شرح مقدمة اصول التفسير 10

شرح مقدمة اصول التفسير 10

الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 10، وفيه من قوله ( ومعرفة سبب النزول تعين على فهم الآية ...هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية معرفة سبب نزول الآيات

يؤكد الشيخ على أهمية معرفة سبب نزول الآيات لفهم معناها بشكل صحيح، ويشدد على ضرورة التحقق من صحة أسباب النزول المذكورة في كتب التفسير. معرفة السبب تعين على الفهم ولا تحصر المعنى.

التفريق بين سبب النزول الصريح وغير الصريح وتطبيقاته

يناقش المقطع الفرق بين السبب الصريح وغير الصريح لسبب نزول الآيات القرآنية، ويشرح كيف يمكن أن يُستخدم مصطلح 'نزلت الآية' ليشير إلى سبب النزول أو إلى معنى الآية وحكمها. يبين أن العلماء تنازعوا في اعتبار قول الصحابي 'نزلت الآية بكذا' مسندًا أم تفسيرًا.

حكم قول الصحابي: نزلت الآية في كذا وتوضيح الخلاف فيه

يناقش اختلاف أهل العلم في حكم قول الصحابي: نزلت الآية في كذا، ويبين أن أكثر أئمة الحديث على أنه من قسم المسند إذا صح إسناده وكان صريح الدلالة على سبب النزول. يوضح أن هذا لا يتعارض مع أسباب نزول أخرى للآية نفسها.

