الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 33، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع كيف تؤدي الذنوب والمعاصي إلى تدني مكانة العبد وسقوط هيبته بعد رفعة، مستشهداً ببيت الناظم الإلبيري وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الذلة والصغار. وتؤكد آية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أن المعاصي تنزل منزلة العبد عند الله وعند الناس فتذهب كرامته.
يفسر المتحدث الفرق بين الثرى والثريا تشبيهاً لحال المذنب والمطيع، مبيناً أن المعاصي تسلب الهيبة فيجرؤ الصغار والبهائم على المذنب. وتؤدي المعاصي أيضاً إلى سلب البركة من الرزق والعبادة والجسد والمال والزوجة والأولاد.
تهين المعاصي صاحبها وتذهب حياءه وتحرمه العلم وتورثه الضيق والحزن، بينما ترفع الطاعة العبد وتقربه إلى الله بالعلم والإيمان والأخلاق الحسنة. ويبين النص أن الله يرفع بأهل الطاعة من لم يكن لهم نسب أو مال، ويضع أهل المعصية وإن كانوا في علو.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويختم بالحمد لله رب العالمين مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمجلس العلمي بالدعاء والثناء على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى: «وتهوي بالوجيه من الثرية وتبدله مكان الفوق تحت» «وكما الطاعات تبدلك الدراري وتجعلك القريب وإن بعدت». أورد رحمه الله تعالى هذين البيتين ضمن أبيات هذه المنظومة. وهنا رحمه الله تعالى بعد أن حذر من المعايب والذنوب والخطايا، أخبر رحمه الله تعالى عن عاقبة هذه المعايب وهذه الذنوب والخطايا، فأخبر رحمه الله تعالى أن هذه المعايب والذنوب والمعاصي تهوي بصاحبها، تهوي بصاحبها بعد أن كان رفيعًا، وبعد أن كان وجيهًا، وبعد أن كان شريفًا، فتجعله في السفلة والأذلة، تجعله في السفلة وفي الأذلة. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول كما في مسند أحمد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله ولا يُشرك به شيء، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم». فمن مساوئ هذه الذنوب وهذه المخالفات وآثارها السيئة على الأفراد أنها تسقط هيبة الشخص، وتنزل من منزلته وكرامته عند الناس، وهكذا أيضًا عند الله تبارك وتعالى، عند الله تبارك وتعالى. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. وعن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمُعتقها أو مُوبقها، فمُعتقها أو مُوبقها». وعبر عن هذا الناظم رحمه الله تعالى في هذا البيت فقال: «وتهوي بالوجيه»، أي بالإنسان المحترم، الإنسان الرفيع، الإنسان الشريف الذي نال بين الناس منزلة عظيمة، تهوي به هذه العيوب من الثرية، من الثرية. والثرية: قيل مجموعة من النجوم في صورة الثور، أكذا عبر بعضهم، هكذا عبر بعضهم. وإذا أطلق النجم فماذا قد يصبح علمًا على الثرية؟ إذا قيل النجم فغالبًا إذا أطلق يراد به الثرية، وذلك لشهرتها ولظهورها الأكثر بين النجوم الأخرى، تبرز بروزًا عظيمًا بين النجوم الأخرى، ويضرب بها المثل في العلو، ويضرب بها المثل في البهاء والحسن. ولهذا يقال: أين الثرى من الثرية؟ يكمل آت يا أبا إيمان: أين الثرى من الثرية؟ فما هو الثرى وما هي الثرية؟ نعم، من يقول... أنا معذرة، دعوني أختار يا أبا أحمد... نعم عندك: أين الثرى من الثرية؟ وبعضهم يزيد يقول: وأين معاوية من علي؟ لما وقعت الفتنة بين معاوية وعلي قالوا: أين الثرى من الثرية، وأين معاوية من علي؟ فما هو الثرى وما هي الثرية؟ الثرية: النجم، والثرى... ها، ايش كده؟ ما أسمع... تحت الأرض؟ لو حذفت كلمة "تحت" لكان أصوب. ها، التراب؟ نعم أحسنتم. فالثرى يعني التراب، ويطلق في الغالب على التراب المبلل، قد يطلق على التراب المبلل بالماء، وقد يطلق على عموم التراب، فيقال: أين الثرى من الثرية؟ ولهذا يا إخوان، عبارة عن بعض السلف رحمة الله عليهم كانوا يقولون: من كان عنده شيء من الخير فلا يضيع نفسه، فلا يضيع نفسه. بل النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الحور بعد الكور، يحور أي يرجع، بعد أن كان ماذا؟ بعد أن كان الشخص على خير، بعد أن كان الشخص على خير. ولاحظوا بارك الله فيكم، كذلكم أيضًا أن للذنوب والمعاصي آثارًا سيئة كثيرة على الشخص، فمن ذلكم أنها تجرئ الغير عليه، يتجرأ عليه حتى الأطفال الصغار يتجرأ عليه، بعد أن كان له قدر ومكانة، أصبح بعد ذلكم... حلقة لحيته، وأصبح مصب الإزارة، وأصبح لربما مدخنًا أو مخزنًا أو مغنيًا أو غيرها، حتى الأطفال الصغار يقولون: شف هذا كان طوع، شوفوا الآن كيف صار؟ فأصبح لا يُبالى به. فأذه تؤدي إلى جرأة الآخرين عليه. بل ذكر بعضهم حتى أن بعض الحيوانات قد تتجرأ عليه، الحيوان البهيم قد يتجرأ على من كان هذا حاله. وهكذا من هذه الآثار يا إخوان: أنه قد يحرم بركة الرزق، قد يحرم بركة الرزق بهذه المعاصي التي يعملها والذنوب التي يرتكبها. وهكذا أيضًا لربما يحرم بركة الطاعة، ما يجد للعبادة لذة، صلي وهمه أن تنتهي. وهكذا أيضًا لربما يسمع القرآن فلا يتدبر، ويسمع الموعظة فلا يتعظ، وتلقى عليه النصيحة فلا ينتصح. قد يحرم البركة في البدن، تجد جسمه نحيفًا نحيلًا ضعيفًا، وهكذا قواه منهارة. تجد لربما يحرم البركة في المال، كل يوم وهو كما يقال "طفران" ما عنده شيء، كل يوم لربما يسأل الناس، أعطوه أو منعوه، بعد أن كان ممن يضرب به المثل في الغنى والعفاف، في الغنى والعفاف. وهكذا لربما يحرم البركة في الزوجة والولد، زوجته تتنمر عليه، كيف تتنمر عليه يا أبا عبد الله؟ كيف تتنمر عليه؟ تعطيه كلامًا شديدًا... نعم، يقل احترامه، يقل احترامه وقدره حتى في البيت، أولاده لا يحترمونه ولا يقدرونه، بل ربما يرونه عارًا، ويرونه كذلك عيبًا، أن الناس تعيرهم بأبيهم الذي ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾، ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾. زد على هذا أنه يحرم العلم، العلم يحرمه، فنور الله لا يؤتى لعاصي. قد يشعر بوحشة، قد يشعر بوحشة، يشعر بضيق وقلق، يشعر بهم وحزن، سببه أنه ترك الطاعة وإنهمك في المعصية، ترك الخير وإن شغل بالشر، وإن شغل بالشر. وزد على ذلكم أن الحياء قد يذهب من عنده، بعد أن كان حييًّا لربما أصبح جريئًا، وأصبح فاحشًا في القول ومتفحشًا في الفعل، يسب يشتم يلعن، يأتي بالكلام البذيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من أثقل... أو أثقل ما...» النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن من أعظم ما يثقل موازين العبد المؤمن حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذي، الفاحش البذي». وهكذا مفاسد عظيمة. وبعد أن ذكر رحمه الله تعالى كيف أن الذنوب والمعاصي والعيوب تنزل وتهوي بالإنسان من ماذا؟ من الثريا، وتبدله مكان الفوق... ماذا؟ تحت. بعد أن كان فوق أصبح تحت، وأصبح نازلًا، بيّن فضيلة الطاعة والعبادة والخلق الحسن الذي ينتفع به الشخص، قال: «وكما الطاعات... كما الطاعات تبدل كالدراري وتجعلك القريب وإن بعدت». فالمعصية تبعد، والطاعة تقرب، والمعصية تنزل وتهوي، والطاعة ترفع وتعلي، ترفع وتعلي. وصدق الله إذ يقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وهكذا أيضًا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر كما في حديث عمر: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». وتأمل فيما ذكره العلماء في التراجم، تراجم الصحابة وتراجم التابعين وأتباعهم، وهكذا من جاء بعدهم إلى عصرنا هذا، كيف رفع الله أهل الإيمان وأهل العلم، ولو كانوا ليسوا من ذوي الأنساب الشريفة، وليسوا من ذوي الأموال الكثيرة، وليسوا من ذوي غيرها من الأمور التي هي في موازين البشر ومعاييرهم معتبرة، إلا أن الله عز وجل يرفعهم بالعلم، ويرفعهم بالطاعة، ويرفعهم بالإيمان، ويرفعهم بالأخلاق الحسنة، بالأخلاق الحسنة. فالطاعة تعلي وترفع، والمعصية تهين وتذل وتهوي وتنزل صاحبها، وتنزل صاحبها. طيب، نكتفي بهذا، ونسأل المولى جل في علاه أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا الطاعة، وأن يجنبنا المعصية، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.