الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 31، الدرس الحادي والثلاثون : فيه من قوله ( ثم رواه عن يحيى بن داود عن إسحاق الأزرق ... إذ لو كان باطلاً لرده كما ردهما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُثني الشيخ على مكانة عبد الله بن عباس في تفسير القرآن، ويُشير إلى أهمية الرجوع إلى تفسير الصحابة بعد تفسير القرآن بالقرآن والسنة. يُعتبر ابن عباس من كبار المفسرين لما عاش بعد وفاة ابن مسعود بست وثلاثين سنة، مما أتاح له كسب المزيد من العلم.
يتناول المقطع تقييم السدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن، ويُعتبر صدوقًا يهم، بينما يُعتبر السدي الصغير محمد بن مروان ضعيفًا وكاذبًا. كما يُوضح المقطع ضوابط التعامل مع ما يُنقل عن أهل الكتاب.
يناقش المقطع أقسام أخبار بني إسرائيل الثلاثة ويشير إلى جواز ذكر الخلاف عنهم في الأمور التي لا فائدة في تعيينها، مع التأكيد على عدم جواز الخوض فيما سكت عنه القرآن والسنة.
يفهم الحديث العام بضبطه بالنصوص الأخرى لئلا يكون على إطلاقه، وقد سبق تفصيل ذلك. يُشدد على أهمية الرجوع إلى النصوص الأخرى لفهم الحديث بشكل صحيح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله: ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم له، حيث قال: «اللهم فقه بالدين وعلمه التأويل». والحديث بالصحيحين كما مر معنا، وهذا الدعاء من النبي عليه الصلاة والسلام دليل على أن عبد الله بن عباس ممن يؤتى علم التأويل. قال: وقال ابن جرير، حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: «نعمة ترجمان القرآن ابن عباس». يمتدحه عبد الله بن مسعود، ويقول: «نعمة ترجمان القرآن» -يعني خير من يترجم ويبسر القرآن- عبد الله بن عباس. وهذا يدل على علو منزلة عبد الله بن عباس عند كبار الصحابة، فعبد الله بن مسعود من كبار الصحابة، رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. قال: ثم رواه عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه قال: «نعمة ترجمان للقرآن ابن عباس». ثم رواه عن بن دار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك. فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود، أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وقد مات ابن مسعود لسنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمر بعده ابن عباس ستًا وثلاثين سنة. فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وأراد بهذا أن يؤين علم عبد الله بن عباس. فإذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد أحالوا إلى علم عبد الله بن عباس في تفسير القرآن، فكيف بمن بعدهم؟ هم أولى وأحرى أن يرجعوا إليه، رضي الله عنه وأرضاه. قال: وإذا كانت هذه منزلة عبد الله بن عباس في زمن كبار الصحابة، وكما قال: إنه عمر بعد عبد الله بن مسعود ستًا وثلاثين سنة. فما هو العلم الذي سيكسبه في هذه السنوات الطويلة؟ لا شك أنه سيكسب علمًا كثيرًا. وهذا يدلك على تأكيد ما سبق من أنه يجب الرجوع إلى تفسير الصحابة، وهذا بعد تفسير القرآن بالقرآن والسنة. قال: وقال أبو وائل: استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم -يعني موسم الحج- في خلافة علي، وخطب الناس، فقرأ بخطبته سورة البقرة. وفي رواية: سورة النور، فبسرها تفسيرًا. لو سمعته الروم والترك والتتار -والمراد بالتتار أي الفرس- لأسلموا. قال: ولهذا فإن غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس. يعني حرص السدي الكبير على نقل التفسير عن الصحابة، خصوصًا هذين الرجلين: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس. وأراد بذلك أن يشير إلى أن ما نقل عن هذين الرجلين هو أكثر ما نقل عن غيرهما. قال: ولا يعني ذلك أن كل ما يأتي عنهما فهو الصواب، وقول غيره ليس بصواب. لا، كما مر معنا أن الخلاف منه ما يكون بتفسير ببعض المعنى، على تفصيل سابق مضى الكلام عليه. وأحيانًا قد يكون الذي لم ينقل عنه التفسير الكثير عنده من الحجة ما يكون أقوى من الآخر الذي نقل عنه التفسير الكثير. قال: ولكن السدي الكبير هذا، كما أشار إليه المحقق أو المعلق، بأنه فيه ضعف. ولهذا قال الحافظ بن حجر رحمه الله: «فيه صدوق يهم». والغالب أن الحافظ بن حجر إذا قال عن رجل: «صدوق يهم»، فهو في الشواهد والمتابعات، بخلاف «صدوق وهم». «صدوق وهم» معناه أن الوهم عنده قليل، والأصل هو قبول حديثه إلا ما علم أنه من أوهامه. بخلاف «صدوق يهم». قال بعض أهل العلم: إن هذا في الغالب في الاستشهاد، وجد أنه يكون في الشواهد والمتابعات. وكما هو مبين في كلام العلماء به. أبو حاتم يقول: «يكتب حديثه ولا يحتج به». فلماذا يكتب حديثه ولا يحتج به؟ معناه لا يحتج به منفردًا، ولكن يكتب حديثه للشواهد والمتابعات. قال: وعلى هذا كذلك يحمل قول ابن عدي: «مستقيم الحديث، صدوق». يعني مستقيم الحديث في الغالب، وإلا فله أوهام. لا بد أن يعتبر بغيره. وبمعنى قول يحيى بن معين: «إنه ضعيف». ويوجد سدي آخر، وهذا من باب المناسبة، وسبق الكلام عليه، المسمى بالسدي الصغير، وهو محمد بن مروان. ضعيف، بل كذبه بعض أهل العلم. كذلك يروي عن ابن عباس، ولكن سلسلته كما قال الحافظ بن حجر: «سلسلة كذب». يروي عن الكلبي، السدي الصغير محمد بن مروان يروي عن الكلبي، محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس. قال الحافظ بن حجر: «هذه سلسلة كذب». وقال التوريثي: «إذا حدث الكلبي عن أبي صالح، فهو كذب». فإذا انضاف معهم السدي الصغير، فهي سلسلة الكذب. فننتبه لهذا حتى لا يلتبس السدي الصغير -وهو محمد بن مروان- والسدي الكبير -وهو إسماعيل بن عبد الرحمن-. قال: ولكن ببعض الأحيان ينقل عنهم ما يحبونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». رواه البخاري عن عبد الله بن عمر. ومر معنا الكلام على هذا الحديث في أوائل هذه الرسالة، وكذلك في التفصيل بما ينقل عن أهل الكتاب. والخلاصة: أن ما نقل عن أهل الكتاب، ورده أدلة الكتاب والسنة، فينكر على وجه التحذير. وما ذكر وأقره الكتاب والسنة -يعني ذكر في الكتاب أو في السنة على وجه الإقرار- فلا بأس أن يذكر على وجه الإقرار والاحتجاج. وما لم يذكر بالكتاب والسنة، أو ما لا يوجد بالكتاب والسنة ما يؤيده أو يكذبه، فإنه يتوقف فيه. لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. هذا بما ينقل إلينا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولهذا كان عبد الله بن عمر قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب. وكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث، ومن الإذن بذلك. ولكن أنكر عليه عدد من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يوافقوه على ذلك -أي بالتحديث عن أهل الكتاب-. والصواب التفصيل الذي سبق. قال: ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد. ومعنى الاستشهاد هذا: إذا كان ماذا؟ كما قلنا: أيدته أدلة الكتاب والسنة. وإذا لم تؤيده أدلة الكتاب والسنة، بل تقالبه، فيكثر على وجه التحذير وبيانه أو خطأ. قال: فإنها على ثلاثة أقسام. أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. يعني أخبار بني إسرائيل ثلاثة أقسام. القسم الأول: ما يؤيده ما بأيدينا -يعني من الكتاب والسنة- مما يصحح ذلك المنقول عن بني إسرائيل، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. وهذا ظاهر أنه كذب. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل. فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم. والصواب أن حكايته -كما مر معنا- تجوز بذلك الشرط، ليس يجوز مطلقًا. قال: فقد أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على عمر أنه كان بيده صحيفة. وغالب ذلك من ملابسة إذا دفعت تعود إلى أمر ديني. وهذا يرجح ماذا؟ يرجح التحديد أو التوقف؟ هذا يرجح التوقف. قال: ولهذا يختلف العلماء وأهل الكتاب بمثل هذا كثيرًا. ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون بمثل هذا: أسماء أصحاب الكهف، أي ما هي أسماء أصحاب الكهف؟ ولون كلبهم، وعدتهم -أي عدد أصحاب الكهف-. وعصى موسى من أي شجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم. وتعيين البعض الذي ضرب به المقتول من البقرة: «فاضربوه ببعضها». هل البعض إلى اليد؟ إلى الضلع؟ إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه، تعود على المكلفين في دنياهم ودينهم. قال: فإذا علم ذلك، فلا فائدة من الانشغال بأخبار بني إسرائيل. فإن تلك الأخبار غالبًا ترد في الأشياء التي لا فائدة بها، بل سكت الله عنها لشكمه. فالواجب الاكتفاء بما جاء في القرآن والسنة. قال: ولكن ذكر الخلاف عنهم بذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. فقد اجتمعت هذه الآية الكريمة على الأدب بهذا المقام، وتعليمهم ما ينبغي في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته. إذ لو كان باطلًا لردته كما ردتهما. وهو كما قال رحمه الله. فقول كثير من المحققين من أهل العلم: أن الله جل وعلا ذكر هذه الأقوال التي تحدث بها أهل الكتاب، ليبين أن أكثر ما يقوضون فيه من استخرص ومن الخوض بغير علم. فذكر ثلاثة أقوال، ومعض القولين الأولين بقوله سبحانه: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. ثم ذكر الثالث وسكت عنه. وهذا هو الترجيح الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله. ومع ذلك، ليس بهذا دليل أبدًا على جواز الخوض بما سكت عنه، لم يؤيد ولم يحذر منه، بأننا نذكره ونتكلم فيه. لا. ولكن ذكر هؤلاء هذه الأقوال ليبين الراجح من المرجوح. فإذا ذكرت مثل هذه الأخبار على هذا الوجه، فلا بأس. كما يفهم من الحديث. ولو كان الحديث عامًا، لكنه ليس على إطلاقه، يفهم بالنصوص الأخرى كما سبق تفصيله. وبهذا نكتفي، الحمد لله رب العالمين.