شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 35

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 35

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 35، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

منهج الإلبيري في النصيحة باللين والثناء على المنصوح

يشرح المحاضر أسلوب الإمام الإلبيري في نصيحة الشاب أبي بكر بالثناء عليه وإشعاره بالخير قبل التنبيه على الخطأ، مستدلاً بقصة موسى وهارون مع فرعون وأمر الله لهما بالقول اللين. ويؤكد أن الأسلوب الحسن والكلمات الطيبة سبب لقبول النصيحة، بينما اللوم الشديد يدفع المنصوح للتمادي والعناد.

آداب النصح وأسلوب التوجيه النبوي بالرفق والمودة

يبرز المقطع أهمية تقديم النصيحة بأسلوب لطيف يسبقها الثناء وإظهار المحبة، مستشهداً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر. ويؤكد بالآيات القرآنية على وجوب قول الحسنى للناس وترك الأساليب الهجومية في الدعوة والتعليم.

توجيه النبي لفاطمة وعلي بالتسبيح عوضاً عن الخادم والتحذير من الزور

يروي المقطع قصة طلب فاطمة رضي الله عنها خادماً من النبي صلى الله عليه وسلم، فأرشدها وزوجها علياً إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم بوصفه خيراً من خادم، والتزم علي بذلك حتى في ليلة صفين. ثم ينتقل الحديث إلى مدح السيرة الحسنة والتحذير من ميدان الزور الذي فُسِّر بالكذب والباطل والمنكر مستشهداً بآيات الفرقان.

ختم الدرس ببيتين من الشعر والصلاة على النبي

اختتم المتحدث الدرس بذكر بيتين من الشعر يصفان طهارة السيرة وسلامة الصدر، ثم ختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وأشار في الختام إلى ترجمة نانسي قنقر للمحتوى.

  • 20 جمادى الأولى 1445هـ - 02/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: «وأنت الآن لم تعرف بعيب وأنت الآن لم تعرف بعيب ولا دنست ثوبك منذ نشأت فإن لم تنَ عنه نشبت فيه ومن لك بالخلاص إذا نشبت أو قبله ولا سابقت في ميدان زور زور ولا أوضعت فيه ولا خببت». أورد رحمه الله تعالى هذه الأبيات ضمن هذه المنظومة السلسة العظيمة، التي فيها من النفع والفائدة الشيء الكثير، وهكذا فيها من الحكم والمواعظ والآداب الشيء الكثير. ف هنا عاد الناظم رحمه الله تعالى بالنصح لذلكم الشاب الذي يكنى بأبي بكر، مستخدماً معه أسلوباً جميلاً في النصيحة. والنصيحة يا إخوان حقيقتها بذل أو إرادة الخير بالمنصوح، ولهذا ينبغي على من أراد أن ينصح أن يختار الأسلوب الحسن والعبارة الطيبة التي تكون سبباً لقبول هذه النصيحة. فربنا عز وجل أرسل موسى وهارون إلى فرعون، قال: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 24]، ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. لماذا يا رب؟ قال: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. ولهذا دخل أحدهم على بعض خلفاء بني أمية، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني ناصحك ومغلظ عليك في النصيحة، فلا تجد في نفسك علي. قال: لماذا؟ لماذا أي لماذا هذا الأسلوب؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. فالناظم يا إخوان تعلم منه فائدة، وهو أننا ننتقي أحسن الألفاظ وألطفها ونقدمها إلى المنصوح، عسى ولعل أن يتقبل هذه النصيحة، وإلا فإن المنصوح قد لا يقبل، ويعتبر هذه النصيحة نوعاً من التوبيخ الذي لا يرضى أن يستمع إليه. فالأسلوب الذي استخدمه الإلبيري رحمه الله تعالى هو الثناء على المنصوح، وإشعاره بأنه لا يزال على خير، وأنه لا زال في طريق السلامة والعافية والنجاة، حتى لو كان الناصح يعرف من المنصوح، أو أن عند المنصوح شيئاً من التقصير وشيء من الإساءة. فينبغي يا إخوان ماذا؟ أن نعطي المنصوحين شيئاً من الأمل. أتيت إلى واحد وتقول له: أنت الآن أصبحت منحرفاً، أنت الآن في عداد الضلال، أنت الآن فاسق مجرم، لا بد تتوب إلى الله عز وجل وترجع عن غيك. هذا أسلوب نصح يا إخوان، هذا يجعله يتمادى ويتجرأ. لكن غير الأسلوب، قل له: ما شاء الله، أنت لا تزال في خير، وأهلك من أهل الخير، وما شاء الله لك مواقف طيبة، الناس تذكرك بها، لكن هذه الأشياء التي ظهرت حبذا لو غيرتها، يا حبذا لو أنك تركتها، فذلك يعتبر نوراً على نور وخيراً إلى خير. فهذا الأسلوب يا إخوان أدعى إلى قبول النصيحة، وهو من الآداب العظيمة في النصح. وكذلكم أيضاً مما يذكر في هذا الباب يا إخوان، قول النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: قال له: «والله إني لأحبك، فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». لاحظوا ماذا قدم قبل النصيحة: «إني لأحبك». فقالها النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من خيار أصحابه. فمن هو؟ فمن هو يا أبا محمد؟ عندك صلاة الرسول يقول لأحد أصحابه: «إني لأحبك، فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». من هو؟ أنت قلت كلمة فما أدري ما هي. أحسنت، إجابة صحيحة: معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. كان من الممكن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا معاذ انتبه، يا معاذ انتبه، قبل أو ماذا؟ قبل أن تسلم أو بعد السلام قل: اللهم إني، أو اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ممكن يا إخوان، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا النصح والتوجيه والتعليم. حتى في التعليم يا إخوان، في إلقاء الدروس، أو حين أن تخطب جمعة، أو تلقي موعظة: إياك أن تقابل الناس بالأساليب الهجومية. أنتم ومنهم من يفعل، فالناس عندها أحاسيس ولديها مشاعر. حاول أن تتلطف معهم، وتقدم لهم هذه النصائح وهذه التوجيهات بأسلوب حسن وعبارة جميلة لطيفة. فماذا؟ كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]. لو هناك حسن وأحسن فخذ الأحسن، واترك الحسن. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ»، «لَوْ كَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ». ماذا قال ابن عمر بعد هذه النصيحة يا أبا محمد؟ ما ترك قيام الليل منذ أن سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. منذ أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم، تأتي فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتكت من ماذا؟ من كثرة الأعمال المنزلية. فسمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه سبي أو نحوه، فأتت إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب منه خادماً يقوم بخدمتها، فلم تجده، فرجعت إلى بيتها. فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر أن فاطمة جاءت، فماذا؟ فأتى إلى بيتها، فوجدها هي وزوجها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فذكر لها حاجتها، فكأن فاطمة خجلت واستحيت، فذكر علي حاجتها. فانظر ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم: يستطيع أن يعطيها عشراً من الخدم، لكن هنا يا إخوان ينظر ما هو الأصلح لها. فقال: «إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ، خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ». علي رضي الله تعالى عنه يخبر أنه ما تركها، قيل: ولا ليلة صفين؟ كيف ليلة صفين؟ ليلة شديدة، حين أن قامت الحرب بين معاوية ومعه أهل الشام، وعلي ومعه أهل العراق، معركة صفين. قال: ولا ليلة صفين، أي أنه ما ترك ذلك، أي أنه ما ترك ذلك. فإذن يا إخوان، هذا من الآداب العظيمة التي ينبغي مراعاتها. هنا يقول: «وَأَنْتَ الْآنَ لَمْ تَعْرِفْ بِعَيْبٍ»، يعني: عادت سمعتك طيبة، وما سمعنا عنك إلا كل خير. «وَلَا دَنَّسْتَ ثَوْبَكَ مُذْ نَشَأْتَ»، وأنت ما شاء الله على خير وعلى صلاح وعلى استقامة. فهذا أسلوب عظيم يا إخوان. قال: «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ وَلَا أَوْضَعْتَ فِيهِ وَلَا خَبَبْتَ». يعني بذلك أنه لم يحدث منك أنك سابقت في ميدان زور. وما هو المقصود يا إخوان بالزور؟ ما هو المقصود بالزور عندك أبا أحمد؟ ألست معنا؟ معنا. طيب، يقول: «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ»، إيش الزور هذا؟ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72]، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72]. وإذا... نعم عندك فما هو الزور؟ نعم يا أبا أحمد قلها ولا تخف. الكذب؟ أحسنت، الكذب. وهكذا المنكر. وهكذا المنكر. يقول له: أنت لم نعرف أنك كنت من الذين يسيرون في طريق الزور والكذب والمنكر، والمنكر لا ببطء ولا بسرعة، ولا بسرعة. والمراد قلنا بالزور ها هنا هو اللغو والباطل والكذب والمنكر والفسوق وغيرها من هذه الأمور القبيحة، غيرها من هذه الأمور القبيحة، كما في قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. وهذا كله يا إخوان فيه من التلطف ما فيه مع هذا المنصوح، مع هذا المنصوح. نعم، كم بيتاً أخذنا يا أبا عبد الله؟ كم بيتاً أخذنا؟ ها، كم؟ ما أسمع... ثلاثة؟ غالطناك فغلط، وقد كانت إجابتك الأولى صحيحة. نعم، اثنين. نعم، أخذنا بيتين، اثنين: الأول: «وَأَنْتَ الْآنَ لَمْ تَعْرِفْ بِعَيْبٍ وَلَا دَنَّسْتَ ثَوْبَكَ مُذْ نَشَأْتَ»، والبيت الثاني: «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ وَلَا أَوْضَعْتَ فِيهِ وَلَا خَبَبْتَ». فنكتفي بهذا. صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله. ترجمة نانسي قنقر.