الدرس في فوائد منهجية وتربوية من رسالة شرح السنة للبربهاري 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد على أهمية التثبت وعدم الاستعجال في قبول الأفكار الجديدة، ويحذر من أعداء الداخل. ينبغي الرجوع إلى أصحاب رسول الله والصحابة عند الاختلاف.
ينبغي على المسلم أن يتأنى ويتثبت عند مواجهة الفتن والمستجدات، ويرجع إلى أهل العلم والخبرة، ويتبع منهج السلف الصالح.
يُناقش كيفية التعامل مع زلات العلماء ويبين حكم تقليد الأئمة والعلماء، ويشرح متى يكون التقليد مذموما، ويبين موقف أهل السنة الوسط في التعامل مع زلات العلماء.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فذكرنا إخواني في الله أننا في هذه الرسالة الموسومة بشرح السنة، والتي استطرد فيها المؤلف رحمه الله تعالى أهم المسائل المتعلقة بحقيقة الإسلام في أقواله واعتقاداته، وهكذا في صنوف أنواع الطاعات والعبادات. ذكرت وأسلفت إخواني في الله أن حديثي إنما هو عن بعض الفقرات، لست ملزما بالكتاب كاملا، وإنما سأشير إلى بعض الفقرات المتعلقة بجانب التربوي والمنهجي. أما سائر الفقرات فلست بصددها، ولعل الله عز وجل يسر بمقام يكون فيه شرح الرسالة كاملا. ذكرنا الفقر الأولى والثانية، وهي قول مؤلف: الحمد لله الذي هدان للإسلام ومن علينا به وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ مما يكره ويسخط. اعلم أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر. فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالا مضلا. أظن هذه الكلمات والفقرات قد أشرنا إلى ما فيها من فوائد ومسائل. ثم قال: والأساس الذي تبنى عليه الجماعة وهم أصحاب محمد، ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار. ثم ذكر أثر عمر الذي قلنا يغني عنه ما جاء في الصحيح، قال: وذلك أن السنة والجماعة قد أحكم أمر الدين كله وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع. واعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئا بهواك فتمرق في الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك. فقد بين رسول الله لأمته السنة وأوضحها لأصحابه، وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله في شيء من أمر الدين فقد كفر. أيضا هذه الفقرة ذكرنا ما فيها من المسائل وتفسير الجماعة وموضوع التكفير. قال: وعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة. قال: وحد صغار المحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرا. وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينا يدان بها، فخالف الصراط المستقيم. هذا الذي قد مضى معنا في درس العصر، ومن باب الفائدة، وهي الفائدة المقطع الأخير فيها استطراد، وهو استقراء من المؤلف حين قال: وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كل بدعة، معنى أن كل من ألفاظ العموم. وهذا استقراء من المؤلف أن الفرق والجماعات التي تسمع بها يا عبد الله إنما كان من شأنها من خلال هذين الأمرين، من خلال هذين الأمرين كان صغيرا وكان يشبه الحق، صغيرا ويشبه الحق، فحصل فيها التساهل، فأصبحت بعد ذلك دينا وفرقا