توضيح معنى الاختلاف في كلام المفسرين حول أسباب النزول

يوضح أن الاختلاف في كلام المفسرين قد يكون من باب التمثيل والتنوع وليس التضاد، ويبين أن هذا الاختلاف يرجع في النهاية إلى شيء واحد. يشير إلى أن هذا الفهم هو ما أراده الإمام رحمه الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: وهذان الصنفان هنا وقفنا طيب، ومعرفة سبب النزول تعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. ولهذا كان أصح قولي الفقهاء: إنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه وما أيقظها وأثارها، يريد بهذه البقرة. رحمه الله تعالى، التنبيه إلى الاعتناء بسبب النزول؛ لأن الاعتناء بسبب النزول يعين في فهم الآية، لكن كما سبق، ليس معنى ذلك أن معنى الآية محصور بسبب النزول، بل سبب النزول يعين على فهم الآية ولا يحصر المعنى فيه. فكما مر معنا عدد من أسباب النزول التي ذكرت، منها ما ذكر في قصة تميم الداري وعدي بن بداء في نزول قول الله جل وعلا في سورة المائدة: ﴿شَهَادَةً بَيْنَكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ في الآيتين أو الثلاث في سورة المائدة. فإن سبب نزولها يعين على فهم معناها، لكن ليس معنى ذلك أنه منحصر في هذا المعنى المذكور أو هذا السبب المذكور، بل هو على عمومه وعلى ظاهره مما يبطق على كل ما يدخل في معنى هذا اللفظ. فليس هو خاصًا بقضية تميم الداري وعدي بن بداء، بل هو عام. فهذا هو معنى قوله: «أن معرفة سبب النزول تعين على فهم الآية»، لكن ينبغي أن يهتم الناظر في سبب النزول بصحة هذا السبب. ليس كل ما يقال إنه من أسباب النزول فهو صحيح، فما أكثر ما يذكر في كتب التفسير، لكن الصحيح منها قليل وعزيز. فينبغي أن نتحرى هذا وننتبه له. ثم نبه رحمه الله على مسألة تكهنية تقرب هذا الذي أراد أن ينبه عليه، وهي: إذا نوى الحالف، إذا لم يعرف ما نوى الحالف، كأن لا يستحضر شيئًا أو نسي، فلا يدري عن يمينه. يقول: «ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه». ما هيجها وأثارها؟ رجل حلف على يمين، فهنا يقولون له: ماذا تريد بهذه اليمين؟ ماذا نويت؟ هل تريد بها التأكيد أو تريد بها الطلاق أو تريد بها ماذا؟ حتى نعرف ما حكم هذه اليمين، هل فيها كفارة أو ليس فيها كفارة أو يقع في هذا اللفظ الطلاق؟ فينبغي أن يكون على نيته؛ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». فإن قال: أنا ما أدري، أو يحصل كثيرًا أن يقول السائل: أنا ما أدري تلفظت بهذا اللفظ ولا أدري ماذا كانت النية أو لم أكن مستحضرًا لنيتي، إنما خرجت مني هذه الكلمة. فهنا يقول: إن أصح أقوال الفقهاء في مثل هذه المسألة أنه لا يترك الرجل، ولكن ينظر إلى السبب المهيج والمثير لهذه اليمين. فإن كان السبب المهيج واضحًا وظاهرًا أخذ بذلك السبب. فمثلًا لو أن رجلًا حلف بالطلاق على امرأته وذلك في إرادة ضيافة الضيفان، فهل ظاهر هذا الحلف وسبب المهيج له يدل على أنه أراد الطلاق الزوجة أم أراد تأكيد الضيافة؟ الثاني ظاهر، سبب القصة يدل على أنه أراد تأكيد الضيافة؛ لأن زوجته لا علاقة لها بالطلاق، ما دخل زوجته أن تطلق من أجل أن ضيفه أبى أن يأكل من طعامه. فمعرفة السبب المهيج يبين المعنى المراد، وكذلك بعد ذلك حكم هذه المسألة. ففي مثل هذا يقال له: لا تعد لمثل هذا اللغو الذي يوقعك بالحرج وتمل الله منه، وكفر كفارة يمين. كيف عرفنا ذلك؟ وهو قال: أنا ما أدري، هل نويت الطلاق؟ قال: ما أدري، هل نويت شيئًا آخر؟ يقول: ما أدري، أنا تلفظت بهذه اللفظة ولا أستطيع ولا أجزم بأني أريد هذا وأريد هذا. فننظر إلى السبب المهيج، وبه نعرف حكم المسألة. فيقول: إذا كان هذا في مثل هذه المسألة البسيطة ففي معرفة معنى الآية من باب أولى. قال رحمه الله: «وقوله نزلت هذه الآية بكذا يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن هذا داخل في الآية وإن لم يكن السبب». كما تقول: عنيت بهذه الآية كذا. يقول رحمه الله: وهذا تنبيه آخر. والآن نحن في تنبيهات فيما يتعلق بسبب النزول، فنبهنا المؤلف رحمه الله تعالى إلى أنه ينبغي أن تنتبه إلى أن بعض المفسرين قد يقول: «نزلت هذه الآية بكذا» ويريد سبب نزول الآية، وأحيانًا يقول: «نزلت الآية بكذا» ولا يريد سبب نزول الآية، ولكن يريد حكم ومعنى هذه الآية. كأن تقول مثلًا على سبيل المثال: «نزلت آية المواريث في حق الوالدين وما لهما من القسمة». فهل هذا معنى أن سبب نزولها هذا؟ لا، هذا من معانيها ومن أحكامها ومما يفهم من هذه الآية. ليس المراد أن الآية كان من أسباب نزولها هذا المذكور. ويريد بذلك أن نفرق بين سبب النزول الذي هو صريح وسبب النزول الذي هو ليس بصريح. فإذا ننتبه إلى سبب النزول من جهتين: الجهة الأولى من جهة صحة السبب، صحة إسناده. فما كان صحيحًا أخذ، وما لم يكن صحيحًا فإنه يرد ولا يقبل. النظر الثاني: ننظر في معنى هذا السبب المذكور، هل صحيح أن هذا المذكور سبب من أسباب النزول أو أنه ليس من أسباب النزول؟ أي: نزلت الآية بسبب ذلك، ولكنه إنما أراد من ذكر ذلك معنى الآية. ثم قال: كما تقول: «عنيت بهذه الآية كذا»، يعني كأن هذا القائل الذي يقول: «نزلت الآية مثلًا في فلان أو في السرق أو في شارب الخمر أو في آكل الربا»، ليست القضية قضية سبب وإنما المراد معنى الآية: «عنيت بالآية كذا وكذا هذا الشيء المذكور». قال: وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: «نزلت هذه الآية بكذا»، هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ والبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند. وأثروا المسند عندنا بذلك، النسخة الأخرى بالياء: «ألا بذلك مسند»، وهذا الصواب. وأثروا المسانيد على هذا الاستعمال، يعني أنهم يذكرونه من باب المسند كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت لأجله. قال: وإذا عرف هذا، فقول أحدهم: «نزلت في كذا» لا ينافي قول الآخر: «نزلت في كذا»، إذا كان اللفظ يتناولهما كما ذكرنا في التفسير بالمثال. وإذا ذكر أحدهم لها سببًا نزلت لأجله وذكر الآخر سببًا، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب أو تكون نزلت مرتين: مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب. وهذه مسألة ثالثة من مسائل أسباب النزول، وهي: هل قول الصحابي: «نزلت الآية في كذا» من دون أن يقول: إنه كان بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو يذكر شيء من ذلك، بل يقول: «نزلت آية كذا في كذا»، هل هذا من قبيل المسند الذي يسنده إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيؤخذ؟ أو أنه ليس كذلك؟ يقول: اختلف أهل العلم في ذلك، وأكثر أئمة الحديث على أنه من قسم المسند، ونقل ذلك عن إمام البخاري وعن إمام أحمد رحمه الله تعالى من صنيع ولده عبد الله؛ فإنه أدخل ذلك في مسند أبيه. وهذا الذي ذكره رحمه الله هو القول الذي عليه العمل عند أكثر أهل الحديث: أن ما أسنده الصحابي إذا صح إلى الصحابي فهو من قبيل المسند. فهو من قبيل المسند إذا قال الصحابي: «نزلت هذه الآية بكذا وكذا»، فهو من قبيل المسند، لكن بالشرط السابق: أن يكون صحيحًا صريحًا، صحيح الإسناد للصحابي، صريح الدلالة بأن المراد سبب النزول وليس المراد التفسير والمعنى للآية بهذين الشرطين. فإذا توفر هذان الشرطان فإنه عند ذلك يقال فيه بمثل ما هو قول أكثر أهل الحديث، وهو أنه من قسم المسند. ثم نبه رحمه الله تعالى أنه إذا قلنا: إنه مسند، ثم جاء عن صحابي آخر سبب نزول آخر، هذا ليس من باب التعارض، بل لا مانع أن تكون الآية الواحدة لها أكثر من سبب نزول. وقد مر معنا مثال ذلك في الآيات السابقات التي أشار إليها رحمه الله تعالى. قال: «وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات، هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف». يقول الآن: وهذا تنبيه كذلك رابع أو خامس. يقول: «وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير»، وهما: الكسم الأول: التفسير ببعض المعنى، والكسم الثاني: يعني يذكر بعضهم بعض مسميات الاسم العام، أن يذكر بعضهم بعض مسميات الاسم العام. طيب، وذاك الذي مر معنا من قبيل المتواطئ وما كان بمعنى. يقول في هذا التنبيه: بأن أكثر ما يروى عن السلف -أي من الصحابة والتابعين- هو من هذه الأقسام. يقول: «تارة لتنوع الأسماء والصفات»، يعني أن الشيء الواحد له أكثر من اسم وصفة. «وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه»، وهذا النوع الثاني الذي منه أسباب النزول تنوع المسمى والأقسام. وهذا سبب النزول على معنين كما مر معنا: إما نفس سبب النزول تكرر وصح ذلك، وإما أن يكون المراد أن بعضهم أراد سبب النزول حقيقة وبعضهم أراد المثال والمعنى لهذه الآية، فهو كالتمثيل. فهذا معنى قوله رحمه الله: «وتارة لذكر بعض أنواع المسمى». وقلنا: أن الأنواع هي التي تدخل في مسمى واحد وهو الجنس. مثل التمر، تقول: تمر جنس، وتحته تمر برني، تمر سكري، تمر صقعري ونحو ذلك من الأنواع. وهذا الأقسام تقسيمات: أن هذا مثلًا نزل بكذا، وهذا كذلك نزل بكذا. أو كالتمثيلات، يعني المراد بالتمثيلات: مثال من معنى هذه الآية كذا وكذا، أو معنى هذه الآية كذا وكذا مثال. كما مر معنا شيء من ذلك فيما ذكره رحمه الله تعالى في الآيات السابقات. فمثل قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ فإنه ضرب لنا بعض الأمثلة في تفسير بعض ما نقل عن بعض المفسرين. فهذا ليس من باب الحصر ولا من باب الاختلاف، ولكن من باب التمثيل. فإذا علمنا ذلك فبه نستفيد أن ما كان ظاهره الاختلاف من كلام المفسرين فهو في النهاية يرجع إلى شيء واحد يجتمع به، فهو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد. وهذا هو الذي أراده رحمه الله. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين.