتها ومعها مسكتان من ذهب «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أتحبين أن يصورك الله بهم أساور من نار؟» وحديث مسلمة بن مخلد «كان له أوضاح من ذهب» قالت: يا رسول الله، كنز هو؟ قال: «إذا أديت زكاته، وفريت بكنزه» فهذا نص على وجوب زكاة الحلي. وهناك دليل ظاهر؛ وهو دليل العام: حديث أبي هريرة في «الصحيحين» «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها» إلى آخره. فهنا تستدل بالدليل الذي فيه نص على المسألة؛ لأن الدليل العام قد يعارضك معارض؛ بأنه مخصوص؛ بأنه مخصوص بما ورد في عدم وجوب الزكاة. فاستدلال بالنص هنا أقوى. قال: والظاهر على المؤول. كذلك أيضا: تقدم الظاهر على المؤول. مثلا: «لا نكاح إلا بولي» حديث أبي موسى -رضي الله عنه- مع قول النبي صلى الله عليه وسلم «الثيب أحق بنفسها من وليها». فحديث أبي موسى «لا نكاح إلا بولي» يدل على أنه لا بد للنكاح من ولي، وهذا يشمل البكر والثيب. ظاهره يشمل البكر والثيب. وحديث أبي هريرة «الثيب أحق بنفسها» فيه أن الثيب تملك نفسها، ولها أن تزوج نفسها. وهنا يقدم الظاهر؛ وهو حديث أبي موسى؛ أنه «لا نكاح إلا بولي»؛ فلا بد في النكاح من ولي، ولو كانت ثيبا؛ لا بد من ولي يعقد لها. وهذا الحديث «الثيب أحق بنفسها» مؤول. فالمراد: الثيب أحق بنفسها من وليها؛ يعني أن وليها لا يملك إجبارها على النكاح بمن لا تريد؛ وليس المراد أحق بنفسها أنها تزوج نفسها؛ بل لا تتزوج إلا بالولي؛ كما في الحديث «لا نكاح إلا بولي». فحديث «لا نكاح إلا بولي» أقوى من حديث «الثيب أحق بنفسها»؛ فيقدم عليه. قال: والمنطوق على المفهوم. كذلك: يقدم المنطوق على المفهوم؛ إذا تعارض دليلان أحدهما منطوق والآخر مفهوم؛ فيقدم المنطوق. مثال ذلك: حديث أبي سعيد في «السنن» «الماء طهور لا ينجسه شيء». وحديث ابن عمر -كذلك في السنن- «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». فحديث أبي سعيد فيه: أن الماء طهور لا ينجسه شيء؛ لا ينجس مهما وقع فيه من نجاسة. وحديث ابن عمر فيه: أن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث. ومفهومه: أنه إن كان دون القلتين؛ فإنه يحمل الخبث؛ يحمل الخبث. هذا الآن معارض. حديث أبي سعيد: أن الماء طهور لا ينجسه شيء؛ سواء كان قليلا أو كثيرا. وهذا مفهومه: أن الماء إذا كان دون القلتين؛ فإنه يحمل الخبث. قال: الأئمة العلماء يقدمون المنطوق على المفهوم. حديث أبي سعيد منطوق؛ منطوقه: يعني ما دل عليه اللفظ في محل النطق؛ دل اللفظ في محل نطقه على أن الماء طهور لا ينجسه شيء. وأما حديث ابن عمر؛ فمفهومه: أن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث. والمنطوق أقوى من المفهوم؛ أقوى من المفهوم؛ فيقدم عليه. يقدم حديث أبي سعيد على حديث ابن عمر. ومع ذلك فهو مخصوص؛ حديث أبي سعيد بالإجماع؛ على أنه إن تغير تحت أصفه ثلاثة بنجاسة؛ فهو نجس. قال: والمثبت على النافي. كذلك أيضا: يقدم في وجه من وجوه الترجيح: المثبت على النافي. المثبت على النافي. مثلا: حديث حذيفة «أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم، فبال قائما» وفي «الصحيحين». وحديث عائشة «من حدثكم أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما؛ فقد كذب» وهم في «الصحيحين». فعائشة الآن تنفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم بال قائما. وحديث حذيفة يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم بال قائما. وهنا يقدم حديث حذيفة؛ لأنه مثبت. وحديث عائشة نفي. والمثبت مقدم على النافي؛ لأن مع المثبت زيادة علم. فعائشة -رضي الله عنها- لم تعلم بما علم به حذيفة. قال: والناقل عن الأصل على المبقي عليه؛ لأن مع الناقل زيادة علم. يعني كذلك: يقدم في الترجيح: الناقل عن الأصل على المبقي على الأصل. كما مر معنا بالأمس في حديث بسرة بنت صفوان «من مس ذكره فليتوضأ». وحديث طلق بن علي «إنما هو بضعة منه». حديث بسرة ناقل عن الأصل. وحديث طلق بن علي مبقي على الأصل. فيقدم حديث بسرة. وبعض العلماء جمع بين الحديثين؛ ولم يرجح بينهما؛ بل جمع بينهما بجمع. وهو أن يحمل حديث بسرة على الاستحباب، وحديث طلق على عدم الوجوب. أو يحمل حديث بسرة على المس بشهوة، وحديث طلق على عدم المس. أو على المس بغير شهوة. وهذا ما أرجحه شيخ الإسلام ابن عثيمين -رحمه الله-. وهذا القول أرجح وأقرب في الجمع بين الحديثين. قال: والعام المحفوظ -وهو الذي لم يخصص- على غير المحفوظ. يعني: يقدم العام المحفوظ على العام غير المحفوظ. ومعنى المحفوظ: هو الذي لم يخصص؛ يعني لم يدخله تخصيص؛ فهو باق على عمومه؛ لم يخص منه شيء. فالعام الذي يخص؛ فإن عمومه يضعف. بل بعض الأصوليين يقول: يبطل عمومه بالكلية. وهذا يشبه صحيح. بل يبقى عمومه الذي لم يخص، ويخرج منه الصور التي حصل فيها التخصيص. مثال ما مر معنا في حديث أبي قتادة «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» هذا عام محفوظ؛ لم يخص منه شيء. وحديث أبي سعيد «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» هذا عام غير محفوظ؛ لأنه خصوص منه مخصات كثيرة؛ كما مر ذكرها قبل. فيقدم العام المحفوظ على العام غير المحفوظ؛ لأنه أقوى منه. قال: وما كان صفات القبول فيه أكثر؛ على ما دونه. يعني في الترجيح كذلك: يقدم ما كان فيه صفات القبول أكثر. مثلا: دليلان تعارض أحدهما رواته ثقات، والآخر رواته دون ذلك. مثلا: من رواة الحديث الحسن: صدوق لا بأس به. والأول ثقة؛ كلهم ثقات. فالأول يقدم؛ لأنه رواته أصح. أو مثلا: أحدهما خارج «الصحيح»، والآخر في «الصحيح»؛ هذا في مسلم، أو في البخاري. والآخر المعارض له في «السنن». فيقدم ما في «الصحيحين»، أو في أحدهما؛ لأنه فيه من صفات القبول ما هو أكثر من الآخر. قال: وصاحب القصة على غيره. يعني: يقدم صاحب القصة على غيره إذا حصل تعارض. مثاله: ما مر معنا بالأمس: حديث ميمونة، وحديث ابن عباس. حديث ميمونة: أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. وحديث ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم. قدم حديث ميمونة؛ لأنها صاحبة القصة، وهي أدرى بما حصل لها. وكما يقال: «صاحب البيت أدرى بما فيه». و«أهل مكة أدرى بشعابها». قال: ويقدم من الإجماع القطعي على الظني؛ لأنه أقوى منه. وهكذا: يقدم من القياس الجلي على الخفي؛ لأن القياس الجلي أقوى من القياس الخفي. فالقياس الجلي: ما كان معلوما، أو ما علمت علته بنص أو إجماع، أو قطع فيه؛ منفي الفارق بين الأصل والفرع. وأما القياس الخفي: فهو عبارة عن استنباط. فالقياس الجلي أقوى؛ فيقدم على الخفي. وهناك أيضا طرق أخرى لترجيح كثيرة جدا؛ تذكر في الكتب المطولة؛ في كتب الأصول والحديث؛ فيرجع إليها.