وجماعات لها أشكال وأسس وثوابت. ففيه الحذر إخواني في الله من الولوج في البدع. ثم قال رحمه الله تعالى: فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله أو أحد من العلماء. فإن وجدت فيه أثرا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختار عليه شيئا، فتسقط في النار. هذه الفقرة كذلك من الفقرات المهمة التي يستفيد منها المسلم مسائل في التربية ومسائل في المنهجية. فقوله رحمه الله تعالى: وانظر رحمك الله إلى كل من سمعت كلامه من أهل زمانك، أي ستسمع من المغرضين ومن المندسين ومن الخيرين ومن الأشرار، ستسمع كلاما. وفي ذلك إشارة إخواني في الله إلى أن تعلم أن أعداء الدين ليس فقط هم من يأتون من الخارج، حتى وجدنا أن بعض أهل الصلاح إنما حواره ونقاشه وجداله وصده إنما للأفكار الخارجية. فخطر أعداء الداخل ينبغي أن يكون أشد، لأن هؤلاء من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويندسون بيننا. فخطرهم أعظم من الخارج. ولنا عبرة إخواني في تاريخ الأمة، تأمل إلى ما وقع إلى سقوط الخلافة العباسية في أرض العراق، عندما دخل التتار أعداء الخارج، ما الذي أدخلهم؟ بالرافضة، هم الذين فتحوا الأبواب، فدخل التتار من هذه الأبواب. فالشاهد إخواني في الله أن هذا الأثر فيه بيان على الحذر من أعداء الداخل. كذلك في هذه الفقرة فيها بيان لضرورة التأني في الأمور. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تدخل ولا تعجل، لا تتعجل في أمورك، لا تستعجل في أنك تدخل في كل ما تسمع به، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أزمان المتغيرات، الأشياء الكثيرة تأتي على أمتنا. فتجد أن من الناس من لا عندهم مقياس ولا معيار في معرفة المصالح والفاسد، يأتي بشيء غريب جديد على الدين، يدخل فيه، يغتر بالشعارات، يغتر بالعناوين، يغتر بالدعاوى. مثاله بالأمس أول ما ظهر الطالبان، ثم إذ بهم جاءت داعش، أول ما ظهرت داعش، سمعنا من بعض أهل السنة من يركن إليهم، أن هؤلاء سينفع الله بهم. وهكذا يأتيك من يأتيك من هؤلاء الغرباء، وتجد الأمة تندفع، ظهر رجل لا يعرف له سلف ولا علم ولا دعوة، خرج بأشياء غريبة لأول مرة، الأمة تسمع به، محاضراته في صالات، والدخول بفلوس تذاكر، وخليط الرجال مع النساء، ويتكلم باسم الدين. فتجد من الناس من يدخل معه، ما يصح هذا الكلام يا عبد الله؟ وأي جديد يظهر تذهب وتنتظر، عندنا شيء اسمه تبين، تثبت، تأنى، تأنى يا عبد الله في اتخاذ المواقف. وهذا ينبغي في كل شيء، هذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان في مجلس، فإذا برجل يحدث، وابن عباس كأنه ما بال، فكأن الرجل وقع في نفسه شيء، قال: يا ابن عباس، بعدما انتهى من حديثه، وحدثك عن رسول الله، وأنت ما تلتفت ولا تصغي إليه؟ فقال ابن عباس هذه القاعدة المهمة: يا ابن أخي، لا يسوءك، لا يكون في نفسك شيء، إنا كنا إذا سمعنا الرجل قال: رسول الله، ابتدرته أسماعنا وأبصارنا، لكن لما ركب الناس الصعب والذلول، فما نأخذ إلا ممن نعرف. تثبت الناس لما تغيرت الأوضاع، ودخل الحابل في النابل، هنا وجب عليك التبين، إذا كان هذا في زمن الصدر الأول، فهم يتثبتون في مثل هذه المسائل، فما ظنك بحالنا نحن؟ سرعان ما يظهر لك واحد ويدعي الاستقامة، تجد الناس خلفه، لا أقول بالآحاد بل بالألوف، ويتنازعون حوله، ثم يظهر لك مجسوس أو أنه جاسوس، كيف هذا ينبغي إخواني في الله أن الإنسان مثل هذه المجريات التي تأتي وتطل علينا نتأنى فيها. سمعنا بالديمقراطية والانتخابات، صفق لها الناس، وجعلوها أسلوبا ونظاما إسلاميا، ليس كل شيء يا عبد الله تجعله للإسلام، فوق الإسلام، فالإسلام ما يرفض هذا ولا يقتبل ذلك. ولهذا ينبغي إخواني في الله أن الإنسان يتأنى، يتأنى، وخاصة مع الأشياء الجديدة، أشياء غريبة، مع الفتن. جاء في حديث المستورد رضي الله تعالى عنه أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا تقوم الساعة إلا والروم هم من أكثر الناس. فسمع عمر بن العاص رضي الله تعالى عن هذا الحديث، فأتى إلى المستورد، وكأنه يقول: تأكد أنت من هذا الحديث، هل سمعتم من رسول الله؟ فقال: أي نعم، سمعنا من رسول الله. قال: فإن كنت كما قلت، اعلم أن ذلك لخصال، لخصال إذا كان الروم من أكثر الناس، إنما وصلوا إلى هذه الكثرة لأمور، ذكر الأمر الأول والثانية، أربعة أمور، لكن يهمون الخصلة التي أحتاج إليها. قال: أنهم من أحلم الناس عند الفتنة، من أحلم الناس إذا وقعت عليهم الفتن في أزمانهم، في مجتمعاتهم، عاملوها بالحلم لا بالطيش. ولا زال تجد الآن بعض الأمم الكافرة، مجلس الشيوخ، الشيوخ هم كفار، عندهم مجلس شيوخ يتشاورون، يتناقشون، تأتي شيء يتناقشون العقلاء فيه، ثم يخرج للأمة. فإذا كانوا كما قلت فاعلم أنها لخصال أربع. فذكر هذه الخصلة: أنهم من أحلم الناس عند الفتنة، إذا هذا وإن كانوا كفارا، عند الفتن يحكمون عقولهم بالتأني، إذا كان الكافر هكذا، نحن من باب أولى، من باب أولى رعاكم الله. كذلك في هذه الفقرة كما قلنا التأني والتثبت مطلوب، لكن إلى متى؟ طب أنت منتظر، منتظر، منتظر، لا، هذا التأني والتثبت يكون للصدمة الأولى، أنك تحجم عن هرولتك، عن سرعتك، طب إلى متى؟ إلى أن تأتي بما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بأن يتضح لك الأمر. بماذا؟ بأحد أمرين، بأن تظفر بأثر عن أصحاب رسول الله، أو بقول من العلماء الربانيين، هذا هو الدليل على الحق المبين، أي شيء تسمعه انتظر، سل هل لك أثر من الصحابة؟ ما لهم شيء؟ ما طرأ في زمانهم؟ اسأل علماء، العلماء سيدلونك على الموقف الصحيح. لا تتبنى شيء ليس بمقامك، ليس بمقامك، لا بعلمك ولا بغرورك ولا بحماسك، أعد الأمر إلى سلفك الصالح، من العلماء ومن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. الصحابة قد مضى معنا كيف أنهم صمام أمان أن نستمسك بغرزهم، وكما قال رسول الله: حديث بمسى الأشعري، السماء أمأ النجوم، أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون، فدل ذلك على أن وجود الصحابة صمام أمان من الفتن. وأيضا كذلكم يعني مما يستدلب على أن الإنسان إنما يكون ينظر إلى ما عليه أصحاب رسول الله في مناقشة الإمام أحمد الشهيرة مع ابن أبي دؤاد، عندما ناقشه في مسألة فتنة خلق القرآن. قال: شيئا لم يدع إليه رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، وأنت تدعو إليه الناس، ليس يخلو، إما أن تقول: علموه، أو جهلوه، هنا بدأ النقاش. شيء دعوة إلى خلق القرآن، هذا شيء ما دعا وسمعنا عنهم من رسول الله ولا من صحب الكرام. قال: هذا أمرك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن تقول: أنهم علموا، أي علموا بهذه المسألة، بعظيم مسألة القول بخلق القرآن. أو أنهم جهلوا، جهلوا هذه المسألة. قال: فإن قلت: علموا، وسكتوا عنه، وسعنا وإياك من السكوت، ما وسعهم، وإن قلت: علموه، وإن قلت: جهلوه، وعلمته أنت وأصحابك. قال: فيا لكع، يا ابن لكع، أن يجهل النبي وأصحابه شيئا، وتعدلمه أنت وأصحابك. انظر إلى النقاش في بياني عظيم، منهج السلف، أنت أبي دؤاد، أتيت بهذه الفتنة، خلق القرآن، أنت بين أمرين. هل السلف الصالح علموا به، أو جهلوا؟ بين أمرين. إن قلت: والله علموا بخلق القرآن، ومع ذلك سكتوا، لأنهم سكتوا، ما عندك عنهم أي دليل، سكتوا، إذن يسعني أنا وأياك أن نسكت كما سكتوا. وإن قلت: هم ما سكتوا، هم ما علموا هذه المسألة. فقال: يا لكع، يا ابن لكع، يا أحمق، يعني أمر لم يعرف رسول الله ولا الصحب الكرام، أنت تعرفه في آخر الزمان، كيف يأتي هذا؟ فالشاهد أن إمام أحمد ألزم ابن أبي دؤاد بمنهج السلف، بصحب الكرام رضي الله تعالى عنهم. والأمر الثاني بسؤال أهل العلم، بسؤال أهل العلم فيما يستجد عليك من مستجدات ومتغيرات. ارجع المسألة إلى من هو أكبر منك علما، وهذا الأمر قد دل عليه ربنا في كتابه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي شيء من هذه المسجدات ظهرت، فرقة ظهرت، ظاهرة ظهرت، مثل غريب، من مثالك الدعوة، ظهرت شخصية، إن خلطت مباشرة، وأصبحت لها شان، لا تستعجل بالمديح، ولا بالانضمام، لننتظر، نسأل: يا شيخ فلان، يا العالم فلاني، تعرفون هذا؟ فإن زكوا وأشادوا وأشاروا وأعطوك الضوء الأخضر في الإقبال والانضمام، على بركة الله، ولا يضرك شيء، وإن قالوا: لا، لا تقف يا عبد الله حيث وقف القوم. ولماذا العلماء جعلوا لهم هذه المنزلة؟ لأسباب كثيرة، لأن الله أعطاه من علم الوحي، وهو علم الكتاب والسنة، وكان عندهم من البصيرة ما ليس عند غيرهم. يعرفون النوازن قبل أي أحد، حتى قال الحسن: أن الفتنة إذا أقبلت، علمها العلماء، وإذا أدبرت، علمها الناس، الناس يعرفون أن الأمر الفلاني فتنة، بعد فترة. مثل ما ظهر في بعض الجمعيات الخيرية، كان شيخنا مقبل رحمه الله يصيح بأعلى صوته: حزبية، حزبية، حزبية، مغلفة، حزبية مغلفة، وكان الناس يستغربون، لماذا هذا؟ حتى أشيع عنده أنه لا يقبل العمل الجماعي، وأشيع عنه بأنه يحرم كل الجمعيات، فجاءت الإشاعات، وهم لا ينظرون إلى ما كان ينظر إليه رحمه الله، إلى أن أدبرت الفتنة، وأظهرت الجمعيات ما عندها. وأصبحت فرقا ومناهج وطوائف، وحين علم الناس صحة قول العلماء، وهكذا، فتجد أن العالم عنده من البصيرة ما ليس عند غيره. وانظر يا عبد الله إلى حال الوقائع الكثيرة، كيف أن العلماء نصحوا، فمن لم يرفع بنصح أهل العلم رأسا، ظل سواء السبيل، هذا جعد من صفوان، كان يأتي إلى عبد الله بن وهب، يناقشه في الأسماء والصفات. فكان جعد وهب من شيخه يقول له: يا جعد، يا جعد، شيخه مشفق على طالبه، يا جعد، أقصر، أقصر، المسألة لا تدخل في تعمق، هذه المسائل، مكل واحد يسأل عنها، أقصر المسألة، ونصحه. ثم قال: إني لأراك من الهالكين، وماذا صار؟ استمر جعد في غطرسته ونقاشه، حتى قتل في آخر عمره، مقتولا بسيف الشريعة، الشيخ قد تنبأ به: إني لأراك من الهالكين. واصل بن عطاء مثلا كان من طلاب الحسن البصري، في حلقته يدرس عنده، وكان مكفن بالخيرية، إلى أن جاءت تلكم المسألة، والتي اعتزل واصل عن شيخه الحسن، ثم ماذا أصبح؟ رأسا في الضلالة المعتزلة. لما انشق عن إمامه وخرج، وهكذا قس، يا أبا عبد الله، باقي الدعوات والجماعات، فتنة الأخنس، فتنة أبي الحسن المصري، كيف كان؟ وكان العلماء بالبيانات، وبالتحذيرات، وبالجناس، وكان يضحك بهم، ويستهزئ بهم، ويأتي بالملزمة تلو الملزمة. حتى وصف مشائخه بقواصي الصلصة، وأنهم وأنهم يضحك بهم، وأني أنا، وأني أنا الذي تعرفني السهول والجبال والوديان، ثم أين هو الآن؟ لا زال في الوديان، ما خرج من الوديان. اغتر لو أنه أخذ بأقوال العلماء، ورفع بها رأسا، أجعل الله له شأن ودان، لكن لا تخالف العلماء، وهكذا الفتنة الأخيرة التي أطلت علينا، كيف أن المشايخ والعلماء كانوا لصاحبها بالمرصاد، بالنصح والجلوس والتأني والتثبت. لكن بالمثل ما استفاد من سابقه، ما استفاد، أنا الذي يفعل كذا، والله لأني لأضرب، وأنني لأنسف، وأنا كذا، وأنا كذا، وأصبح يرعد ويزبد، تركه، أين هو الآن؟ ابحثوا عنه، من مركز شامخ، بآلاف آلاف الطلاب، أين ذهب؟ ابحثوا عنه، يحتاج إلى بحر، هنا وهنا وهنا، ذهب، الله بملكه، لماذا؟ وخالفت العلماء، عبارة سمعتها من شيخي مقبل، من هادي الوادعي رحمه الله، حيث قال: قال أهل السنة، أي العلماء، إذا تكلموا في رجل أحرقوه. إذا تكلموا في رجل أحرقوه، فاذهب. فالشاهد إخواني في الله أن من أسباب الثبات عند المتغيرات أنك تضفر بأثر عن سلفك الصالح، من الصحابة، أو أنك تسأل أهل العلم. ثم قوله رحمه الله تعالى: أو تسقط في النار، فيه بيان أن السقوط في النار لهذا المخالف، إما أنه يسقط في نار الدنيا، بمعنى الهلاك والضلال، كما سمعت من تلك الحوادث للمخالفين. أو أنه يسقط في النار الآخرة، إن لم يتغمده الله برحمته. ثم قال رحمه الله تعالى: واعلم أن الخروج عن الطريق على وجهين، أما أحدهما فرجل قد زل عن الطريق، وهو لا يريد إلا الخير، فلا يقتل بزلته، فإنه هالك. وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فوضل مضل، شيطان مريد، في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه، ويبين للناس قصته، لئلا يقع أحد في بدعته فيهلك. هنا أشار المؤلف إلى مسألة مهمة، وهي من أسباب الانحراف والخروج عن الجادة، وذلك يكون إلى أحد أمرين، لشخص أراد خيرا، ولآخر نوى شرا. نبدأ بالأمر الأول، إلى رجل أراد خيرا، فزل، زلت قدمه، وفي هذه المسألة فائدة على أن ما هناك معصوم، ما هناك معصوم، فالإنسان وكل إنسان، عرض للخطأ، عرض للزلل، عرض للخطأ، للزلل، حتى لو كان من أهل العلم. حتى لو كان من أهل العلم. وقال الحسن بن فضيل، الحسين بن فضيل رحمه الله تعالى: قال: لكل عالم هفوة، لكل عالم هفوة. وقال إمام أحمد رحمه الله: لا تقلد دينك الرجال، لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا. فأحد سيسلم من الغلط؟ فلا تجعل مصيرك بمصيره، وحركاتك من حركاته، سيأتي يوم وسيزل هنا أو يخطأ هنا. الفائدة الثانية في كيفية التعامل مع زلات العلماء، هذا العالم أو هذا الشيخ أو هذا الإمام الذي زلت قدمه، كيف يكون التعامل معه؟ الناس في هذا الباب على طرفين. قسم لربما جعل من زلة هذا العالم شناعة يشنعون عليه، فيسقطونه، ويخرجونه من إمامته، ومن علمه، ومن فضله، ويجردونه من كل خير هو فيه، لماذا؟ لزلة وقع فيها. كما قال الإمام الشعبي رحمه الله: كما في السير، قال: والله لو أصبت تسعا وتسعين مرة، وأخطأت مرة، مرة واحدة، لأعد علي تلك الواحدة، هذه كفاية في إسقاطه. ولن يرون ما كان من الخير والصواب والإنصاف في هذا الباب، ما سيجدونه، بل سيسقطون، إن سقطه هذا، قسم ونراه، وقسم نراه، إن ظفر بزلة من عالم، شنع به وطاح به، فلا زال يبحث عن عالم آخر حتى يسقطه. الصنف الثاني من الناس، وهو الذي على طرف النقيض، وهو الذي لا يرضى ولا يقبل أن يوصف شيخه بزلة أو بهنة أو بغلطة، لا يعني لو أراد أن يصرح لصرح، يقول: شيخي معصوم. لكن ما يستطيع يتجرأ، لكن واقع الحال: نعم، شيخه معصوم، ما يرضى أن يقال له: شيخك أخطأ، بل يعلم أنه أخطأ، ومع ذلك يتمادون عليه في الخطأ. شيخك غلط، حكم على المكان الفلاني أنها جامعة مختلطة، وأنها جامعة فيها بنطلونات، وأنها جامعة، وطبع هذا كله كذب، أخطأ شيخه، لا، لا، ما أخطأ، يعني إيش معنى هذا؟ خلط، ولا لا؟ ما يتخرج، ولا، وسأدفع لك فلوس، قل: أخطأ شيخي، تدفع حتى ملايين، أقول لها: عجيب، ما يتجرأ. وهذا يذكرني برجل من الشافعية، وهو سليمان بن يوسف، بالمفلح، سليمان بن يوسف، قال: يقول عن نفسه: كنت إذا سمعت شخصا يقول: أخطأ النووي، أعتقد أنه كفر، بس، كفى، هذا عنده من نواقض الإسلام. يتجرأ واحد بس يقول: النووي أخطأ، كفر، هذا نعم، يعترف بجهله الذي قد وقع فيه، لكن صرح، لكن بعضه، كثير من هؤلاء يوجد عندنا، لكن من يصرحون بهذا، لكن واقع قل. شيخهم قال بكذا، قال عمر وقع في شبهة الإرجاء، أخطأ، طيب، قال: إن رسول الله أخطأ في وسيلة في وسائل الدعوة، أخطأ، شيخكم، قال: يا رجل، أنه عبس وتولى، وأشياء طوام يأتي بها، أخطأ، أبدا، ما يتجاسر على أن يرمي شيخه بالخطأ. هذا نسمي هذا هكذا، حال كبعض الناس الذين للأسف يدعون السلافية، ويدعون تعف أن السلافية فيها كذلك فيها خبط، سوء تربية، سوء تربية. لكن أهل السنة لا عندهم مكلس، أريحية، شيخنا أخطأ، شيخنا أخطأ، أخطأ في كذا، وأخطأ في كذا، على ما نرى من ظاهر الأدلة، والصواب الله عنه، لكن أنا أعترف بهذا أنه أخطأ. ما عندنا حمية، ولا عندنا تعصب، هذا هو الداء الحزبي الذي يظهر الحزبية، ليس بعبارة عن عباءة الحزبية، مسلك وسلوك يظهر في التعامل، كما نرى وكما سمعت يا عبد الله. هذا بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. الشاهد إخواني في الله أن أكثر التعامل مع زلة العالم أنه توضح وتبين، مع الحفاظ لمنزلته التي أنزله الله إياها، فما من أحد معصوم، لكن لا نعاملهم كما سمعت من تلكم الطوائف الشاذة في تعاملها. إما إسقاط لأي زلة، وإما إبقاء مهما توالت الزلات، لا هذا ولا ذاك، لا إفراط ولا تفريط، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: من قال: يجب اتباع إمام بعينه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. من قال: يجب اتباع إمام بعينه، فإنه يستتاب، لماذا يستتاب؟ لأن هذا الذي أوجب على جميع الأمة اتباع شخص معين، هذا من هذا الشخص المعين؟ من هو؟ لو قلت: أنه من أعظم إمام، يبقى بشر، بشر هو، عرض للزلل، عرض للخطأ، لا هو أحد، ليس هو معصوم، إلا من عصمهم الله، والموهم الأنبياء والرسل. أما تولد وتجعل له شخص وتلزم الأمة جميعا على اتباعه، وأن أفعاله وأقواله حجة، لا يكون هذا لأحد إلا لأنبياء الله، فقال: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، أي من مقالته. قال: ومن قال: ينبغي اتباع فلان، فإنه جاهل ضال، ومن قال: ينبغي اتباع فلان، فإنه جاهل ضال، هذا آخر الثاني، قال: يجب، واجب، وإذا ما اتبعتموه، فإنكم وإنكم، هذا يستتاب، يأتي آخر متحذل يقول: لا، لا، مواجب، لكن ينبغي، ينبغي انتباعه. هذا رجل عنده غير على الدين، ما أفقه أحد، هذا الذي إذا كان وإذا فعل وإذا قال وإنه سنة وإنه ما ينبغي لأحد يخرج منه، ينبغي نكتف حوله، وأنه ما نخرج عن قوله، ينبغي. قال عنه شيخ الإسلام: ومن قال: ينبغي، هذا جاهل ضال. وانظر يا عبد الله إلى كثرة الجهلة في هذه الأزمان، ولا يغرك عمامته ولا قميصه ولا طلابه، وهو جاهل، جاهل. لكن لأين هؤلاء الذين ما تمرسوا على معرفة المنهج الصحيح لدعوة أهل السنة والجماعة؟ فما هناك أحد يتبع إلا نبي الله، وعلى هذا كلام العلماء من الأئمة، ما نصب أنفسهم أبدا لأن يكونوا مرجعية لأممهم. وإنما ذلك فضل من الله، منازل أنزلهم الله إياها. وهنا تأتي مسألة إخواني في الله، وهي لا زلنا نتحدث عن زلة العالم، أحيانا زلة العالم هذه لربما يرفع عنه الملام، حتى ما نعتبرها زلة، أو تعتبر الزلة ولا يلام عليها، أو نرفع عنه الملام. وهذا بعدة شروط، منها الشرط الأول: أن تكون المخالفة في أمر خفي دقيق، يعني وقع في مخالفة ما أحد يتفطن إليها إلا من كان متمرسا، قل: لي، يا إمام، قلت كذا، وهذه شفت المسألة، يعني تحتمل. وأنه شفت لو أنت دققت العبارة فيها ستجد أن مضمونها خطأ، وتجد أن فيها خفاء، هذا خفاء ما احتاج تدقيق فيها، أن نشهرها للإمام أو العالم الفلاني، تترك، لأن أمرها خفيف ودقيق لا ينكشف ولا يدرك عنه. وأن تكون هذه الهفوة إنما وقعت من هذا الإمام بعدما أن استفرغ وسعه، اتقى الله، ما استطاع، واجتهد، وجمع الأدلة، ثم خلص إلى هذا القول، وكانت هذه القول هي في الحقيقة زلة، زلة منه. لكن هذه الزلة ما خرجت هكذا، يعني هوى منه أو تعصبا، وإنما خرجت بعد تمحيص وتدقيق واجتهاد، واتقى الله فيها ما استطاع، فهذا مما يرفع عنه الملامة، يرفع عنه الملامة لأنه اتقى الله ما استطاع. والأمر الثالث: أن يكون هذا الإمام له من الصواب ومن الخير الشيء الكثير، ما تغمر فيه زلته، ما تغمر فيه زلته، ولهذا تجد في التراجم، عند عند يترجم لإمام من الأمة، ويقال: وهذه الزلة تغفر، أو تغتفر، أمام بحر حسناته. ما في ناعينا نشعلها، ونجعلها هي، وهي، يعني أنه فعل، وأنه لازمون، وندن عليها، أنه فعل، وأنه لا، استغمر، وانتهينا، لكثرة محاسنه، ولكثرة فضائله. فلا يقتدى بزلته، هنا تأتي مسألة الاقتداء، وهو الاقتداء والتقليد، التقليد لأهل العلم، التقليد لأهل الفضل، طبعا مسألة التقليد بقها طويل، وهو بل جعل من مباحث أصول الفقه. ويذكر كذلك في باب الفقه، حول مسائل التقليد، وصول التقليد، لكن هنا قال: لا يقتدى، يوصلون إلى مسألة نختصرها اختصارا، وهي متى يكون الاقتداء أو التقليد مذموما؟ متى يكون التقليد مذموما؟ لا تقلد، متى لا تقلد يا عبد الله؟ ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن أقسام التقليد المذموم يعود إلى ثلاثة صور، التقليد المذموم يعود إلى ثلاثة صور، الصور الأولى: في حق من قلد أحدا، وهو معرض عما أنزل الله، معرض، أي عنده القدرة على النظر في الأدلة الشرعية. لكنه يقول: لأنه ما في داعي لي أن أقرأ، ولا أن أستنتج، ولا أني أتأمن، لا، أنا أذهب لأقول: فلان، من فلان، وأخذ بقول، يكفيني هذا، هذا تقليد مذموم. لأن التقليد إنما كان عن إعراض عن شرع الله، وبإمكانه أن يصل إلى شرع الله، وهذا الذي أمرنا أمرنا ربنا عز وجل أن نأخذ من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة، اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم. الشرط الصورة الثانية: أن يكون هذا التقليد يؤخذ ممن لا يعلم الأهلية، الأهلية، أنك تقلد من لا يملك الأهلية، تجد إلى إنسان تذهب إلى إنسان لا يعرف له شان ولا دان في مضمار العلم. وتتخذه لك إماما تقلده، ومن هو هذا الإمام؟ نكرة، نكرة، فلو قلت: أنا مقلد في المسألة الفلانية، فلان، مقلد، أنا مقلد، عوض، من عوض، يا ابن الحلق، لو الله عوض، هذا طالب علم قوي، أحد يعرفه، يا الله يصلحك. تأتي لي بأي واحد وتجعله لإماما وتقلده، فمن قال العلماء: إذا من نصب لنفسه، قلد رجلا وليس أهلا للتقليد، هذا من التقليد المذموم. الصورة الثالثة: أن يكون التقليد الحجة، دخل في مسألة، فإذا بالخصم أفهمك، خلاص، هذا الدليل، قلت: إيش؟ قل: هذا الدليل، جاء في الصحيح، جاء في التفسير، قال كذا. قل: لا، لا، لا، أنا أذهب للتقليد، أنا أذهب للتقليد، كيف تذهب للتقليد بعد ما سمعت الدليل ورأيت الحجة قامت عليك؟ ثم الآن تتنصل بحجة أنك مقلد لفلان، هذا ما يصلح. فالتقليد بعد قيام الحجة، تقليد مذموم، هذه صور الثلاثة الذي أشار إليه ابن القيم رحمه الله تعالى أن التقليد فيه يكون مذموما، أن يكون التقليد مع الإعراض عما أنزل الله. أو التقليد مع من لا يعلم أنه له الأهلية، والثالث التقليد بعد قيام الحجة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في الصورة الثانية للانحراف: قال: وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فوضل مضل، شيطان مريد. في هذه الأمة، إلى آخر ما قال، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس، ويبين للناس قصته، إلى آخر ما قال. وهذه مسألة فيها كذلك من الفوائد، أولا أن هذا الفاعل، وهذا فرق الأول: رجل صالح، وقع في زلة، هنا رأينا كيف التعامل معه. في نفسه، وفي حق من يقلده، الصورة الثانية الآن في رجل لا هو يفسد في الناس، كيف نتعامل معه؟ وصفه المؤلف